تاريخٌ موجز لرجلٍ شبه أعمى

إلى عمر المختار في معركته الأخيرة

-١٤٠٩ –
في الثالثة
رافقَ أُمه إلى سوقٍ في نجد
يُسمونها الرياض، لولا أنها بلا شجر

عند محلٍّ للملابس الداخلية
وقفتْ نساءٌ بعباياتهن السود
يستعرضنَ حمالاتِ صدرٍ فارغة
وسروايلَ مُلوّنةً كخطايا
وأمامَ أول واجهةٍ تَضمُ كُرات
وبلادَ عجائب
ضاعَ
بين طائراتٍ لا تطير

صرخَ لساعتين في السوق
مُتفحصاً العباياتِ المارّة
هذه العتمةُ التامةُ لأجسادٍ مُوصدة
نبذْنَه نَاهِراتْ: “أنا مُو أمك!”
كُل النساءِ احتمالاتٌ حينها
كُل النساءِ لم يكنَّ أُمه.

-١٤١٢ –
عندما بلغَ سِنَّ السادسة
ذهبَ إلى الصفِّ الأول
لم يجد مقعداً شاغراً أمامَ السبورة
ما جَعله يكتبُ الحروفَ من الألفِ إلى العين.
في حصةِ الحِساب،
وفوقَ شَظايا نظّارته الثالثة
شاهدَ الأولادَ يَبتعدونَ بِالكرة
دون أن يُميّزهم

في حِصةِ الرياضة
تعلّمَ أنْ يَرسم شَجرةَ السِّدرِ مِن داخلِ السور
لأنّه كلما وقف في صف اختيارِ الفريقين
كان يظل الأخير،
وفي حصة الفنون
كان ينسخُ مِن ذاكرته
صورةَ ملعبٍ مَليء بأولادٍ سُعداء
يرتدون النظّارات

-١٤١٦ –
في العاشرِة
لم يخترْهُ مُدرسُ اللغة العربية ضمنَ الكورال
مساءَ اليومِ ذاته كتب نشيدَهُ الأول
عرضه في الصباح التالي على أستاذ ناصر
الذي أوقفَ تلميذاً آخر
ليقرأه أمام الفصل
وهكذا فعل في الحفلِ
دون أن يُشار إلى الشاعر

– 2001-
في الخامسةِ عشرة
لم يرافقه أحدٌ إلى مدرسته الجديدة
سوى أربعينَ مؤخرة عبر بينها داخل الأوتوبيس
كان الطريقُ مِن سَراي القُبة سُؤالاً في الفيزياء
وأمامَ كاتدرائيةِ العذراء مريم
وقفَ كمنْ مَسّهُ البرق

رأى انتفاخاتٍ وتنانير
وكائناتٍ عجيبة بشعرٍ مُسترسل
تشاركُ الأولاد اللعب
قبل أن يُغلِّفهم عمرو خالد
وعندما حَيّتهُ صفية
وهي تضعُ طِلاءً للأظافر تحت الشجرة
ابتلعَهُ المقعد

-5-
في العشرين مِنْ عُمره
اضطرتْ أن تأخذَهُ إلى شارعِ النيل مَشياً
عبرا الجسر من بَحري إلى مَغيبِ الشمس
وعلى سلمٍ يُفضي إلى رصيفٍ مُعتم
قَبّلتْهُ
فاصطدمتْ نظّارتان

– 2010-
في الخامسةِ والعشرين
كانتِ النساءُ مَنْ يصطَدنْه
وعلى اختلافهنَّ
يَصرنَ سَواءً أمامه
ما إن يقتلعَ عينيه

كان ينتظرُ رائحةً بعينها
لا تتوهُ عنه في العتمة
ولا بين العباءات

ربما وجدها
لو أنه بحث

-7-
في المقهى
حيث تُبددُ الوحدةُ مع سحابِ التبغ
يجلسُ مع رفاقٍ أُصيبوا بِصممٍ اختياريّ
عاجزاً عن إكمالِ قصةٍ واحدة
يحاولُ التقاطَ نِهاياتِ الجُمَل
فيُقذفُ بالعبارةِ باتجاه المرمى

كأعمى وسطَ الملعب
يسمعُ الأطيافَ، ويذوي
لا يفتحُ فمهُ إلا للشاي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة للشاعر أثناء فحص نظره في عيادة طبيب العيون والشاعر السوري عبدالوهاب عزاوي بدمشق عام 2007

السارة تستعيد موسيقى شرق إفريقيا

من نيويورك، أطلقت الفنانة السودانيّة/ الأميركيّة السارة اسطوانتها الأولى بمصاحبة فرقتها النوباتونز بعنوانطمي (Silt)، وذلك بعد مشاركتها في عملين مشتركين كان الأول ضمن مشروع النيل الذي أُنتجت اسطوانته الأولى أسوان من تسجيل حفل تدشين المشروع في مصر كانون ثاني/ يناير ٢٠١٣. فيما جاءت مشاركتها الثانية مع المنتج الفرنسي ديبغيت في عمل الجوّال في كانون الأوّل/ ديسمبر من العام نفسه.

يأتي صدور العمل بعد أعوام طويلة قضتها السارة بحثاً عن مسارها الغنائي الخاص الذي استمدته، بشكل أساسي، من جذورها السودانيّة/ النوبيّة. تخصّصت السارة، والتي تفضّل تعريف نفسها بمغنية البوب الاستعادي (Retro Pop)- انطلاقاً من اشتغالها على أنماط الغناء الشعبي وإعادة إنتاجها في نسق معاصر، في علم الموسيقى العرقي (ethnomusicology) في جامعة ويزليان بالولايات المتحدة، وأخذتْ من الغناء الشعبي السوداني منهلاً لتكوين نَفَسها الموسيقي.

استعاضت السّارة، في إقامتها البعيدة عن جمهورها الأصلي، بوسائل الإعلام البديلة لنشر أغانيها، وأثارت الاهتمام للمرة الأولى عبر موقع يوتيوب، مبرزةً اهتماماً خاصاً بالغناء الشعبي السوداني، مبتعدةً عن محاولتها القديمة الأولى للاشتغال على الموسيقى الصوفيّة، ووضعه تحت طائلة البحث والاشتغال، إضافة إلى ولعها بجذورها النوبيّة. وهذا ما يظهر شكليّاً في ترديد اسم النوبة لفظيّاً وضمنيّاً خمسة مرات في عناوين اسطوانة طمي الإحدى عشر.

مقدّمة: جذور أغنية السارة

في الجوّال، تجربتها الثانية، خاضت السارة مغامرة أكثر راديكاليّة في تكسير القوالب التقليديّة للغناء السوداني الذي يندرج تحت السلم الخماسي، ومزجها مع تقنيات الموسيقى الحديثة بأسلوب شكّلت فيه اختياراتها من الموسيقى السودانيّة مادة دسمة لتنويعات ديبغيت، متنقلةً معه من التيكنو والهيب هوب والدَّب بشكل يكسر الرتابة التي قد تثيرها الموسيقى السودانيّة أحياناً بتكرار الجملة الموسيقيّة نفسها طوال الأغنية.

في طمي، تعود السارة خطوة إلى الوراء في محاولة لتقليل الصدمة على المتلقي السوداني الذي قد يتعامل معها بالتباس، في ثقافة تتعاطى مع الأغاني الكلاسيكيّة كمسلّمات لا يُستحسن اللعب بها. حتّى أن هناك مثلاً سودانياً يقول: “سَمِحْ الغُنا في خَشُم سِيدو”، أي أن الأغنية لا تكون جميلة إلا في فم من ألفّها وغنّاها أولاً. مع الأخذ في الاعتبار أن السارة لا تتوجه بمشروعها الموسيقي لبلدها الأم فقط – والذي استضاف في العاصمة الخرطوم حفل تدشين اسطوانتها في كانون الأوّل/ ديسمبر الماضي – رغم اعتمادها على موسيقاه الشعبيّة، فإذا ما تغاضينا عن اهتمامها بالتراث النوبي بحكم انتمائها العرقي، سنجد أن مشروعها يمتمحور بصورة كبيرة حول ما يعرف في السودان بـ أغاني البنات.

يشكّل “غُنا البنات” واحداً من أقدم أنماط الموسيقى الشعبيّة السودانيّة، والذي يقوم بالأصل على الارتجال في الجلسات المنزليّة أو الحفلات المقتصرة على الإناث. وذلك بسبب الحياة القرويّة والرعويّة المحافظة التي كانت لا تسمح للنساء بالتعبير عن أنفسهن على الملأ، لتمثّل أغاني البنات بذلك مُتنفساً يناقش مختلف المواضيع التي تهم المرأة، كالحب والزواج والسلطة الأبويّة، متجاوزةً ذلك أحياناً إلى الأوضاع السياسيّة والحروب.

يعتمد غُنا البنات في شقّه الموسيقي بشكل أساسي على إيقاع الدلوكة، وهي نوع من الطبول المصنوعة من الخامات المحليّة كثيراً ما يتم الاستعاضة عنها بـالجركانة- الجالون البلاستيكيّ، ما يضفي على هذا النمط الغنائي طابعاً من البساطة ليس فقط في اللحن، بل يتجاوزه إلى الكلمات التي تستخدم اللهجات المحلية والطارئ عليها من جديد، كماركات السلع التجاريّة مثلا، مؤديّاً بالتالي إلى جعل هذا النمط الغنائي تعبيراً صادقاً عن الحياة اليوميّة للمرأة.

دَفع الصدق والبساطة اللتان اتسم بهما غُنا البنات الكثير من المثقفين وأبناء الطبقات الاجتماعيّة الأعلى للتعاطي معه كنوع من الغناء الهابط، على الرغم من انتشارها في الأعراس والحفلات الغنائيّة وصولاً إلى الإذاعة والتلفزيون، في بلد يعتز بالكلمة الشعريّة وجمالياتها في الغناء. إذ تعتمد الأغنية السودانيّة الرسميّة – إذا جازت التسمية – على الشعر وتحتفي بشعرائه، فكثيراً ما تلحّن القصائد التي تكتب بغرض الكتابة الشعريّة البحتة، وتتحوّل إلى أغانٍ يتسابق فيها الملحنون في إبراز إمكانيّاتهم الموسيقيّة، مع التحدّي الذي تفرضه القصيدة في أوزانها المتعددة للانصياع إلى الغنائيّة، ما يجعل الأغنية مركّبة في لحنها وجملها الموسيقيّة. ومن ناحية أخرى، لا تُعرف “الشاعرة” الحقيقيّة لأغنية البنات عندما تنتقل الكلمات من مغنية إلى أخرى، فهو نمط غنائي قائم على الارتجال والتعديل في النص، والأهم: بساطة الإيقاع والكلمة. باستثناءات معيّنة في أغاني السْيرَة، وهي نوع متفرع من أغاني البنات يتمحور موضوعه الأساسي حول مديح قيم الرجولة متمثلةً في الأب والزوج والأخ، والذي انتشر في البداية مع الغزو التركي/ المصري في القرن التاسع عشر بغرض بث الحماسة في جنود القبائل وحثّهم على القتال، فيما يسمى أيضاً بأغاني الحماسة.

لكن، يتجاوز طمي، والذي لا يحمل أي أغنية أو جملة غنائيّة بهذا المعنى مكتفياً بدلالته البيئية/ النيليّة، أغنية البنات من المناطق غير النيليّة في السودان التي تعتمد على الإيقاع، وذلك عبر استخدام العود كركيزة موسيقيّة – عبر عازف العود الأرميني /الأميركي هايج مانوكيانو – والذي يبدو واضحاً في صورة الغلاف الخلفي للاسطوانة الذي اهتمت السارة بهويته البصريّة بشكل لافت ومثير، ممتلكةً ذوقاً متميّزاً في الأزياء والمظهر، لتؤكّد على هويّتها كموسيقية استعاديّة في إصدارها لاسطوانتها عبر ثلاث وسائط تقنيّة مختلفة، ليس فقط على هيئة اسطوانات مدمجة [CD] ولكن أيضاً في هيئة شرائط واسطوانات فونوغراف.

من أغاني البنات إلى جبال النوبة

يمكن تقسيم مسارات العمل الإحدى عشر من ناحية النوع لأربعة أنماط: أغاني البنات: ٣ أغانٍ، أغاني النوبة: أغنيتان، أغاني السارة الخاصّة: ٤ أغانٍ، إضافة إلى مقطوعتين موسيقيتين.

القسم الأوّل: أغاني البنات

ترتكز أغاني البنات في مشروع السارة في شقه الإثنو-موسيقي بشكل ضمني على ما يميل الكثير من المثقفين السودانيين بتسميته: “جدليّة المركز والهامش” في تقسيم جغرافي للسودان يجعل من حوض النيل مركزاً سياسيّاً وثقافيّاً، وما حوله إلى هامش، كأقاليم دارفور وكردفان التي تشهد منذ سنوات حرباً أهلية مستعرة، وانشغلت السارة بها كمضمون معرفي لمشروعها الموسيقي :

حبيبي تعال

تعتبر هذه الأغنية، التي فضلت السارة أن تبدأ بها الاسطوانة، نموذجاً موفقاً لأغاني البنات ببساطتها الإيقاعيّة والشعريّة، لتبدأ بمذهب يقول:

“حبيبي تعال، تعال نتلم / مادام الريد* اختلط بالدم / مادام الريد اختلط بالدم / أنا ذنبي إيه شيلوني الهم؟/ يا حبيب”

*الريد: الحب

غنّت السارة ثلاث من الكوبليهات الأربعة المعروفة لهذه الأغنية الغرامية التي تعبّر فيها المغنية/ المؤلفة عن شوقها لحبيبها المسافر بشكل لا تتوانى فيه عن الاعتراف عن رغبتها، ليس فقط من ناحية الارتباط ولكن حتى في التعبير عن تطلعاتها الطبقية للهجرة إلى بيئة مختلفة عن واقعها الريفي :

“حبيبي تعال نبل الشوق / نسكن لندن عمارات فوق”

تتألف الكوبليهات في الأغنية من ثلاث جمل شعريّة تتكرر الثانية مرّة مشكلة كوبليهاً رباعيّاً تتميّز بالخفة والطرافة. وعلى الرغم من ثبات الوزن في هذه الأغنية، إلا أنه يتحرر جزئيّاً باعتماده على قافية مكسورة في حدود الكوبليه نفسه بشكل لا تنتهي فيه حروف جميع الكلمات بنفس الحرف :

“حبيبي المنقا والتفاح / حبيبي عسل والناس مساخ* / حبيبي عسل والناس مساخ / أهاجر ليك عشان أرتاح”

* مساخ: جمع مسيخ وهو النكهة المفتقرة للملح، وتستخدم للإشارة للشخص ثقيل الدم.

“حستناك عن طريق القاش* / حبيبي دهب والناس نحاس / حبيبي دهب والناس نحاس / الريدة** كده ولا بلاش”

* القاش: نهر موسمي في شرق السودان ينبع من أريتريا

** الريدة: المحبة

بوصفها أغنية شعبيّة، لم تغيّر السارة كثيراً في نسختها الموزعة على إيقاع المقسوم بشكل يخفف ولو قليلاً من وطأة لحنها السودانيّ. إضافة لاستخدامها لآلة العود التي لا تستخدم عادة في غُنا البنا. وبمقارنة مع نسخة الفنانة سميرة دنيا مثلاً، نجد أن نسخة السارة لم تغيّر كثيراً إلا في قفلة الأغنية التي انتهت بـكريشندو يكرر الجملة الأخيرة من الكوبليه الختامي: “الريدة كده ولا بلاش”، ويتصاعد عبر تسريع الإيقاع تدريجياً.

سميرة دنيا – حبيبي تعال

سبق للسارة أن أطلقت هذه الأغنية على اليوتيوب العام 2011 بتوزيع من فرقة ناس جوطة3 في فيديو كليب كارتوني حمل اسم “ما دام الريد اختلط بالدم قصة تمساح“. رسم الفيديو وحركه شريك السارة حجوج كوكا الذي احتلت السارة حيزاً من فيلمه الوثائقي الأخير إيقاعات الأنتونوف الفائز بجائزة مهرجان تورنتو ٢٠١٤، وهو فيلم يستعرض الحياة اليوميّة لقبائل جبال النوبة والنيل الأزرق خلال الحرب الأهلية الدائرة هناك، مع اهتمام أكبر بالموسيقى والثقافة الشعبيّة الأفريقيّة لتلك المناطق النائية عن العاصمة الخرطوم. بدا أن اهتمام السارة واشتغالها على هذا الصراع السياسي/ الثقافي في بلد تسيطر عليه الثقافة العربية الإسلامية واضحاً في فيديو كلي “حبيبي تعال” في توزيعها الأول، والذي حمل مضامين آيدولوجيّة في شقه البصري: فتاة سمراء تطارد إسلاميّاً ملتحياً سرعان ما تقع في حب شاب جنوبي أسود خلال مظاهرة بلافتات كتب عليها: “أنا أفريقي ما عربي”، “لن ننساك يا جون قرنق“، وغيرها على الرغم من أن الأغنية بسيطة الكلمات لم تحمل في ذاتها أي مضامين سياسية بهذا العمق.

جاء الفيديو الثاني للأغنية بعد حفل تدشين العمل الذي قدمته على مسرح الجنينة في حديقة الأزهر بالقاهرة العام الماضي، متضمناً لقطات للسارة وفرقتها من الحفل متضمناً جماليات بصريّة قلما توافرت جودته الإخراجيّة في الأغنية السودانيّة المصورة.

يا ناس بريدو

 

 

تعتبر عبارة “يا ناس بريدو” لازمة لكثير من أغاني السْيرَة، ولم تختلف هذه الأغنية تحديداً في مضمونها كأغنية بنات، والتي جاءت على إيقاع التُم تُم الراقص، وهو إيقاع انتشر في السودان انطلاقاً من مدينة كوستي، بولاية النيل الأبيض، ليصبح واحداً من أكثر الإيقاعات الشعبية استخداماً في الأغاني الراقصة، وبالتأكيد في غُنا البنات الذي اعتمد لاحقاً وبشكل كبير على هذا الإيقاع. كما في هذا المسار الذي يشكل أغنية حب تتحدث عن فتاة تقع في هيام شاب من بلدة بارا بكردفان قام بتحيتها بقبعته بينما تسير في الطريق. تبدأ بمقطع من جملتين وتنتهي كل جملها بلازمة: “الزول ده”، أي: هذا الرجل.

مقطع 1، أساسي:

“زول يا ناس بريدو، زول ده / زول هالكني ريدو، زول ده”

مقطع 2:

“أنا سألت أصحابو، زول ده / شكرت الله الجابو، زول ده / أنا حياني بـ كابو*، زول ده / جميل الفات أحبابو، زول ده”

* كابو: قبعته

* الفات: الذي ترك / الذي سبق

انتهاء جميع جمل الأغنية الشعرية بلازمة واحدة في جميع كوبليهاتها سبب في حدوث رتابة في الإيقاع كسرتها السارة في الدقيقة 3:45 بقلب الإيقاع واستخدام لازمة لغويّة محلية بمصاحبة العود.

جبال النوبا

تم إدراج هذه الأغنية كآخر أغنية في الاسطوانة رغم أنها من أولى الأغاني التي تعرف الجمهور عبرها على السارة، فقد سبق لها أن أطلقتها عبر يوتيوب في دويتو مع شقيقتها ناهد حيث أديا الأغنية معاً باعتماد تقليدي ومقتصر على الحنجرة والإيقاع اليدوي: التصفيق والضرب على الجسد. لكنها أعادت توزيع نفس الأغنية في اسطوانة الرحال مع ديبغيت، لتعيد توزيعها مجدداً في طمي بشكل يتوسّط المسافة بين توزيع ديبغيت المشغول بأسلوب الـدَب، والنسخة التقليديّة الخالية من أي مؤثرات صوتية.

السارة وناهد – حبيبي سافر مني

ديبغيت والسارة – جبال النوبا

يمكن تقسيم هذا المسار/ الأغنية إلى شقين من ناحية الإيقاع الموسيقي والمضمون الغنائي: ففي البداية تتحدث الأغنية عن فتاة مشتاقة لحبيبها، مرة أخرى، سافر إلى جبال النوبا، وهنا يجب التنويه إلى أن جبال النوبا هي منطقة في جنوب كردفان مختلفة جغرافياً عن الصحراء النوبية الواصلة بين مصر والسودان شمالاً مستخدمةً إيقاع المردوم الذي يتشابه مع إيقاع الجراري المنتشر أيضاً في مناطق غرب السودان، كردفان ودارفور، وهو من الإيقاعات المرتبطة بأداء رقصة معيّنة لدى قبائل البقارة، بحيث يتم ارتداء كشاكيش، وهي اكسسوارات يتم ارتداءها لإصدار إيقاعات مع الرقصة التي تستخدم الضرب على الأرض بالقدم والتصفيق وضرب الجسد لعزف الإيقاع :

مذهب :

“حيّ يا قلبي / لا لي لا لي لي لا / سافر مني / لا لي لا لي لي لا”

كوبليه :

“بعت جواب لحبيبي البريدو / شباب بلدنا الغالية / ركب اللوري يا .. جبال النوبا / قالوا ماشي لـ جبال النوبا / كادوقلي* يا .. جبال النوبا”

* كادوقلي : عاصمة ولاية جنوب كردفان

في الشق الثاني من الأغنية تتحوّل المغنية للحديث عن صراعها مع أبيها وتمردها عليه خلال عملها كبائعة، بينما يتداخل المردوم في تشكيل إيقاعي مع إيقاع الصفقة، ليتشكل، هنا، كوبليه رباعي من ثلاث جمل تتكرر فيها عبارة “ما تبيعي”، و”أنا ببيع”، في حين تتكرر الكلمة المشيرة إلى السلعة المباعة للتوافق في القافية مع صفة الحبيب الذي ستباع إليه السلعة :

مذهب :

“النار يا الله سبب النار يا الله / النار يا الله أنا في النار يا الله”

كوبليه 1 :

“أبوي قال لي ما تبيعي الملح / وقال لي ما تبيعي الملح / أنا ببيع الملح عشان جميل السمح”

كوبليه 2:

“أبوي قال لي ما تبيعي الشطة / وقال لي ما تبيعي الشطة / أنا ببيع الشطة عشان جميل اللقطة”

ملاحظة : كثيراً ما يتم تبديل كلمة جميل في هذا المقطع باسم شخص معين عندما يكون حاضراً أثناء أداء الأغنية. قد يكون العريس في حفلات الزواج مثلاً، وهي عادة في غنا البنات.

القسم الثاني: أغاني النوبة

والنوبة المقصودة هنا هي المنطقة الجغرافية ما بين جنوب مصر وشمال السودان حيث تنتمي أصول السارة التي غنت عن موطنها الأصلي أغنيتين، الأولى باللغة النوبية نفسها “نوبة نوتو”، والثانية بالعربية “بلاد الدهب”.

نوبة نوتو

 

 

نوبة نوتو وتعني: أهل النوبة هي أغنية قوميّة مجهولة الشاعر أُلفت باللغة النوبيّة، تحديداً بلهجة الفديجا، ووضعت على إيقاع فيجتْشي، والتي تعني غربلة الجسد لكونه مصاحباً لرقصة خاصة يهتز فيها الجسد من الكتفين وحتى الساقين، وهو إيقاع منتشر في منطقة ممتدة من الكنوز في صعيد مصر تحديداً قرية دبود  وحتى كرسكو وعند الفاديجا في السودان من دغيم وحتى فَرَس. ظهر هذا الإيقاع في خمسينيّات القرن العشرين وكان من رواده الفنان صالح ولوليّ. 

يا أهل النوبة                                 Wo nuban uttu

يا أهل الطيبة                                Wo maskin uttu

حافظوا على النوبة                          nuba wahingana

احملوها في عيونكم                         Manin tul udrana

ما شعار النوبة ؟                            Nuban berag minni

هو رائحة البلح                               Fentin gattillinna

في سعف النخل الأخضر                   Fentin kossi dessilla

صورة بلح كري *                             Fenti kuren suralinna

قلوبنا هكذا كما اللبن .                       Adi aylungon sullinna

كري Kure : البلح في مرحلة من نضجه عندما يحمّر أسفله ويلين، وهو حلو في هذه المرحلة. يستخدم كثيراً في الوصف في الشعر النوبي

بلاد الدهب

 

 

بلاد الذهب هي أغنية لفنان آخر من تلحين وغناء المصري/النوبي الراحل أحمد منيب، وكلمات مواطنه محي الدين شريف أُنتجت العام ١٩٩١ في اسطوانة حملت نفس الاسم يتمحور موضوعها حول الوطن، كما يتضح من اسمها وهو الترجمة الحرفية لكلمة نوبة، كغالبية الأغاني النوبية في القرن العشرين التي شكلت عمليات التهجير المتتالية لبناء سد أسوان، والسد العالي ونزوح آلاف النوبيين عن مناطقهم في وادي النيل بمصر والسودان، ثيمة أساسية للشعر والغناء النوبي في الفترات اللاحقة وحتى وقتنا الحالي، فيما يمكن تسميته بالتغربية النوبية.

ما يميز بلاد الدهب وما شابهها عن معظم الأغاني النوبية ليس فقط التقليل من المباشرة في تناول موضوع الهجرة، ولكن استخدام اللغة العربية من قبل شاعرها اللهجة المصرية تحديداً، والتخت الشرقي من قبل ملحنها – الذي قام ككثير من الفنانين النوبيين الآخرين كمحمد وردي وحمزة علاء الدين بالعزف على العود بدلاً من آلة الطنبور المنتشرة في النوبة – للحديث عن هذه الثقافة الأفريقية، فيما يمكن وصفه بانصهار العنصر النوبي في المكوّن العربي، ولكن للحديث عن النوبة :

“يا بحر هدي هدي / خليني أعدي أعدي / يا شط الأمان / يا حضن الحنان / أنا إنسان وعنواني / بلاد الدهب”

عبر الاستماع للنسخة الأصلية من الأغنية، لن نكتشف فقط التقارب العضوي بين السارة والنوباتونز من ناحية وأسلوب أحمد منيب في الاعتماد على آلة العود والإيقاع بشكل أساسي، ولكن سنجد أن أحمد منيب كان أكثر حداثة في أداء الأغنية من السارة التي فضلت أن تؤديها بشكل أكثر كلاسيكية، وإن بجودة تسجيل وصوت أعلى جعلت من سطوة الإيقاع تتضاءل أمام صوت العود على عكس الأغنية الأصلية. إذ جاءت سرعة الإيقاع في نسخة السارة أبطأ، ما جعل من أداء السارة أكثر حنيناً وحزناً، خصوصاً مع صوتها الأنثوي الأرق بكثير من صوت أحمد منيب الرخيم، والذي حاولت بقدر الإمكان تقليل المساحة الشاسعة في أدائها عنه بالاستعانة بكورس رجالي، يضاف إلى ذلك استطالة المسار في “طمي” إلى ما يقارب ضعف مدة الأغنية الأصلية، وذلك لتكرارها في أداء الكوبليهات صوتياً وآلياً مع عزف منفرد لآلة البيز التي لم يكن لها أي وجود في النسخة الأصليّة.

القسم الثالث: أغاني السارة

وهي الأغاني التي كتبت كلماتها السارة، إضافة إلى مشاركتها في تلحينها وتوزيعها مع فرقتها النوباتونز باستثناء الأغنية الأخيرة ود النوبة.

سوكورا

في هذه الأغنية لم تبتعد السارة كثيراً في تأليفها عن الثيمة الأساسية لأغاني البنات التقليدية في الحديث عن الحبيب المسافر، وإن أضفت على هذا الطرح عمقاً أكثر شاعرية عبر كوبليهين رباعيين يتكرر مقطعهما الأخيرين وجسر يصل بينهما بجملتين :

كوبليه 1 :

“لما السحابة تغيب / ونجوم الليل بتبين / أسرارنا تزيل وتدوب / من العيون بتؤوب”

جسر :

“الودع كشف المكتوب / ده حبيبنا مصيرو يعود”

كوبليه 2:

“بدون إذن وبدون / خجل ممنوع مرغوب / أسرارنا تزيل وتدوب / من العيون بتؤوب”

تتضّح محاولة السارة في إضفاء طابع العمق للأغنية مستعينة بأجواء الغموض التي قد تصبغها مفردات من قبيل: السحابة تغيب، أسرارنا، الليل) بل وحتى باستعانتها باسم غير دال مباشرة إلى محتواها “سوكورا”، والتي ترجمته مرتين إلى الإنجليزية في الغلاف الداخلي حتى في الشق العربي للعناوين (It’s late) أي: متأخراً.

موسيقيّاً، يبدو أن السارة مولعة بالمسارات الطويلة نسبياً حتى إذا لم يكن هنالك ما يكفي من الكلمات، فمع كوبليهين وجسر استطاعت أن تنتج مساراً يستمر لخمسة دقائق كاملة عبر تكرار غناء الكوبليهات صوتاً وعزفاً مع تنويع اللحن في شق الأغنية الأخير، فبعد عزف منفرد لآلات الإيقاع بسرعة ضئيلة ينطلق كريشندو تؤدّي فيه نفس الكلمات بإيقاع أسرع.

فوقوا (شمس الحريّة)

 

 

بإيقاع سريع وديناميكي وجمل قصيرة، تنتج السارة هذه الأغنية السياسية الصريحة مبتعدةً عن الرمزية والإشارات الخاطفة في فيديو حبيبي تعال الكارتوني بشكل بدت فيها أنها استوحتها من موجات التظاهرات المتتالية التي تشهدها السودان منذ وقت لآخر. تعتبر هذه الأغنية المحاولة الثانية للسارة التي تؤدي فيها أغنية سياسية بعد إعادتها لكتابة نشيد في حماك ربنا الجهادي الذي كان منتشراً عندما أخذت الحرب الأهلية السابقة مع جنوب السودان منحاً دينياً خلال حقبة التسعينيات من القرن العشرين :

“في حماك ربنا في سبيل ديننا / نرتكب كل الجرائم / بدون خجل ولا استحاء / دم الشعب على يداك”

السارة – في حماك ربنا :

لكن في طمي، تكتفي السارة بهذا المسار الذي لم يكن مباشراً في إشارته للظروف السياسية المحلية كالأغنية السابقة في كلماته :

مقطع 1، أساسي:

“أيّ.. الزمن جاكم (نعم، لقد حلت ساعتكم) / المفعول به فعّل بذاته”

لا تقتصر فوقوا في مضمونها على تناول الوضع السياسي في السودان فقط، بل تضفي بعداً أفريقياً لخطابها السياسي المباشر يذكّر بأسلوب الجامايكي بوب مارلي :

“من الكونغو لغاية صومال

أفريقيا نايمة وأولادها شهداء”

هذه المباشرة، مضافاً إليها الضيق الذي يشكّله الإيقاع السريع على الكلمات، سهّل من وقوع الأغنية في فخ السطحية عند تناول السياسيّ الذي دائماً ما يقلل من الفنيّ عندما يخلطهما الفنان في عمله، خصوصاً أننا لا تناول هنا أغنية راب، فالحلول البسيطة التي كانت أمام السارة اقتصرت على ترديد مفردات توحي بدلالاتها للواقع الذي تتناوله من دون أن تخوض فيما هو أعمق من رص الكلما. إضافة إلى وقوع بعض الأخطاء اللغوية المقصودة: كتنكير المعرّف كما في كلمة الصومال في المثال السابق، أو تأنيث المذكر لتصحيح وزن المقطع كما في التالي:

“شغل، واسطة، المهية، مواصلات

شباب عاطلة بيعدو الشهادات”

لا تستمر الأغنية بنفس الإيقاع حتى النهاية، ولكنها تهدئ من سرعة إيقاعها في منتصفها مع ترديد السارة للاسم الثاني الذي اختارته للأغنية “شمس الحرية، شروق”.

رنّات

 

 

تقدم السارة هنا أغنية بلحن شرقي من ثلاثة مقاطع متصلة كقصيدة واحدة تتكرّر في مسار من خمسة دقائق تقريباً. تخاطب فيه عازفة ما، ممتدحةً بشكل شاعري موسيقاها بعيداً عن ثيمة الحبيب والاشتياق له، لكن الاختلاف الأكبر الذي يميز هذه الأغنية عن بقية أغاني الاسطوانة هو استعاضتها عن اللهجات المحلية واللغات الأفريقية الأخرى لتؤدى بالعربية الفصحى :

“رناتُ تقع / من يداكِ / كثرياتِ المطر

تضطربُ بها / بحيراتِ / سمعي وترقصُ للأبد

ذاهبة / قادمة / على إيقاع / غي القمر”

ثمّة خلل في أداء السارة يحول دون التعاطي مع رنات كأغنية فصيحة طالما أنها اختارت الفصحى للتعبير، فهي لم تلتزم بقواعد النحو في المقطعين الأولين، تحديداً في: “تضطربُ بها بحيراتُ سمعي” التي تنطقها السارة بالكسرة “بحيراتِ، كذلك في “من يداكِ”، التي جاءت مرفوعةً لا مجرورة بدلاً من “يديكِ”، الأمر الذي تكرّر سابقاً بنفس الطريقة في أغنيتها “في سبيل ديننا”، بشكل يحيلنا إلى ذلك المخرج الذي يبرر به الشعراء لأنفسهم باللعب بقواعد النحو في سبيل الوزن الموسيقي بالقول: “يحق للشاعر ما لا يحق لغيره”، إلا أن أي مستمع عربي على دراية بقواعد النحو قد لا يستقيم لسمعه أن يمرر هذه العثرات دون أن يشعر بالنشاز اللغوي حتى لو كانت مقصودة.

ود النوبة

 

 

في هذا المسار تستعير السارة لحناً سواحيليّاً من فرقة Black Star وأغنيتها Chozi Lanitoka من نمط غناء جزيرة زنجبار التنزانية المعروف بـ”طرب” الذي نتج عن التمازج العُماني-السواحيلي في ساحل شرق أفريقيا :

تشوزي لانيتوكا: شاكيلا وبلاك ستار

يمزج المسار بعذوبة بين التخت الشرقي والأداء الغنائي الأفريقي الذي استبدلت فيه السارة كلماته السواحيلية بكلمات عربية من تأليفها، باستثناء لازمة صوتية واحدة بالسواحيليّة “وايي”، إلا أنها لم تبتعد من ناحية المضمون هنا عن نفس ثيمة الحبيب، والذي لم يكن هذه المرة مسافراً في تماهي مع أجواء أغاني “السْيرَة” في وصف حبيب بصفات إثنية وقبلية محددة كما يتضح من اسم الأغنية الجديد ود النوبة:

“عيونو غريبة / كحيلة وشقية / جمالو وسوادو / الأصالة سلاحو / من الشمس نازل / وفي النوبة واصل”

توافق هذا الإبدال الذي حققته السارة بتعريب الأغنية بشكل تام مع الموسيقى الزنجبارية ذات الحس العربي الطاغي، لكنها لم توفق تماماً في تحقيق قصيدة غنائية مختلفة عن السياق الذي تلعب فيه عادةً، إذ جاءت الكلمات عادية ومصطنعة في إضفاء عبق تاريخي على “ود النوبة”:

“وزحزح رمالي / أرويلي تراثي / ورافع شعارو / الحب واحترامو”

وسرعان ما تجد نفسها خالية الوفاض في الإتيان بكلمات متوافقة مع اللحن فتلجأ للتكرار وإضافة حروف مد زائدة على الكلمات:

“حتى الطير يغني / يغني السلامو”

مع هذا، يبقى هذا المسار واحداً من أكثر الأغاني تميزاً واختلافاً من الناحية الموسيقية في العمل لاستعانته بآلات الكمان والأوكورديون في فرقة Sounds of Tarab.

القسم الرابع: المقطوعات الموسيقيّة

جعل قلّة عدد أعضاء فرقة السارة خياراتها في التوزيع الموسيقي محدودة طالما أن الأمر غير مرتبط بالمؤثرات التقنية، التي سهلت من التقليل إلى حدٍ ما من كلاسيكية موسيقاها الاستعادية، وهو ما دفعها للاستعانة بفرقة أصوات الطرب في أداء ود النوبة مثلاً. إلا أن الكم لم يؤثر هنا بشكل كبير على الكيف. طالما أن الموسيقيين الذين يصاحبون غناء السارة يتميزون بالموهبة والمهارة والقدرة على التنقل من نمط موسيقي إلى آخر ، خاصة عازف العود هايج مانوكيان الذي شكلت آلته مركزية موسيقية في أغاني العمل – باستثناء المسارين الآخيرين – تنقل فيها بسلاسة من غناء البنات الإيقاعي إلى النوبي، سلم خماسي) وصولاً للعزف الشرقي الصرف (سلم سباعي:

عود تقسيم

في هذا المسار الذي يستمر لأقل من ثلاث دقائق، يستعرض هايج مانوكيان مهاراته في عزف منفرد للعود بشكل شجيّ ومثير للشجن في قسيم مألوف مؤدى بحرفية حالية.

طبول النوبة

هنا يقدم عازف الإيقاع رامي الأعسر عرضاً منفرداً بآلات الدف والبنقز على إيقاعات منتشرة في النوبة وحتى شمالاً في مصر – خصوصاً إيقاع العشرة بلدي – في مسار من دقيقة ونص. يدفع المرء للتساؤل حول انعدام الاختلاف بين البنية الإيقاعية للأغنية النوبية والأغنية الشعبية المصرية.

رؤية السارة كموسيقية استعادية للتراث الشرق أفريقي

قدمت السارة في طمي نماذجاً مختلفة لأنماط الموسيقى والغناء في شرق أفريقيا أكدت بها تصنيفها كمؤدية استعاديّة محققةً إنجازاً مركباً على صعيدين مختلفين:

الأول: تسليط الضوء على الغناء الشعبي في هذه المنطقة الجغرافية – الثرية والمتعددة عرقياً وثقافياً، وبالتالي موسيقياً – على جمهور واسع يتعدّى الحدود، فرغم ما قد تمثله إقامتها في نيويورك من انفصال عن ثقافتها الأصلية وجعل العثرات التي قد يقع فيها مضمون أغانيها المعرفي/الشعري مطموساً أمام متلقي لا يجيد اللغات التي تتغنى بها مأخوذاً فقط بموسيقاها واختلافها، إلا أنها وعلى الجانب الآخر تعمل على إعادة تعريف أبناء هذه المناطق ببعضهم البعض موسيقياً. فعلى تقاربهم، جعلت الاختلافات اللغوية وضيق أفق المراكز الجغرافية، العواصم، من تآلف شعوب هذه المنطقة والتعرف على بعضهم أمراً صعباً، خصوصاً مع انحسار اهتمام وسائل الإعلام فيها على قوالب ثقافية/ موسيقية محددة ومستهلكة.

الثاني: تشكيل نموذج لمؤدية ومؤلفة موسيقية سودانية تشتغل على مشروعها الفني بشكل متميز ومتكامل لا ينحصر على الموسيقى والصوت فقط، بل ويتعداهما للمظهر والزي والهوية البصرية لمنتجاتها، وبشكل قلّما يتوفر لثقافة وموسيقى نادراً ما تسعى للخروج عن عزلتها الجغرافية وتقديم نفسها لجيرانها التي تتميز عنهم بتنوع منتوجها الفني والتراثي بشكل فريد.

شكر خاص للموسيقي الصافي مهدي، وأستاذ اللغويات ميرغني ديشاب لمساعدتهما لي في إنجاز هذا المقال

البقاء في الخرطوم

ملاحظتان موسيقيتان:
[١] يُنصح عند قراءة هذه القصائد بالاستماع لمقدمة متتاليات التشيلو رقم [١] لـ يوهان باخ (Cello Suite No.1, Prelude) لا لشيء إلا لأنها كانت الخلفية الموسيقية للشاعر أثناء إنجاز هذه القصائد.
[٢] ثمة إشارة للمغني مصطفى سيد أحمد في القصيدة السابعة التي تحمل عنوان المجموعة. تحديداً إلى هذا المقطع من أغنيته : “والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة ولا في إيدها جواز سفر” وقد تمت الإشارة إليه في ملاحظة أولية لأن استخدام الهوامش في الشعر أمر غير محبب للشاعر.

 عن الليل

شفرة:
رأيتُ في ما يرى التائهُ النار
غيمةً لا يلامسها الصدى غير باغٍ
دانتْ، فلما ملأتني بالودِّ
أعادتني روحاً فُقدتْ في الصبا
نادتْ ليَ الأقمار وأطفأتني الآن

النص:
سأُشرع صدري للهائمين في الضواحي قبل أن يلتهمهم
فأنا فريسة ظلاله القصوى
أيضاً،
سآتي بدرويشٍ دفعتْه إلى هاوية الخبل طعنة مرود في القلب
عينان يكحلّهما الغيب تحدقّان به دوماً
بكل شيء
باللا شيء
بي
وهو يهذي، يصيحُ داخل أحشائي من الفقد
والهائمون بجوفي يرقصون حوله
يملأونني ونساً
لئلا أكون جرماً تائهاً في المجرة
تعوزه الصحبة
يصفدونني بما يستحقّ الحجامة
بدمٍ ينفجرُ على الجدران اسماً بعينه
لغته لا تُقرأ
لا ينطق بها إلا الدراويش:

حسابُ ما لا يُحصى

أولى،
فرادةً جمعتْ رغداً في المثنى
اثنتان كقوسي وجنةٍ تحيط الابتسام
ثلاثةٌ في الاستحالة
أربعةٌ للفصول
خمسةُ المصافحة
ستةٌ، كصحبةِ سبعةٍ وقع أحدهم في الحب
سبعةٌ من خيط صباحٍ مَرّ في منشور زجاج
ثمانيةُ يدينٍ تعزفان على ساكسفون
تسعةٌ يقبضن على إبهامٍ طعنته وردة
عشرةٌ عندما ضمّدتْه بقبلة، فحضنتُها
التي وهبت من الغمر ما يُنسي الحساب
فما عَددتُ من بعدها
ولا وردتُ في إحصاء.

7

يبدلون الوردية عند منتصف الليل،
سبعةُ حمقى يترددون إلى غرفتي كل صباح
واحداً تلو الآخر
لا يجتمعون أبداً
إلا على فعل الأشياء نفسها على حدة
سبعةٌ. لا يكلون لا يملون عن ضجري
من كل شيء
عاجزين عن تذكير النسيان بي
بينما أجهل التخلص
ذات أحدهم، تحديداً ذلك الهادئ الذي يأتي أخيراً
سأتركه في الغرفة
وأقفز من شرفةٍ في الطابق السابع
صوب الشارع الفارغ من المارّة
لأستمتع بالعطلة.

Visa

كلما استيقظتُ وجدتُ نفسي.
لولا أن بيني وبين الحسامِ الذي كنته ستةُ آلاف ميلٍ
ونيّف
ساقي مغلولةٌ إلى سأم الأطلس
وجواز سفري مختومٌ بالجينوم الأول،
نحن الذين دفنا أحلامنا في المطارات، ورحلنا عائدين
إلى وطنٍ من حنين
يلطخُ المدن الجديدة بالمفارقة
بألا ينتظرك أحدٌ في المساء
إلا وراء شاشة..
ما الهشاشة ؟ إلا أن أكون غيري.

مقطعان آخران عن الليل

-١-
أأقتلع الليل من خصيتيه
كي لا ينجب لي قمراً آخر؟
وأترك هذا الأخير الليلة فقط
معلقاً على السهاد
يُضيء وحدتي القارسة
وما تبقى

-٢-
ما الجدوى من انتظار نهارٍ آخر
كالذي مضى
فما من “صباح الخير”؟!

سورة نيويورك

يودُّ صدري لو يتشقق
أن يفرَّ من قفصه ندمٌ ذَئوب
يصعد إلى تلال مقمرة
ويعوي
بلا جدوى (١)

جثةُ كلبٍ على قارعة الطريق
هكذا استلقيتُ الأرق
احتضاراً لا ينفد
بالإنصات إلى دويّ الكون في سكون العتمة
بالوعي التام لكل نبضات الجهاز العصبي، وأنا أُعتصر منّي
قبل أن أُمسح بنوافذ السيارات في شارع النيل
ممتصاً النهر كله
متسعاً لكل عيون الغسّالين، إذا بكوا
إذا..
دون أن تتاح لي الإصابة بالغدد الدمعية
أن يكون للخرق البالية ترف الحزن (٢)

سأتوجه إليها قبل أن تصل
على متن رحلةٍ تحمل الرقم نفسه
صباح الحادي عشر من الشؤم،
قبل ثلاثة عشر عاماً من الآن. سأستقبلها
أرتطمُ بالبرج الشمالي أولاً
كي أصير نيويورك
وإن تفتتُّ رماداً (٣)

قولي لو كان البحر مداداً لصرخات وجعي، لنفد البحر… (٤)

تنصهر ذاكرتي شيئاً فشيئا
يُثقل لساني من هول الليل
والأرواح المتساقطة مع ذبول الشهب
كلها الآن تلدغني
تستدعيني للهرب
والأبجديات تتضاءل إلى الهمزة المفتوحة
فتنكمش اللغات في رأسي إلى التأوه التام
أصرخ
يصيبني الصدى بالصمم
ألقي بنفسي إلى هاوية
أسقط إلى الأبد
ولا أرتطم (٥)

البقاء في الخرطوم

الفجوة التي حفرتني وصلتِ الآن إلى دنفر
صار يتنقل من مدينة بعيدة إلى أخرى،
هذا العطشُ القاتل إلى ملء بيانات تأشيرة الدخول باسم [محذوف]

النوارس تحلقُ على الشاطئ في كناية مبتذلة – لا أود استخدامها في القصيدة
لذا، سأستبدلها بالصقور الحائمة التي لا تبارح سماء شرفتي
حول سطحٍ تنتصبه القضبان
هيكلُ مبنىً هائل لم يكتمل بناؤه. لطالما حرمني من قرص الشمس الصاعد إلى الأفق
كثيراً ما أردتُ استخدامه في تشبيهٍ لوصف قلبي
لولا أنني أكره إقحام القلب في العاطفة
المهم،
تطير الصقور
تعود
تُحلّق أمامي فاردة أجنحتها بكل صفاقة
بينما أحتسي قهوتي الباردة. ساهماً في الأشجار حول سياج المطار.

لو أن الصقور تأخذ من يومي الشروق، وتمنحني دنفر
لو تأخذ يومي كله
وما تبقى من رزنامات التقويم السنوي التي لم تطبع بعد،
وتملأ فجوتي
أو ينشق صدري عن صقر أكثر حصافة مني لا يحب الخرطوم
لا يعوزهُ الاستماع لـ مصطفى سيد أحمد ليدرك عدم حاجته إلى جواز سفر يحمل شعار صقرٍ آخر
يُحلّق
يأخذني
يحط ليحّدق. حتى دون أن يحط
كل ما أودّه عينان لي هناك. أرى. أطمئن
دون أي تدخل.

كنتُ أرغبُ في وصف وحدتي في أول القصيدة بأنها من القسوة بحيث لم يعد لي ظل، لأنه صار هناك بعيداً يتبع من لا قبل لي باتباعه، وأن الشمس تدخلني كشبح لا وجود له في الفيزياء. كي أعطي انطباعاً مؤثراً عن مدى بؤسي، لكني نسيت.

لستُ قادراً على المواصلة….

قصيدةٌ في وصف العزلة مليئة بالأقمار

تلالٌ هائلة تتراقص في وحوش العتمة
لولا أن سماءً مرقّطةً بلآلئ بيض، تُحدّق
هناك المحيط
كمصابٍ بخللٍ في الشبكية
أرى نسخةً من القمر لا يعوّل على استدارتها للهبوط
والنجوم ترمقني في عزلة العاصفة
ريثما تلتهمني الغيومُ الريح
بغدر من يقف على الحياد
بنظرة أطفال يحيطون نعجة تواجه الجزار وهي تمضغ السأم
يشق احتمالاتي الضئيلة في النجاة البرق:
مصورٌ فوتوغرافي أعظم
يلتقط لي صوراً مؤثرةً من الأعلى تختلط فيها قطرات المطر مع الدموع
دون أن يتدخل

أنا موحشةٌ وأزرق
أقطعُ السهل ركضاً بسيف في الخاصرة
كل شظية تطير من قرى الجبال البعيدة تحت القصف تقتلني
أنا قرية نوبا اختبأتْ بأسرها تحت صخرة
ريثما تمر إمداداتُ الخرطوم من النار
وتحصد الحقول

قمر،

أنا قبيلتان تقتتلان في العتمة
فلما جاءوا ليحصوا أيّ الجثثِ لأيّ
اقتتلتا مجدداً

قمر،

أنا سوريونَ في الخيام
نتجمد من العزلة خلف سياج الحدود
بينما نرى البيوت الدافئة في كوردستان
تحترق

لستُ حتى من الجولان

قمر،

أنا رجلٌ آخر
غير الذي تظنه أمي
لا أُشبه الابن الذي أنجبتْ
لا يشرب من صورته إذا انحنى إلى الجدول
أو يجد نفسه في صور المدرسة
يستجوبه العسس كلما تفحصوا هويته في المعابر
عما لو تسبب في الخسوف الأخير للقمر
عن انهيار معنويات الجنود في السافانا الفقيرة
وأين اختفتْ الرؤوس المبتورة للأهرام

هل قبّلَ بنتاً في عاصفة الرمل؟
أوَلستِ أنتِ الرمل؟!

قمرٌ آخر يبحث عن جملة،

ارتدى البئر الحافي ظمأتي السابعة
كقمرٍ يتفتتُ في غلاف الجو
أسمع قصتي تُتلى بعواء ذئاب
والأغصان العارية تتشبثُ بروحي من العاصفة
لا تنتشلني أي عتمةٍ من جسدي وهو في أحضان نفسه
سبعُ مرايا مشروخةٍ، ليس إلا
كانت في برواز واحد، زمان
أرى شظاياي فيها وأُغمض
من معاول الوقت وهي تحفر ملامح وجهٍ لم يعد وجهي
أختلي بمشاهد الذاكرة في غرفة المونتاج
أُشبه شخصاً آخر غيري
وأختفي في الحشد


رسمة المقال من أعمال الفنان السوداني جلال يوسف

القصة التي أحزنتني عندما انتهيت من كتابتها، ولن تسعدك على الأرجح

“إذا ما بكينا ولا دمّعنا
لا تفتكروا فرحانين”
أغنية الوداع – فيروز

حدثت هذه القصة منذ فترة. لا أستطيع القول متى تحديداً. لم أكتب عنها في حينه لأنني كنت مشغولاً بأحداثها. لقد كنت في قلبها. لم أجد حتى وقتاً لسقاية النباتات في شرفة منزلي حتى ماتت. على الأرجح لم أكن في نفس المدينة، وهذا هو السبب. أرجو أن تسامحني النباتات المسكينة التي ذبلت نتيجة إهمالي، فأنا على ثقة أن النباتات قادرة على الغفران أكثر بكثير من البشر. وعلى أية حال فقد دارت تلك القصة حولي ولم أكن فقط إحدى شخصياتها، ولا يسع المرء القيام بسرد وقائع حدث معين ما لم تنتهِ تماماً. ما لم تتوافر لديه نقطة بداية لكل ما جرى وما انتهت إليه الأمور، معرفة وافية بالأشخاص المتورطين، بالضحايا، مع الأسف، فالكثير من الكتاب يشرعون في الكتابة عن أشياء لا يدركون كنهها. يكتبون أثناء الأحداث – وأحياناً بلا أحداث – قبل حتى أن تنتهي ويستوعبوها بشكل يسترعي الكتابة المدركة لكافة مجريات الأوضاع، وهذا في الأحوال الجيدة، فبعضهم حتى لا يكتب عن شيء محدد. يكتبون لمجرد الكتابة، بحيث لا تجد لما تقرأه موضوعاً محدد المعالم.
على سبيل المثال هناك ذلك الكاتب الذي أعرفه منذ فترة ليست بالقصيرة، فهو من نفس المدينة التي أتت منها أسرتي، بل هو يسكن في نفس البناية، يدعى حسام هلالي، أنت لم تقرأ له شيئاً على الأرجح، نصاً واحداً على الأقل في إحدى المدونات الإلكترونية أو قصيدة قديمة منشورة في جريدة توقفت عن الإصدار وأحيل أرشيفها إلى دار الوثائق القومية، فهو كاتبٌ مغمور، وفوق ذلك مقلٌّ في الكتابة، أو على الأقل في النشر. لغته ليست سيئة أبداً، ولكنه على الجانب الآخر لا يقدم على كتابة ما يبهر، قصصه تفتقر إلى الأحداث والشخصيات اللامعة، ويبدو وفقاً لهذا النقد أن الفقر السردي لكتابته انعكاسٌ لحياته الشخصية المسطحة الخالية من التضاريس، فعندما يحاط الإنسان بحياةٍ مثيرة للملل في مدينة تفتقر للإثارة؛ لما هو جديد، فإن النصوص التي سيكتبها – لو كان ممتلكاً للفراغ الكافي – لن تكون بعيدةً عن ذلك، طالما أن خياله لم يكن جامحاً لدرجة الفنتازيا، لدرجة أن يهرب بعيداً عن واقعه المزري صوب المروج.
هذا ما حدث للمدعو هلالي. فقد عاش حياة مستقرة وإن كان كثير السفر، فأنا لم يسبق لي أن التقيت به وجهاً لوجه من قبل، وإن كان يسكن في نفس بنايتي، بل في نفس الطابق. لا تمضي ستة أشهر إلا ويكون قد سافر إلى بلد ما، وهو ما يحدث لي أيضاً. التعاقب كما يقولون، أن تصل إلى المكان في الوقت الذي يكون فيه الشخص الآخر قد ذهب إلى النقطة التي انطلقت منها في رحلتك، ورغم أنه كثير الترحال إلا أن ذلك لم يجعله من كتاب أدب الرحلات، فنادراً ما يكتب عن سفراته، عما يدفعه للسفر أصلاً، والجهة التي تموّل تذاكر سفره وتمنحه الدعوات والتأشيرات، فلو خوّل للمرء أن يمسك بجواز سفره فسيكتشف – فوق أنه يحمل اسماً آخر – أن كل صفحاته ممتلئة بكاملها بالتأشيرات والأختام: دخول، خروج، إقامة. إضافة إلى ملاحظات موظفي الأسواق الحرة، الذين يدونون بخط أزرق سيئ عدد زجاجات الخمر التي يشتريها، على جواز سفره، في ما يشبه التشهير. لكن حسام لا يكتب قط عن ذلك، ربما يفعل الآن لكنني لم يسبق لي أن قرأت له شيئاً كهذا.
ما كان يثيرني فيه أكثر من كتابته، هو أبعاد شخصيته وتنوع أنشطته، فقد درس تخصصاً علمياً نادراً يستلزم قدراً من الذكاء لا يبدو أنه قد اكتسبه، مجال ما، له علاقة بالوراثة والحمض النووي وتلك الأشياء التي يصعب فهمها أو معرفة ما يمكن صنعه بها، لكنه لم يسبق له أن أنجز بحثاً علمياً بعد حصوله على البكالوريوس، متنقلاً وسط مهن ووظائف مختلفة من قبل أن يتخرج في الجامعة، استثمر في بعضها قدرته على الكتابة، ليعمل في الصحافة، لكنه لم يكن دؤوباً بما يكفي لكي يكتب يومياً عما يحدث في العالم، كان يفضل القراءة والتعليقات المقتضبة، فهو لا يحسن الكتابة عن الواقع الفعلي بشكل مستفيض أو متسلسل، لما يستلزمه ذلك من المواكبة والمتابعة الدائمة وتجاهل الأدب، الأمر الذي جعله يتجه أحياناً إلى المسرح، وهو ما تفوق فيه على غيره من المجالات التي تنقل بينها، لا لشيء إلا لأنه أحبه بإخلاص، رغم أنه أيضاً لم يكن ممثلاً جيداً، ولا مخرجاً حقيقياً، ولا كاتب نصوص مسرحية ذات تأثير، فنصوصه الأدبية غالباً ما ينعدم فيها الحوار لضعف ملكته في كتابة اللغة المحكية. فلم يكن حسام هلالي متخصصاً في شأن بعينه، كان شيئاً من هذا وشيئاً من ذاك، لتكون المحصلة النهائية: لا شيء بعينه.
أما حياته العملية، ككاتب، فلم يكن فيها الكثير، فهو لم ينشر سوى كتابٍ واحد أو اثنين، كلاهما جماعي، أذكر أن الأول كان ما يشبه الأنطولوجيا لبعض الكتاب العرب، كان هلالي من محرريه. ربما كان ذلك هو السبب وراء حشره لبعض نصوصه فيه، فهي لم تحمل ما يثير الاهتمام على أية حال، سوى قصة فائقة القصر لصورة ترمز إلى رجلٍ في لافتة “خروج” يتحول إلى كائن حي ويغادر مكانه في اللافتة متسللاً إلى أحد أروقة العيادات في مغامرة ليلية يقوم في نهايتها بتناول سيجارة من لافتة “ممنوع التدخين” ويدخنها، فقط. هذا كل ما يحدث في القصة ولا شيء أكثر من ذلك. يعجبني خياله، فيه قدر لا بأس به من الجموح لكنه مع الأسف لا يُنتج شيئاً ذا قيمة حقيقية.
لا أريد أن أبدو مجحفاً في رأيي، فأظلم الرجل، فكتابه الثاني الذي كان من تأليفه كاملاً، كان فيه ما يسترعي الانتباه لتجربته البسيطة ككاتب شاب، وإن كان صغير الحجم جداً. كان يبدو ككتيب دعائي أكثر من كونه كتاباً أدبياً. الدليل الإرشادي الذي جاء مع سماعة هاتفي المحمول كان يحوي عدداً من الصفحات يفوق ما في ذلك الكتاب، مما يدفعك إلى الانتهاء من قراءته في جلسة واحدة على المرحاض حتى لو لم تكن مصاباً بالإمساك، وكان الكتاب بدوره يحمل عنواناً طويلاً احتل نصف الكتاب “الذي بعد الهبوط” أو الطيران.. شيء من هذا القبيل. كانت قصته الأساسية التي استلهم منها عنوان الكتيب تدور حول رجل سوداني متزوج عاطل عن العمل يحصل على عقد عمل في السعودية (دون أن يقول ذلك صراحة بل يلمح إليه تلميحاً) الأمر الذي كان قد حدث مع والده من قبل، وإن كان أبوه وقتها أعزب، وتنتهي تلك القصة السخيفة بأن يطلق الرجل زوجته البائسة دون أن يخبرها بذلك، ولكنه يترك لها وثيقة طلاقها على طبلون السيارة ويسافر قبل أن تسقط به الطائرة في البحر الأحمر قبل أن يبلغ هدفه. مما يدفع زوجته إلى الموت هي الأخرى في حادث مروري بعد قراءتها لوثيقة طلاقها، وهو الأمر الأكثر إضحاكاً في القصة التي يفترض أنها تراجيديا، فالكاتب يخبرك أن السيارة التي يفترض أن الزوجة تقودها في شوارع الخرطوم تسقط بها من على جسر بني في زمن الانتداب البريطاني، أو الحكم الإنجليزي-المصري كما يُسمى. لكن أبسط زيارة إلى الخرطوم ومشاهدة جسورها التي بنيت في تلك الحقبة تثبت استحالة حدوث أمر مماثل، فهذا النوع من الجسور الحديدية يحوي أقواساً متشابكة من الصلب بالغة السمك وعلى أحد جانبيها ممر للسكة الحديدية، بما يسمح أن يتسع الجسر ليس فقط للمشاة والسيارات ولكن أيضاً للقطارات، أضف إلى هذه الملاحظة البسيطة الانتفاء التام لأي معالم وصفية تشعرك بالقدرة على رؤية ما يتحدث عنه هلالي في قصص الكتاب، مما يجعل الضبابية سمة غالبة على أوصاف الأمكنة التي تدور فيها أحداث قصصه، كأن كل المدن التي يتحدث عنها من تصور مخيلة ضحلة، أو أنها من تأليف طه حسين.
المعلومة التي أعرفها هي أنه لم يكن قد زار الخرطوم بعد، قبل أن يشرع في كتابته لذلك الكتيب، وعلى أية حال، فإنه ليس بذلك السوء إذا ما وضعنا في الاعتبار تصميمه، فأنت عندما تنظر إلى غلاف الكتاب وهو في الواقع صورة فوتوغرافية معدلة من حفل خطوبة والديّ الكاتب الذي أهداهما إياه، ستلاحظ وجود اسم آخر على الغلاف مكان المؤلف: حسام هلالي.. أحمد فولة. ستعتقد في البداية أن أحمد فولة هو كاتب مشارك في الكتاب، وهو أمر مضحك قياساً إلى حجم الكتاب الذي لا يحتاج إلى كاتبين لإنجازه، لكنك ستتساءل عن السبب الذي يجعل مشاركاً يبدأ اسمه بالهمزة يأتي ثانياً بعد اسم حسام دون أي اعتبار للترتيب الأبجدي، وعندما تقرأ الإهداء المطوّل والخالي من الإبداع للكاتب، ستواجهك على الصفحة المقابلة جملة قصيرة من توقيع فولة: “إلى ضوضاء القواقع البحرية”، أليس هذا فاتناً؟ أن يهدي المؤلف منجزه إلى شيء ساحر، ملهم، حسي وطبيعي وغير مألوف مثل الأصوات التي يتصادى خريرها في ما يشبه مسجلاً طبيعياً لأصوات الشاطئ الذي سقطت على رماله؟ لكنك تتصفح الكتيب الصغير وتكتشف في الصفحة الأخيرة أن فولة هذا لا يعرّف نفسه إلا بسطر واحد حيال السيرة الذاتية البائسة لحسام هلالي، مكتفياً بالكتابة “مصمم غرافيك حر”، وهو حر فعلاً، فأنت عندما تنظر للتصاميم التي لم تكن رسوماتٍ فقط بل لعباً على خطوط النص نفسه وعبثها به؛ ستجد ما يشد انتباهك في النهاية أكثر من قصص هلالي القصيرة، وستكتشف أنه في النهاية ليس أكثر من كاتب يفتقر إلى المخيلة أتيح له أن ينشر نصوصه في عمرٍ مبكر.
كما كتبت سابقاً، إذا كانت نصوص الكاتب مثيرة للملل فإن ذلك انعكاس لحياته البائسة، قد لا تستشعر ذلك إذا ما التقيت بالرجل، فكل من يعرفونه يجمعون على أنه شخص مرح، وإن تزامن ذلك مع مرور أوقات غير مناسبة، كالمآتم مثلاً، أو حتى التظاهرات السياسية التي يشارك فيها عادة بدافع من الفضول وتنتهي بكونه محض رأس في الحشد، لدرجة أنه يفشل حتى في أن يحقق من وراء مشاركاته السياسية الضئيلة أي مجد أو زخم يحقق له صورة الكاتب الملتزم، أو الفنان الناشط سياسياً الذي يكتب من أجل قضية نبيلة ما، فهو لم يسبق له أن شهد ثورة أو انتفاضة شعبية إلا وكانت نتائجها وبالاً على البلد الذي شهدها، والمظاهرة الوحيدة التي سبق له أن أعتقل على إثرها كانت للاتحاد النسائي، وجرى فيها اعتقاله مع 46 امرأة تظاهرن أمام محكمة سودانية حكمت بالسجن على صحفية لارتدائها البنطلون، وعندما كتب اسمه بين المحتجزين (لم يدم ذلك الاحتجاز سوى ساعات قليلة) كتب بشكل خاطئ فبدا للإعلام رجلاً آخر غيره.
إلا أنه لو كان ثمة شيء يمكن أن يلتصق بالصورة التي يحفظها المرء عن حسام هلالي، فهي ضحكته، كرهتها أم أحببتها، فإنها أكثر ما يميزه، فهو لا يمتلك من أسباب الوسامة أو سمات الرجولة الشيء المثير، ولو أنك التقيته خارج السودان فإنك ستحسبه هندياً على الأغلب، وهذا ليس من قبيل الذم، فللهنود قدر من الجمال يميزهم عن سائر البشر، إلا أن هلالي يفتقر إلى أي منه، إلا شعراً أشعث إضافةً إلى نظارة لا يرى بدونها سوى الأضواء. لكنه على ما يميزه من المرح، والقدرة الدائمة على الضحك وإضحاك الآخرين من حوله، يحمل في داخله حزناً دفيناً، وكآبة لا تدرك، هي ما يدفع المهرجين دائماً إلى أن يكونوا بهذا القدر من السخرية كي يخفوا تعاستهم؛ تعاسة صادرة عن فشل، الفشل في تحقيق الذات، الفشل في الحصول على عمل جيد، في النجاح، أو حتى في الحب، وهلالي على الأرجح فاشل في كل ما سبق، خصوصاً في الأخيرة، فهو لم يسبق له أن ارتبط بفتاة أحبها لأكثر من عام سوى علاقة قديمة انتهت وهو لا يزال بتولاً، ومنذ ذلك الحين وهو لا يعجب ولا يثير الإعجاب إلا لماماً ودون طائل، ولم يقع في الحب بشكل حقيقي سوى بواحدة أو اثنتين، عندما دفعته الأولى للانزلاق بعيداً – وهذا مجرد تشبيه – أسقطته الثانية من على شرفتها ليصاب بكسور حادة وهو لا يزال في الجبس.
لهذا، وبالقدر الذي تبدو فيه كتابته ضئيلة مقارنة بضحكه الصاخب، عليك أن تتذكر أن حسام هلالي رجل منكسر لدرجة يفشل فيها، في التعبير عن هزائمه، فحتى عندما يقف على شرفة منزله، بدون جبس التشبيه ذاك، وصادف أن مررت به وحيداً يتأمل الشارع الجاري من تحته. ستلاحظ أنه لم يفرغ الأصص من الأغصان الذابلة التي نسي سقايتها، لأنه في جملة الأحداث والوقائع التي يعيشها في حياته المليئة بالخيبات لن يجد صفاء الذهن الكافي للإتيان بشيء بسيط كذاك، فضلاً عن الكتابة، وإذا ما حدث وناديته وأنت تمر بالشارع، فهو لن يتوانى عن التلويح لك مبتسماً دون حتى أن يعرف من تكون، لا لشيء سوى لرغبته في ألا يشاركك إحساسه بخيبة الأمل.

سينما زاوية: نافذة على الأفلام البديلة

عندما تنعطف إلى شارع عبدالحميد سعيد بوسط القاهرة محاولاً التسرية عن نفسك في ظل الركود العام بقطع تذكرة في “سينما أوديون” لن تتخيل أنك ستمر بتجربة فريدة من نوعها. سيواجهك ملصق دائم بين الملصقات الثلاثة المتغيرة للافتة السينما، التي اختيرت كي تكون المقر الدائم “الأول” لسينما زاوية.

تقوم مبادرة “زاوية” على عرض أفلام لا تعرض عادة في دور السينما، كما يقول الملصق التعريفي. وفي هذا السياق، نشاهد عند المدخل الجانبي لسينما “أوديون” ملصقات لأفلام من مختلف أنحاء العالم، فيتبيّن لنا أنه بإمكاننا مشاهدة فيلم فلسطيني أو سوري على شاشة لطالما كانت حكراً على أفلام شركة “السبكي” مثلاً أو آخر ما أنتجته هوليوود.

ترعى المبادرة شركة “أفلام مصر العالمية” التي أسسها المخرج الراحل يوسف شاهين، عبر علاقاتها الجيدة في أوروبا، كونها الشركة المصرية الوحيدة الحاصلة على جائزة مهرجان “كان”. وقد استطاعت أن تحقق انجازاً لافتاً في هذا المجال بعروض “بانوراما الفيلم الأوروبي” التي تعتبر الفرصة الوحيدة ـ بعد عروض مهرجان القاهرة السينمائي ـ لحضور عروض سينمائية مختلفة (تتضمن الوثائقي والروائي القصير) في صالات العرض التجارية في القاهرة.

تشكّل “سينما زاوية” استمراراً لنجاح “بانوراما الفيلم الأوروبي”. وبدلاً من أن تجري العروض في صالات “جالاكسي” و”سيتي ستارز” و”بلازا” التي تديرها شركة “أفلام مصر العالمية”، وتدوم عشرة أيام حدّاً أقصى؛ تعاونت الشركة المذكورة مع شركة “نيوسينتشري” التي تملك سينما “أوديون” لعرض هذا النوع من الأفلام طوال العام على واحدة من شاشاتها الثلاث؛ وذلك نظراً إلى موقع السينما المتميز في وسط المدينة، حيث تتركز الأنشطة الثقافية وأوساطها التي يستهدفها هذا المشروع أولاً.

“لسنا مشروعاً ثقافياً فقط” يقول مدير “سينما زاوية”، الشاب يوسف الشاذلي: “الهدف الأساسي للمشروع هو أن ننقل الأفلام المستقلة التي تعرض لمرة واحدة في مركز ثقافي ما إلى صالات السينما التجارية”، ما يقدم دعماً لمخرجي هذا النوع من الأفلام ومساهمة في جعل إنتاجهم جزءاً من السوق.

ولمّح الشاذلي إلى أن التمويل الذي يتلقاه المشروع قد لا يستمر طويلاً، وإلى أن استهداف جمهور “وسط البلد” هو بداية فقط لنشر هذا النوع من الإنتاج السينمائي وسط قطاعات أوسع. وبالتالي، فإن “سينما زاوية” مرشّحة في نظره  للانتشار في مدن أخرى غير القاهرة، خصوصاً بعد أن فاقت نسبة حضور العروض التوقعات، لتصل أحياناً إلى 200 مشاهد يومياً.

من جهتها، أشارت المسؤولة عن عروض الأفلام خارج البرنامج الأسبوعي، المخرجة عالية أيمن، إلى أنها ضد فكرة الثقافة الموحدة ومع تقديم خيارات سينمائية أكبر: “نحن نسعى لخلق مساحة للبديل لكننا لا نريد أن تكون “زاوية” مشروعاً نخبوياً مقتصراً على الفنانين والمثقفين”. واعترضت المخرجة على مصطلح “السينما المستقلة” قائلةً: “الأدقّ أن نسميها بالسينما المختلفة أو البديلة” مشيرةً في هذا السياق إلى أن فيلم افتتاح السينما هو “وجدة” للمخرجة السعودية هيفاء المنصور (إنتاج روتانا).

إلى جانب عامل التمويل، تُعتبر الرقابة أهم التحديات أمام المشروع لأن “زاوية” لا تعرض أي أفلام “معدّلة” ولا تسمح بحذف مشاهد من هذه الأفلام لدى عرضها. إذ تلاحظ أيمن أن هنالك نمطاً جديداً من الرقابة الشعبية أضيف إلى الرقابة الرسمية، متوقفّةً عند مثال فيلم “حلاوة روح” (من بطولة اللبنانية هيفاء وهبي) الذي تم إيقاف عرضه بشكوى من مجلس الطفولة والأمومة.

“هنالك قطاعات شعبية تدعم الرقابة الفوقية، وأنا لا أرى أنها تكتسب أي شرعية. إذا كنت لا ترغب بمشاهدة الفيلم فلا تذهب!” ورغم اختلاف المخرجة مع منتج الفيلم محمد السبكي، إلا أنها مع حقه في إنتاج ما يرغب تحت بند “للكبار فقط”. وفي هذا السياق تشير إلى أن “سينما زاوية” تؤمن بحرية الفنون التي تسمح بتقديم الأفلام من دون رقابة.

بعد مضي شهرين فقط على تأسيسها، تستضيف “سينما زواية” هذا الشهر “مهرجان قبيلة للأفلام القصيرة”، كما عرضت أربعة أفلام للمخرج السوري محمد ملص، بينها فيلمه الجديد “سلّم إلى دمشق”، لتثبت بذلك جدية أهدافها وسعيها لتأسيس “سينما للأفلام اللي ما بتشوفهاش في السينما”.

قبل أن أنام

قرص طعمية بخمسة وعشرين قرشاً من الشبراوي كان كفيلاً بأن يردي المصطفى رامز قتيلاً، الشاب البغدادي الذي ترك مع عائلته حي الأعظمية بعاصمة المنصور المحاصرة بالدبابات الأمريكية لاجئاً لقاهرة المعز. ظل الوضع قابلاً للتعايش في العراق باعتقاده، إلى أن قتل الرجل الذي يسبقه في صف الانتظار أمام فرن “الصمون الحجري” برصاصة طائشة. كانت ملامح المصطفى شرق أوسطية بشكل لا يُلمّح لانتمائه لبلد بعينه، مما سهل اندماجه وسط المصريين لدرجة جعلتْ بروفيسور مختار، أستاذ الطب الجزيئي – وعميد كليته لاحقاً – يشعر بالأمان وهو يصف العراقيين في إحدى محاضراته بالمغول – لم يكن مدركاً للمفارقة وهو يصف الضحية بالجاني – في معرض شكواه من جنود الجيش العراقي الذين صادروا خلال غزوهم أجهزة معمله ونتائج أبحاثه بجامعة الكويت، مما أتاح الفرصة لفريق بحثي في جامعة أمريكية التوصل إلى النتائج التي كان على وشك الوصول إليها في بحث يتعلق بسرطان الثدي، لولا أن دبابات صدام حسين كانت أسرع من أجهزته المعملية المصادرة. بقي المصطفى على جلسته، لم تبدُ على ملامحه أي علامات للغضب وهو يشعر بالإهانة، على العكس، كان بارداً وهو يعنف واحداً من أكثر الأساتذة عصبيةً واعتزازاً بالنفس في الجامعة، بجملة قصيرة، جعلتْ بروفيسور مختار يقف محتاراً أمام هذا الطالب الذي يدافع بكبرياء عن شعب من البرابرة، قبل أن يدركه أحد الطلبة – ويدعى بولا – بالإشارة إلى أن المصطفى عراقي، فيتحول البرابرة إلى متحضرين بين جملتين، ويشاركون الفراعنة في صناعة الحضارة من بين نهريهم، ويتغير غضب البروفيسور إلى تسامح غريب واعتذار خجول، رافق معاملة البروفيسور لهذا العراقي الهادئ حتى تخرجه بسلام دون أن يقتل أحداً أو يفجر معملاً.

أجاد المصطفى اللهجة المصرية من التلفزيون قبل أن يعرف أن القاهرة ستكون مستقراً له ذات يوم. على الرغم من ذلك، لم يفهم المصطفى مطلقاً عندما شاهد مسرحية “المتزوجون” على تلفزيون الشباب أيام المدرسة، المغزى من جملة شيرين وهي تشكو من فقر سمير غانم وتناوله لنفس الطعام يومياً بقولها : “ما الطعمية من الفول، والفول من الطعمية”. ذلك الفارق الجوهري بين الفلافل المعدة من الحمص، والنسخة المصرية منها المصنوعة من الفول كان غائباً عنه بشكل متآمر.  لم يكن “فالح أبو العنبة” وقتها قد افتتح مطعم الفلافل العراقية بمدينة السادس من أكتوبر بعد، وكان الوقت لا يزال مبكراً للهرج والمرج الذي سيسبق امتلاء المدينة بالمطاعم السورية بعد أن تصل عدوى الجنون لحزب البعث الآخر. يومها طلب المصطفى مع سندوتش الشاورما الفراخ أربعة أقراص من الطعمية المقلية للتو، لينقل قبل الانتهاء من تناولها إلى المستشفى الجامعي. حرمه مرضه من تناول الوجبة الأكثر شعبية في وادي النيل: الفول، الذي تخفى له في أقراص مميتة بشكل فاتح للشهية. تعجز خلايا الدم الحمراء لدى المصطفى عن إنتاج إنزيم سداسي فوسفات الجلوكوز النازع للهيدروجين مما يجعل عمر هذه الخلايا بالغة الحيوية يقصر عن عمرها لدى الإنسان العادي، الإنسان الذي يموت بالرصاص. جرعة بسيطة من الفول قادرة على جعل خلاياه الحمراء تتأكسد وتتكسر ليصاب بفقر دم حاد قد يؤدي إلى موته بعيداً عن صخب بغداد وعنفها. “أنيميا الفول” هكذا يشخصون مرض المصطفى. مرض وراثي غريب لطالما سحرني منذ أن ذهبتُ لزيارته في المستشفى، وتبرع هو كطالب أحياء مطلع بشرح مفصّل لكيفية تفاعله وهو مستلقٍ على الفراش الأبيض. تمنيتُ الآن لو أنني مصاب به، وأنا أقف في الحمام متردداً أمام انعكاس صورتي وبيننا عبوة ممتلئة بحبوب منومة،  ظللتُ أفكر لدقائق طوال – قبل أن أبتلع الحبوب دفعة وراء الأخرى – في تلك السخرية التي كان سيشكلها موتي لو كنت المصطفى رامز، رجلاً ينتحر بتناوله أربع قطع شهية من الطعمية لم تكلفه سوى جنيه واحد مـ..ن … مـ.. طـ.. عم الشـ… برا…….

“1919” لأحمد مراد: الثورة بحبكة بوليسية

في روايته الرابعة، “1919”(دار الشروق، 2014)، يقفز أحمد مراد عن الراهن السياسي المصري، بكل زخمه وتأزماته، ليستعيد الانتفاضات الشعبية في سبيل استقلال مصر، التي بدأت بـ”هوجة عرابي”، مروراً بثورة 1919 وخيباتها هي الأخرى، لعدم تمكّنها من انتزاع استقلال تام لـ”المملكة المصرية” عن “التاج البريطاني”.

ورغم المأزق الذي يشكله السرد الروائي في إطار تاريخي، يذكّرنا الكاتب في الغلاف الداخلي للكتاب بأن “هذه الرواية عمل أدبي، وجميع الشخصيات والأحداث الواردة فيها تم استخدامها في إطار خيالي”؛ ما يدل على أن استخدام الشخصيات السياسية مثل سعد زغلول ومصطفى النحاس وعبد الرحمن فهمي والملك فؤاد.. إلخ، كشخصيات روائية، إنما هو عنصر لخدمة القصة الأساسية وكخلفية وجو عام لأحداث خيالية.

الشخصية الرئيسية للقصة، أحمد كيرة، هي في الواقع شخصية حقيقية، تصفها مقالة منشورة في صحيفة “الوفد” بتاريخ 17 آب/ أغسطس 2011 على النحو الآتي: “فدائي عظيم من الجهاز السري للثورة”، و”بطل منسي”، تعاون مع حزب الوفد للقيام بعمليات اغتيال تستهدف ضباط الجيش البريطاني، كورقة ضغط تسير بشكل موازٍ مع النضال السياسي و”التفاوضي” لـ”الوفد” الذي وصل إلى السلطة، بعد أول انتخابات نيابية حرة، جاءت استحقاقاً ناقصاً لـ”ثورة 1919″. وهو ما تناقشه الرواية بشكل ينال من الصورة الرمزية المنمقة لسعد زغلول، إذ تخرجه من صورة الزعيم الوطني لتضعه في مصاف السياسيين البراغماتيين.

يستعير الكاتب العديد من الوثائق والنصوص داخل السرد المشوق للأحداث. ما يظهر عملية بحثه الواسعة التي ساعده فيها أشخاص آخرون (وُضعت قائمة شكر بأسمائهم في آخر الكتاب). وهذا يذكّر بأسلوب الروائي المصري صنع الله إبراهيم، أحد عرّابي أحمد مراد، وتتجاوزه إلى الأميركي “دان براون” في طريقة كتابة الفصول المليئة بالمطاردات بشكل يقترب من مونتاج أفلام الإثارة الهوليودية، وإن كان وصف المشاهد العنيفة استرسالياً وأشبه بسلسلة روايات “رجل المستحيل” لنبيل فاروق.

فطبيعة روايته “الفيل الأزرق” التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية هذا العام، دفعت المخرج مروان حامد إلى تحويلها إلى فيلم سينمائي، كتب السيناريو له مراد نفسه. وجاء ذلك بعد تحويل روايته الأولى “فيرتيجو” إلى مسلسل تلفزيوني، مستفيداً من خلفيته السينمائية كخريج المعهد العالي للسينما.

تأثر مراد بشكل واضح بكتابات روائي جماهيري آخر هو أحمد خالد توفيق الذي كتب تعريفاً نقدياً في الغلاف الخلفي للرواية يصف فيها مراد “بالجدية والاتقان”. رغم هذا. تتسم النهايات التي تصل إليها الخطوط الدرامية للرواية بالميلودرامية المفرطة. كأنما يجب أن تنعكس حالة الإحباط السياسي وفشل الثورة على الحياة الشخصية للأفراد الذين عاصروها؛ في إسقاط على الواقع المصري اليوم.

بالتالي، فإن تجريد حبكة “1919” من العناصر التاريخية والبوليسية، يعرّيها في المحصلة النهائية. إذ نواجه قصة حب كلاسيكية جمعت أحمد كيرة بالراقصة السورية “ورد” التي هربت من مذابح العثمانيين ضد الأرمن إلى بيوت الدعارة وعالم النوادي الليلية في القاهرة؛ وذلك بعد قصة حب فاشلة جمعت كيرة بالشابة “نازلي” التي تعرّف إليها في بيت سعد زغلول، قبل أن يختطفها منه الملك فؤاد في حفلة أرستقراطية، لنكتشف أنها في الواقع الملكة نازلي.

الرواية التي تقع في 445 صفحة تدفع القارئ، بنفَسها البوليسي وأجوائها التاريخية، إلى التهامها من دون ملل، علماً أن ارتفاع سعرها النسبي (48 جنيهاً للطبعة الأصلية) أدّى إلى قرصنتها وانتشار نُسَخ رخيصة منها على الأرصفة. الأمر الذي لم يمنع نفاد طبعاتها الأربع الأولى في الشهر الأول من توزيعها.

“العالم يقول: “وحينا لا يُكتب

لم تكن أسئلة الثورة المصرية وهمومها بعيدة عن العرض الذي أقيم مؤخراً على “مسرح الفلكي” (الجامعة الأميركية) في القاهرة بعنوان “العالم يقول”، وضمّ أربعة من فناني “الراب” ضمن الفعاليات المزدوجة لمهرجان “ريد زون” الذي تنظمه Krikleig Kulturverksted في دورته الثانية (الأولى في القاهرة وبيروت)، و”مهرجان الربيع” الذي يقام سنوياً في المدينتين، وتنظمه مؤسسة “المورد الثقافي”.

الفنانون هم: طارق أبو كويك (الفرعي)، وهو فلسطيني من الأردن، ومازن السيد (الراس) من لبنان، وعلي طالباب من مصر، إضافة إلى ديدييه أوادي من السنغال. وقدّم الأربعة عرضاً لـ”الراب” اختلطت فيه فنون الأداء والكتابة بالفنون البصرية والموسيقى، بمشاركة عازف الغيتار تيباس كازيماتيك (الكونغو)، ومنفذ السينوغرافيا غازي فريني (فنان بصري تونسي).

وتَشارك “الفرعي” و”كازيماتيك” العزف على الغيتار، ما سمح بتقديم فواصل غنائية بالتكوين الهارموني التقليدي، من دون أن تطغى الموسيقى المصاحبة على الجانب الأدائي الشعري، رغم استهلال “أوادي” الليلة بإلقاء شعره بالفرنسية غير المصحوبة بأي ترجمة. فيما عمد “فريني” إلى تكوين خلفية بصرية للشعراء والمؤدين، عبر ثيمات تتقاطع أحياناً مع الشعر المُلقى، وتسرح بعيداً ـ أحياناً أخرى ـ في فضاءات فن الفيديو. وذلك ضمن عمليات مزج ومونتاج حيّة وارتجالية على الخشبة. وقد قسّم الشعراء ومؤدو الراب مادتهم إلى خمسة أقسام: النار، والماء، والتراب، والريح، والأرض.

وكانت الثورة بأسئلتها وهمومها مضموناً أساسياً وطاغياً على العرض بمجمله. وهو أمر طبيعي لما يتطلّبه نسق “الراب” من وضوح ومباشرة في استخدام الخطاب السياسي (الثوري والمتمرد)، ممزوجاً بجماليات هذا النوع الفريد من الفن، والمتمثلة في تقديم صور شعرية مسترسلة ومتتابعة، فيما يشبه الومضات.

بيد أنّ “الراب” يتطلب أيضاً توفر جو يتمتع بحرية تعبير كبيرة تتيح للفنانين استخدام ألفاظ قد تجرح المتلقي العادي للشعر، بل وقد تصدمه أيضاً بزلزلة بعض مسلماته. وهذا تماماً ما حدث مع الشاعر والمؤدي علي طالباب الذي كان يلعب على أرضه، وعلى بعد أمتار من شارع محمد محمود (بكل رمزيّته الثورية). إذ بعد الحفاوة الخاصة التي استقبله بها الجمهور مع انطلاق العرض، تراجع حماس الحاضرين وتفاعلهم معه إثر تقديمه قصيدة تتضمن تناصّاً مع آيات قرآنية، إنّما ذات دلالات غير دينية: “قل يا أيها السالك/ قم واحرق الوثائق/ وَحْيُنَا لا يُكتب”.

وجاء عرض “العالم يقول” بعد ورشة استمرت أربعة أيام، عُرض بعدها على مسرح “دوار الشمس” في بيروت (قبل يوم من وصوله القاهرة)، طارحاً بذلك تساؤلات عدّة حول ماهيّة فن “الراب” نفسه: هل هو شعر؟ أم غناء؟ أم أداء يجمع الإيقاع بالمفردة؟ وهذا الشك “الاصطلاحي” هو ما دفع المنظمين أنفسهم إلى عدم وضع تصنيف محدد للعرض ضمن البرنامج الرسمي، والاكتفاء بعنوانه.

لكن يبقى هذا التزاوج بين صور الفن غير التقليدية وتنوع اللغات والثقافات في المادة الفنية نفسها، أهمّ ما قدّمه العرض الأممي المشترك ـ إن صحّ التعبيرـ حيث تجاوز الفنانون القادمون من مشارب وثقافات مختلفة، همومهم واهتماماتهم بالمجريات السياسية ضمن الإطار الضيق لبلدانهم (مصر وتونس ولبنان وفلسطين والأردن)، ليتناولوا بإبداعهم ليس العالم العربي فحسب، بل العالم كله. ما يجعل من عنوان أمسيتهم، “العالم يقول”، خياراً موفقاً بكل المقاييس.

__________________

يقدم “رد زون” و”مهرجان الربيع” في العاشر من أيار/ مايو أمسية شعرية (تقليدية هذه المرة) للشعراء: مايكل عادل (مصر)، ومحمد اللغافي (المغرب)، ووليد الكبيسي (العراق/ النرويج)، وذلك على مسرح “روابط” في القاهرة.

كما تستمر باقي العروض في الموسيقى، والمسرح، والفنون البصرية، حتى 26 أيار/ مايو.

موسِمُ الهِجرةِ إلى الجنوب

هناك..
أثقل الصدأ السلاسل
وأغلفة الرصاص النائم
في الجماجم،
ولا يزال الوقت بِكراً
للمؤامرة.

يرقص القلب داخل ضيقه
ويظل الفرار من الدلاء الفارغة
إلى النهر
حِكراً
للمغامرة.

أشتت بين الجهات التفاتي
أجد في كل الخيارات
وكراً
للمقامرة.

في غابات الهاجس
والعواء
أينما يُنظر للظلمة العليا
لا يُرى القمر الأسير
إلا
خلف قضبان الشجر..

لم تمطر فولاذاً
في الشتاء الأخير،
هناك..
نجت قرية من سرب النسور
في موسم الهجرة
من الشمال…
كل القرى ها هنا حطب
في انتظار أن يصاب جنرال ما
بالشتاء.

هذه القرية فقط
تنتظر احتراقها
ريثما يمر على القطاطي
من ينكش شعرها
فيخرجون إلى أحضان الخنادق
صارخين من البهجة:
“جئتم أخيراً!
كم انتظرنا أن تأتونا بالكهرباء
تخبرنا بأحوال الطقس
وأسعار العملة
والأغنيات،
بقنينتي دواء
لأطفالنا المائة”.
ها هم الآن
بلا أدنى حوجة للعلاج…
شفاؤهم من هذا البلد
هو الموت.

هناك
في القرية التي أوشكت
أن تنجو
من عيون الله
التي لا تنام
ربما ظلت الكنيسة ساكنة
تحت الصليب الكبير
في المذبح
ستجدون جثتي هناك
متجمدةً
من النسيان.