البقاء في الخرطوم

ملاحظتان موسيقيتان:
[١] يُنصح عند قراءة هذه القصائد بالاستماع لمقدمة متتاليات التشيلو رقم [١] لـ يوهان باخ (Cello Suite No.1, Prelude) لا لشيء إلا لأنها كانت الخلفية الموسيقية للشاعر أثناء إنجاز هذه القصائد.
[٢] ثمة إشارة للمغني مصطفى سيد أحمد في القصيدة السابعة التي تحمل عنوان المجموعة. تحديداً إلى هذا المقطع من أغنيته : “والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة ولا في إيدها جواز سفر” وقد تمت الإشارة إليه في ملاحظة أولية لأن استخدام الهوامش في الشعر أمر غير محبب للشاعر.

 عن الليل

شفرة:
رأيتُ في ما يرى التائهُ النار
غيمةً لا يلامسها الصدى غير باغٍ
دانتْ، فلما ملأتني بالودِّ
أعادتني روحاً فُقدتْ في الصبا
نادتْ ليَ الأقمار وأطفأتني الآن

النص:
سأُشرع صدري للهائمين في الضواحي قبل أن يلتهمهم
فأنا فريسة ظلاله القصوى
أيضاً،
سآتي بدرويشٍ دفعتْه إلى هاوية الخبل طعنة مرود في القلب
عينان يكحلّهما الغيب تحدقّان به دوماً
بكل شيء
باللا شيء
بي
وهو يهذي، يصيحُ داخل أحشائي من الفقد
والهائمون بجوفي يرقصون حوله
يملأونني ونساً
لئلا أكون جرماً تائهاً في المجرة
تعوزه الصحبة
يصفدونني بما يستحقّ الحجامة
بدمٍ ينفجرُ على الجدران اسماً بعينه
لغته لا تُقرأ
لا ينطق بها إلا الدراويش:

حسابُ ما لا يُحصى

أولى،
فرادةً جمعتْ رغداً في المثنى
اثنتان كقوسي وجنةٍ تحيط الابتسام
ثلاثةٌ في الاستحالة
أربعةٌ للفصول
خمسةُ المصافحة
ستةٌ، كصحبةِ سبعةٍ وقع أحدهم في الحب
سبعةٌ من خيط صباحٍ مَرّ في منشور زجاج
ثمانيةُ يدينٍ تعزفان على ساكسفون
تسعةٌ يقبضن على إبهامٍ طعنته وردة
عشرةٌ عندما ضمّدتْه بقبلة، فحضنتُها
التي وهبت من الغمر ما يُنسي الحساب
فما عَددتُ من بعدها
ولا وردتُ في إحصاء.

7

يبدلون الوردية عند منتصف الليل،
سبعةُ حمقى يترددون إلى غرفتي كل صباح
واحداً تلو الآخر
لا يجتمعون أبداً
إلا على فعل الأشياء نفسها على حدة
سبعةٌ. لا يكلون لا يملون عن ضجري
من كل شيء
عاجزين عن تذكير النسيان بي
بينما أجهل التخلص
ذات أحدهم، تحديداً ذلك الهادئ الذي يأتي أخيراً
سأتركه في الغرفة
وأقفز من شرفةٍ في الطابق السابع
صوب الشارع الفارغ من المارّة
لأستمتع بالعطلة.

Visa

كلما استيقظتُ وجدتُ نفسي.
لولا أن بيني وبين الحسامِ الذي كنته ستةُ آلاف ميلٍ
ونيّف
ساقي مغلولةٌ إلى سأم الأطلس
وجواز سفري مختومٌ بالجينوم الأول،
نحن الذين دفنا أحلامنا في المطارات، ورحلنا عائدين
إلى وطنٍ من حنين
يلطخُ المدن الجديدة بالمفارقة
بألا ينتظرك أحدٌ في المساء
إلا وراء شاشة..
ما الهشاشة ؟ إلا أن أكون غيري.

مقطعان آخران عن الليل

-١-
أأقتلع الليل من خصيتيه
كي لا ينجب لي قمراً آخر؟
وأترك هذا الأخير الليلة فقط
معلقاً على السهاد
يُضيء وحدتي القارسة
وما تبقى

-٢-
ما الجدوى من انتظار نهارٍ آخر
كالذي مضى
فما من “صباح الخير”؟!

سورة نيويورك

يودُّ صدري لو يتشقق
أن يفرَّ من قفصه ندمٌ ذَئوب
يصعد إلى تلال مقمرة
ويعوي
بلا جدوى (١)

جثةُ كلبٍ على قارعة الطريق
هكذا استلقيتُ الأرق
احتضاراً لا ينفد
بالإنصات إلى دويّ الكون في سكون العتمة
بالوعي التام لكل نبضات الجهاز العصبي، وأنا أُعتصر منّي
قبل أن أُمسح بنوافذ السيارات في شارع النيل
ممتصاً النهر كله
متسعاً لكل عيون الغسّالين، إذا بكوا
إذا..
دون أن تتاح لي الإصابة بالغدد الدمعية
أن يكون للخرق البالية ترف الحزن (٢)

سأتوجه إليها قبل أن تصل
على متن رحلةٍ تحمل الرقم نفسه
صباح الحادي عشر من الشؤم،
قبل ثلاثة عشر عاماً من الآن. سأستقبلها
أرتطمُ بالبرج الشمالي أولاً
كي أصير نيويورك
وإن تفتتُّ رماداً (٣)

قولي لو كان البحر مداداً لصرخات وجعي، لنفد البحر… (٤)

تنصهر ذاكرتي شيئاً فشيئا
يُثقل لساني من هول الليل
والأرواح المتساقطة مع ذبول الشهب
كلها الآن تلدغني
تستدعيني للهرب
والأبجديات تتضاءل إلى الهمزة المفتوحة
فتنكمش اللغات في رأسي إلى التأوه التام
أصرخ
يصيبني الصدى بالصمم
ألقي بنفسي إلى هاوية
أسقط إلى الأبد
ولا أرتطم (٥)

البقاء في الخرطوم

الفجوة التي حفرتني وصلتِ الآن إلى دنفر
صار يتنقل من مدينة بعيدة إلى أخرى،
هذا العطشُ القاتل إلى ملء بيانات تأشيرة الدخول باسم [محذوف]

النوارس تحلقُ على الشاطئ في كناية مبتذلة – لا أود استخدامها في القصيدة
لذا، سأستبدلها بالصقور الحائمة التي لا تبارح سماء شرفتي
حول سطحٍ تنتصبه القضبان
هيكلُ مبنىً هائل لم يكتمل بناؤه. لطالما حرمني من قرص الشمس الصاعد إلى الأفق
كثيراً ما أردتُ استخدامه في تشبيهٍ لوصف قلبي
لولا أنني أكره إقحام القلب في العاطفة
المهم،
تطير الصقور
تعود
تُحلّق أمامي فاردة أجنحتها بكل صفاقة
بينما أحتسي قهوتي الباردة. ساهماً في الأشجار حول سياج المطار.

لو أن الصقور تأخذ من يومي الشروق، وتمنحني دنفر
لو تأخذ يومي كله
وما تبقى من رزنامات التقويم السنوي التي لم تطبع بعد،
وتملأ فجوتي
أو ينشق صدري عن صقر أكثر حصافة مني لا يحب الخرطوم
لا يعوزهُ الاستماع لـ مصطفى سيد أحمد ليدرك عدم حاجته إلى جواز سفر يحمل شعار صقرٍ آخر
يُحلّق
يأخذني
يحط ليحّدق. حتى دون أن يحط
كل ما أودّه عينان لي هناك. أرى. أطمئن
دون أي تدخل.

كنتُ أرغبُ في وصف وحدتي في أول القصيدة بأنها من القسوة بحيث لم يعد لي ظل، لأنه صار هناك بعيداً يتبع من لا قبل لي باتباعه، وأن الشمس تدخلني كشبح لا وجود له في الفيزياء. كي أعطي انطباعاً مؤثراً عن مدى بؤسي، لكني نسيت.

لستُ قادراً على المواصلة….

قصيدةٌ في وصف العزلة مليئة بالأقمار

تلالٌ هائلة تتراقص في وحوش العتمة
لولا أن سماءً مرقّطةً بلآلئ بيض، تُحدّق
هناك المحيط
كمصابٍ بخللٍ في الشبكية
أرى نسخةً من القمر لا يعوّل على استدارتها للهبوط
والنجوم ترمقني في عزلة العاصفة
ريثما تلتهمني الغيومُ الريح
بغدر من يقف على الحياد
بنظرة أطفال يحيطون نعجة تواجه الجزار وهي تمضغ السأم
يشق احتمالاتي الضئيلة في النجاة البرق:
مصورٌ فوتوغرافي أعظم
يلتقط لي صوراً مؤثرةً من الأعلى تختلط فيها قطرات المطر مع الدموع
دون أن يتدخل

أنا موحشةٌ وأزرق
أقطعُ السهل ركضاً بسيف في الخاصرة
كل شظية تطير من قرى الجبال البعيدة تحت القصف تقتلني
أنا قرية نوبا اختبأتْ بأسرها تحت صخرة
ريثما تمر إمداداتُ الخرطوم من النار
وتحصد الحقول

قمر،

أنا قبيلتان تقتتلان في العتمة
فلما جاءوا ليحصوا أيّ الجثثِ لأيّ
اقتتلتا مجدداً

قمر،

أنا سوريونَ في الخيام
نتجمد من العزلة خلف سياج الحدود
بينما نرى البيوت الدافئة في كوردستان
تحترق

لستُ حتى من الجولان

قمر،

أنا رجلٌ آخر
غير الذي تظنه أمي
لا أُشبه الابن الذي أنجبتْ
لا يشرب من صورته إذا انحنى إلى الجدول
أو يجد نفسه في صور المدرسة
يستجوبه العسس كلما تفحصوا هويته في المعابر
عما لو تسبب في الخسوف الأخير للقمر
عن انهيار معنويات الجنود في السافانا الفقيرة
وأين اختفتْ الرؤوس المبتورة للأهرام

هل قبّلَ بنتاً في عاصفة الرمل؟
أوَلستِ أنتِ الرمل؟!

قمرٌ آخر يبحث عن جملة،

ارتدى البئر الحافي ظمأتي السابعة
كقمرٍ يتفتتُ في غلاف الجو
أسمع قصتي تُتلى بعواء ذئاب
والأغصان العارية تتشبثُ بروحي من العاصفة
لا تنتشلني أي عتمةٍ من جسدي وهو في أحضان نفسه
سبعُ مرايا مشروخةٍ، ليس إلا
كانت في برواز واحد، زمان
أرى شظاياي فيها وأُغمض
من معاول الوقت وهي تحفر ملامح وجهٍ لم يعد وجهي
أختلي بمشاهد الذاكرة في غرفة المونتاج
أُشبه شخصاً آخر غيري
وأختفي في الحشد


رسمة المقال من أعمال الفنان السوداني جلال يوسف

Hussam Hilali

Writer and theater maker from Sudan. He studied biotechnology at Misr University for Science and Technology and has been working in the cultural field in Cairo since 2003. He has participated in several plays as a writer, dramatology, assistant director and actor. Also works as a professional journalist since 2013. Currently residing between Cairo and Khartoum. كاتب وصانع مسرح من السودان. درس التكنولوجيا الحيوية في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، وكان يعمل في المجال الثقافي بالقاهرة منذ عام 2003. شارك في العديد من المسرحيات ككاتب، دراماتورجي، مساعد مدير وممثل. يعمل أيضا كصحفي محترف منذ عام 2013. يقع حاليا بين القاهرة والخرطوم.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s