لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (2-3)

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية قدم الموسيقار والمسرحي زياد الرحباني عبر إذاعة “صوت الشعب” فقرة في برنامجه الساخر “العقل زينة” نصح فيها الثوريين: “لتعمل ثورة عالنظام لازم أول شي يكون في نظام، أي نظام. إذا عملت ثورة عشي مش موجود كيف بتظبط معك؟”. ما أود طرحه عبر هذا المثال هو السؤال: هل يوجد نظام سياسي في السودان محكم السيطرة من نخبة معينة بالمعنى التقليدي؟ وكيف يبدو؟ فمن السهل القول بأننا معارضون للرئيس عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني، ولكن هل نمتلك القدرة على إزاحتهم، لا وبل إدارة البلاد بعدهم؟

عنون أستاذ الاقتصاد السياسي المصري الراحل سامر سليمان رسالته للدكتوراه بمعهد الدراسات السياسية في باريس بـ”النظام القوي والدولة الضعيفة”. حيث تمحوّرت أطروحته الرامية لتحليل أسباب الأزمة المالية لنظام حسني مبارك حول فشل مشاريع التنمية في عهده الذي استمر لثلاثة عقود عبر عرضه لمظاهر أساسية: زيادة الإنفاق من موازنة الدولة على أجهزة الأمن على حساب القوات المسلحة -التي كانت تمتلك مؤسسات اقتصادية قوية بالفعل- بغية السيطرة السياسية على الداخل بعد أن فقد النظام جزءًا كبيرًا من شرعيته مع استمرار فشله في إدارة الدين العام المتفاقم وعجز الموازنة طوال فترة بقائه الطويلة في السلطة.

وعجز النظام المصري عن شراء الولاءات الاجتماعية كأحد أهم أدوات السيطرة خصوصًا بعد إبعاد مراكز صناعة القرار القديمة لتتمحور الإدارة في شخص الرئيس وحده.

تمحورت أطروحة سامر سليمان في تمييزه بين مفهومي الدولة والنظام. ولخص الصحفي بجريدة الأهرام محمد سعد الفكرة في عرضه للكتاب بقوله: “النظام الذي يشكل المجموعة الحاكمة للدولة التي هي مجموع المؤسسات والروابط الاجتماعية عمل على تقوية نفسه على حساب التنظيم الأعم “الدولة” في كل خطوة لتدعيم حكمه، فكانت كل خطوة في طريق تدعيم النظام هي خطوة في طريق إضعاف الدولة وقدرتها التنظيمية”. ألا ينطبق هذا التحليل بصورة أو بأخرى على الوضع الحالي للسودان؟

تروقني المقارنة في التاريخ السياسي لكلٍ من مصر والسودان لأسباب موضوعية تتعدى التاريخ الاستعماري بينهما، فثمة العديد من السمات المشتركة بينهما رغم الفروق الواضحة بين النظامين: لا توجد حرب أهلية في مصر إضافة إلى تمتعها بوضع أمني ودفاعي مستقر بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وفيما لا تمثل الطائفية دورًا في السياسة المحلية لسيطرة الغالبية المسلمة على الدولة فإن مركزية الإدارة في القطاع الحضري وعراقة الحياة المدنية المصرية جعلت من العشائرية عنصرًا هامشيًا في السياسة المصرية إلا فيما يتعلق بالانتخابات النيابية في مناطق الصعيد وسيناء.

الدولة السودانية مركزية أيضًا لكنها وعلى عكس الوضع في مصر واقعة تحت سيطرة مجموعات عرقية/قبائل محددة، تسكن القطاع الأوسط من حوض النيل ولا تمتلك لغاتها المحلية الخاصة. ما عزز من اشتعال حروب الموارد والهوية في بلد يتمتع رغم قلة تعداده السكاني بتنوع هائل في اللغات والإثنيات، فاستبدلت العنصرية والقبلية بالطائفية دون أن تختفي هذه الأخيرة تمامًا مع تشكيل العروبة والإسلام بوصفهما “الثقافة القائدة -LeitKultur” إذا ما صحت الترجمة عن الألمانية.

المقارنة الأثيرة لدي تعود لانتفاضة ٢٠١١. كان العديد من أصدقائي المصريين -غير المطلعين لما هو أبعد من ضاحية حلوان- يندهشون عندما أرد على سخريتهم المتسائلة عن عدم انضمام السودان للربيع العربي بالقول إن ربيعنا ازدهر وانحسر في الثمانينيات، وكان السيناريو متشابهًا لدرجة تدعو إلى الرثاء: يكرر الرئيس جعفر نميري المناورة البائسة لنظيره المصري أنور السادات بالتقرب إلى الإسلاميين والتحالف معهم، لكنه بدلًا من أن يكتفي بإضافة المادة الثانية إلى الدستور المصري التي تقر بأن الإسلام دين الدولة، يذهب بعيدًا باحتواء الإخوان المسلمين في الاتحاد الاشتراكي -أحد النماذج المصرية المكررة في السودان من تركة الناصرية- ويخاطر نميري بانهيار اتفاق أديس أبابا للسلام عبر تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، منهيًا الحكم الذاتي للجنوب، ومعيدًا بذلك إشعال الحرب الأهلية.

في مصر اغتال الإسلاميون السادات واندلعت “الحرب على الإرهاب”. في السودان اختلف نميري مع الإخوان المسلمين ولكن دون أن يعود عن قرار الحرب في الجنوب. ينهار الاقتصاد وهنا تبدأ المقارنة بين السودان ١٩٨٥ ومصر ٢٠١١:

– تندلع المظاهرات وتضرب النقابات وتتوحد الأحزاب في سبيل إسقاط النظام.
– الجيش يتدخل في السادس من أبريل ١٩٨٦وينقلب المشير سوار الذهب على رئيسه ليدير المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفترة الانتقالية.
– بعد عام يكتسح الإسلاميون الانتخابات النيابية ويشكلون حكومة ائتلاف مع أحزاب اليمين الأخرى ويهمش اليسار الذي قاد الانتفاضة دون أن يجني ثمارها.
– يتردى الوضع السياسي وتفشل الأحزاب في تشكيل حكومة توافقية مستقرة فينقلب الجيش مجددًا على الحكومة المنتخبة.

إلا أن ثمة فارق جوهري في الفقرة الأخيرة يجعل من المقارنة بين انقلاب عمر البشير في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ وانقلاب عبدالفتاح السيسي بعد مظاهرات ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مختلة بدرجة ما، فعلى عكس ما حدث في مصر عندما اصطفت القوى المدنية ورأس المال مع المؤسسة العسكرية ضد جماعة الإخوان المسلمين. كان تنظيم الجبهة الإسلامية القومية -المنشق عن التنظيم الدولي للإخوان- هو من اختار العميد عمر البشير للقيام بما سمي بعد ذلك بـ”ثورة الإنقاذ الوطني”. في مزاوجة نادرة لم تتحقق لا في مصر ولا في الجزائر قبلها بين المؤسسة العسكرية وتنظيم الإسلام السياسي.

الأمر الذي قد يفرز وهمًا بأن الصراع ضد الإسلاميين والعسكر في السودان هو ضد كيّان متحد على عكس الواقع المصري. فقد أدت سياسة التمكين إلى تطهير كامل مؤسسات الدولة من التكنوقراط والبيروقراطيين غير الإسلاميين فيما سمي بالفصل للصالح العام. كان الأمر أقرب لنموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية خصوصًا مع سيطرة عرّاب النظام الشيخ حسن الترابي على صناعة القرار ليصبح المُقابل السوداني للخميني. استمرت الحرب في الجنوب واتخذت طابعًا دينيًا جهاديًا، وأصبحت الخرطوم محطة للتنظيمات الإرهابية الدولية من أسامة بن لادن وحتى كارلوس.

ولكن هل ظل النظام الذي ترأسه البشير عبر انقلابه عام ١٩٨٩ بغطاء أيديولوجي من الجبهة الإسلامية القومية بوصفه ثورة الإنقاذ الوطني هو نفسه النظام الذي يحكمه حزب المؤتمر الوطني الآن بعد انتهاء اتفاقية السلام الشامل باستقلال جنوب السودان؟

قد يكون الرئيس هو نفسه. لكن البلاد شهدت العديد من التحولات خلال فترة حكمه لستة وعشرين عامًا. انقلب خلالها على عرّابه حسن الترابي في ١٩٩٩ ووضعه تحت الإقامة الجبرية. انشقتْ الحركة الإسلامية بين حزب المؤتمر الشعبي المعارض وحزب المؤتمر الوطني الحاكم وتواجد الإسلاميون في السلطة والمعارضة. فيما زاد نفوذ الجنرالات الذين وإن كانوا يرددون نفس الشعارات إلا أن ولاءهم كان للقائد الأعلى للقوات المسلحة لا للشيخ الترابي.

لقد ضُربت شرعية النظام في مقتل رغم احتفاظه بنفس خطابه الأيديولوجي. أخذ مزيج العروبة والإسلام طابعًا محوريًا في أكبر بلد إفريقي، وفي الوقت الذي كانت تخمد فيه الإدارة الأمريكية حرب الجنوب ممهدة لانفصاله اندلع الصراع العرقي في دارفور كناتج لسياسات الحكومة الإقصائية. توقيع اتفاقية السلام كان الرصاصة الأخيرة في جسد الحرب المقدسة وأدبيات الجهاد ضد الخوارج التي لطالما كانت معين النظام للحفاظ على شرعيته، وبعد عدة انشقاقات ومحاولات انقلابية فاشلة وحملات لتصفية النظام من كل مراكز القوى انتهى عصر الأيديولوجيا والحزب والتنظيم وصارت كل مقاليد الأمور في شخص المشير عمر البشير. الفرد الواحد الصمد.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google photo

You are commenting using your Google account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s