الجوكر يحرق غوثام أخيرًا

جماجمُ في القاع كمخابئ للقناديل
مناشفُ بوجه ميكي ماوس طافية على سطح الخليج.
كلّ الموتى جميلون في الصور
الأحياء وحدهم يستحقون الموت.

سبع فراشاتِ سيكفين لتغطية ندباتك
بينما تتعرين لحمام الشمس.

لستُ بحاجةِ لحكايات
لتفاصيل ما جرى لك قبل الطلاق
يكفيني أن أعلم أن رجلًا..
لن يرحل أبدًا.

الرجل كالإيدز
يأخذ جسدك
وترحلان.

الدبوس الذي وخز إصبعي أكثر فداحة من كل الحملات الصليبية
من الهولوكوست، وقنبلة هيروشيما، وسربرنيتشا، وفرسان الجنجويد
فلماذا أشتعل في كل ليلة يقصفون فيها حلب؟

بتُ أشبه سيارات الإطفاء المحترقة في شوارع غوثام
بحاجة سكينٍ لأرسم ابتسامةً على وجهي الملطخ بالسخرية
أكثر ثراءً من أبراج دبي المضاءة الفارغة
أكثر كآبةً من ميدان التحرير المزدحم بالسيارات
فيما تنزف نسوةٌ مناديلَ من عيونهن
ويندبن بالسريانية
الدموع ضماداتٌ للحناجر الظمأى،
ولأجزاء الجسر الصدئة
سأحتضنها برغبتي في الغرق.

في الصحراء الواسعة أهبةٌ للضياع
لم تزرع الحضارة سوى أكياس النايلون
تحتضنها الشجيرات الضئيلة
وللسراب البعيد
قوارير فارغة من البلاستيك.

نحن جثثٌ مشتعلة في مسيرة هادرة
ننشد معًا استسقاءً لإله أصم
الريح الفضفاضة تلوّحنا
نارًا على علم
والنخيل على مد الفجر
تيجانٌ لملوك الحسرة والسبي.

الويل لمن أحبونا
ستحيق بهم الخيبة.

سننتظرهم في أروقة المشافي:
ليختر أيٌّ منكم خطأه الطبي الذي سيودي بحياته
هذه المعاطف البيضاء ليست سوى أكفان
وحدها الأجنة المجهضة
قامت بالصواب.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

ضلالُ السادية ووصفُ الفصلِ الخامس

| أن تتنفسَ جمراً فتختنقَ بنْفّسِك |

يأتيك بما لا يأتيك به غيره | هذا الموقد الذي تتقلب عليه | جمرةً في ضياع سكينتها | في سفرها البريق إلى الرماد | جهنمك المتيتمة من كل من سواك | الفريدة المستفردة المستديمة المستوقدة | كأن لم تجد غيرك غنيمة فاجترتك | في التآكل المثابر المتواتر | وأنت لا تفرغ من نفسك ولا تتفتت عدما | تدمن إدمانها على شظاياك فتتناثر أكثر | لتلتهم أشلاؤك أشلاءك | يأتيك بما لا يؤتيه لغيرك | وإن أتى فأنت في عذابك أوحدُ | كأن لم يأتِ من العدم سواك | يأتيك بشعرها | أسلاك الغياب الشائكة | يأتيك بجبينها | بلآلئ الندى وما تنساه ظهيرة على وجهٍ حسبه الطقس وردة | لم تقطف من رحيقها سوى الشوك | يا نحلة تطن في أذن العمى | في بعيدك أنت | ولا يذكرك الصيف إلا حميمية إمساك بعضكما لعرق بعض | ليل يمتزج بصوتها نبيذ ارتوائك | اظمأ في جحيمك الآن | وهذا الحنين يقلبك على جمر الفقد | فصلاً خامساً لسنة في عداد النسيان | شقيق الصيف في تنفسك للجمر في طقسه | زوج الشتاء في إنجابه للكآبة | ابن الخريف في ذبوله كآلام الروماتزم | صديق الربيع في احتضانه المتلهف للغبار | لكنه يأتيك بها | في كل ابتعادك نائياً عن صهيل ما مضى | إلى الأنخاب والأصحاب وما يطفئ الأهداب | لكنك ما ليس سواك | تهفو إلى ما ليس سواها | تتوه عن النسيان | كلما ابتعدت عن الهاجس ازددت التصاقاً بكما | يمطر الفقد سواطيراً | تـ | تـ | شـ | ظـ | ـى | أكثر | صهباءً في السادسة عشر تحك الوتر الأخير من الكمان | يفتح الوجد باب سردابك الأعمق | ويسرق آنك بالذكرى | تشوي على الجمر قلبك ولا ينضب | ينبض | لا ينضب | ينبض | لا ينضب | ينبض | لا ينضب | ينبض | لا ينضب | فتيأس من استوائه | نيئاً بما سبق البتولة فلما انتهاها بدا وما نهى | فوالله إنك لفي ضلالك القديم.


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

خدش الحياة/ء

إلى أحمد ناجي في زنزانته

سبعون ملثماً فوق أحصنتهم

دخلوا قريةً وخرجوا منها رمادا

لم يخدشوكم

صقر الجديان

حلّق بجناحيه المعدنيين فوق الجبال البعيدة

خلّف مدرسةً من الجيف المتفحمة

لم يخدشكم

النهرٌ نفسه

عاد في الخريف هادراً

حمل في صحبته أسرّةً وأُسر

بعيداً عن بيوتها

لم يخدشكم

قصرٌ جديدٌ للمشير العجوز،

والمشير العجوز

لم يخدشكم

أظافرُ الصبيان السوداء

أمام نوافذ سياراتكم في إشارة المرور

لم تخدشكم

المُدية الحادة فوق فخذيّ طفلةٍ باكية

لم تحفظ بعد نشيد الصباح

لم تخدشكم

لكن كُساً مبللاً بالنشوة

حليقٌ وناعم

حريّ بأن يخدش حياءكم

هاكم قضيبي الصغير إذن

مصّوه

لعلكم تعقلون.


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

يفوح من وجهها ليلاً ماء الورد

(ألف)

النسور فوق المعركة
الحصون التي لا تسقط يحيقها الطاعون
ثمة من يبحث عن شخص قد يفتقده إذا ما رحل
يواصل السير بين الركام
قُتل قبل سبعة وعشرين عاماً
يعد الهزيمة تلو الأفدح
لا يفنى، ولا يستحدث من عدم .

(نون)

ململماً أطرافه، يخرج من مدينة الخيبة
إلى صحراء نجت بأعجوبة من الأمل
كلما رنا إلى سكون
هاج في صدره أثر طعن قديم
السكينة التي اخترقته أخيراً
كانت مغلفة في صندوق هدايا
خرجت من جوفه
وهي لا تزال في الغمد .

(ياء)

في ضجيج الظهيرة تصيبني وحدة أخرى أشد ضراوة من الزحام

(لام)

ما تبقى من النهر العجوز في اليابسة ردم بالأسفلت وأسموه “شارع الترعة”
المروج المشيدة
أنهضت ظلالاً عظيمة في العصر والضحى
ناهزتْ البساتين، ولم تعد تثمر سوى الأجنة
والمزيد من العمارة .

(ألف)

أضعتُ ثديين أرضعاني النبيذ
ذاك أسكرني بوهم الخلود

(ميم)

كم يكره السرير،
السقف الذي يحدقه في العتمة،
الذكريات غير القابلة للمحو،
الجُمل التي ود لو لم يقلها،
(لو) التي تزيد الوضع سوءاً،
والأحلام التي ينساها ما أن أستيقظ،
ولماذا نستيقظ .


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

الهروب من القاهرة

“لشروق الشمس.. وغيرها”

ثَمّةَ امرأةٌ
ترقبُ شروقَ شمسٍ قديمٍ على بحرِ البلطيق
من شُرفةٍ في الزمالك.

النهارُ يتسلقُ ظِلالَ الأمكنة
لتصيرَ أمكنة
لا بحرَ في جنينةِ الأسماك،
هنالكَ أشجارُ نخيلٍ شاهقة لا تُشبه الشُعَب
وأنتَ تركض
في شوارعَ يطمسونَ مِن جُدرانِها صُورَ الشُهداء
ليعلقوا لافتاتِ المُرشّحين
إلى المجلسِ والهُتاف
وتمجيدِ الفشل

المدنُ ليستْ كخرائطها
لا كما أنتَ في زيّ المدرسة
ليست كصور الأبيض والأسود
ولا أنتَ تُشبه المرايا

المدينةُ تُغيّرُ جِلدها
تتأهبُ للدغِ الأجيالِ الجديدة
بِسُّم الهزيمة نفسه
وأنتَ تركض
تبحثُ عَمّن يُقلُّك للمطار
هرباً مِمنْ سَتربتُّ على كتفك ليلاً
مَنْ ستبتسمُ لشعرك المنكوشِ في الصباح
وتخففُ عنك الكوابيسَ ووطأةَ الأيام
مِن الواحاتِ البعيدةِ قبلَ أن تَؤول إلى سَراب
والماءِ الذي سيتلوهُ ظمأ
من الشمسِ التي تُشرقُ كي تَغرب
واللقاءِ الذي يَنتهي بوداع
هرباً من الحنين
في شُرفة بالزمالك.


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

رسمة المقال من أعمال الفنان المصري شناوي

 

وودي آلن.. الكمّ على حساب الكيف؟

يطل وودي آلن، بفيلمه السنوي هذه المرة بعنوان Irrational Man “الرجل اللا عقلاني”، مقدمًا لنا شخصية البروفيسور آبي لوكاس، أستاذ الفلسفة المرموق الذي يؤدي دوره الممثل البورتوريكي خواكين فينكس، ليلعب مجددًا على ثيمة البطل المصاب بالاكتئاب وأزمة منتصف العمر. السمّات الشخصية التي خولّت كِت بلانشيت لنيل جائزة الأوسكار عن دورها في فيلمه ياسمين أزرق Blue Jasmine العام 2013.

يضاف إلى ذلك، العناصر المعتادة التي صبغت أغلب أفلامه التي تسخر من الإنتلجنسيا الأمريكية (النيويوركية غالبًا) من مثقفين وفنانين وأكاديميين، باعتبارها ركنًا أساسيًا من أفلامه ونصوصه القصصية والمسرحية، وهي الشريحة الاجتماعية التي يعتبر وددي آلن أحد أبرز رموزها في القرن العشرين. فيما يأخذ النقد اللاذع من العلاقات العاطفية، ومؤسسة الزواج تحديدًا، حصة كبيرة من أسلوبه الكوميدي. بشكل أسس له نمطًا خاصًا فيما يعرف بسينما المؤلف، بوصفه سينمائيًا نادرًا ما يقدم إلى الشاشة نصًا ليس من تأليفه.

وكسائر أفلامه، يبتعد وودي آلن عن أي تقنيات إخراجية مبهرة ليواصل سيره في تيار معاكس لأفلام هوليوود التقليدية كبيرة الإنتاج. معتمدًا بشكل أساسي على الحوار الساخر والحبكة المليئة بالمواقف الغرائبية لشخصياته المضطربة، وهو هنا في “الرجل اللا عقلاني” يعرض انتقال البروفيسور النابغ الذي تسبقه سمعته الأكاديمية إلى الجامعة المنقول إليها حديثًا. بشكل يرسم حوله هالة كاريزمية توقع في غرامه زميلته ريتا التي تتورط معه في خيانة زوجية يحبطها فيها بروفيسور لوكاس، بافتقاره لأي رغبة جامحة لممارسة الجنس نتيجة لاكتئابه، فيما نرى على الجانب الآخر انسحاق طالبته جِل -قامت بدورها إيما ستون- أمام شخصيته التي تسحرها في مدى عمقها والإحباط الذي يتعاطى به بروفيسور لوكاس مع العالم من حوله.

لدرجة تجعل من شخصيته ومحاضراته مادة دائمة لحديثها حتى مع أسرتها وعشيقها الذي يواجهها بدوره بفكرة وقوعها التدريجي في غرامه. الأمر الذي تواصل في إنكاره إلى أن يثبت العكس في المشهد الذي تحاول فيه تقبيله في مدينة الملاهي، في حبكة بدت مكررة ومألوفة في أفلام آلن الذي دائمًا ما يقدم أبطالًا ساحرين أيروتيكيًا كتعويض سينمائي ربما لحياته العاطفية التي يبدو أنها ليست بهذا الشغف، ربما!

تكرار تناول هذه الثيمات ليس العيب الوحيد الذي وقع فيه “الرجل اللا عقلاني”، بل هو “اللا عقلانية” غير المقنعة التي حاول آلن تداركها في عنوان الفيلم لتبرير حبكته. حيث نرى فجأة البروفيسور لوكاس وقد انقلبت حياته رأسًا على عقب بشكل يحرره من حالة الاكتئاب ليجد دافعًا وهدفًا لمواصلة حياته ما أن يسترق السمع بالمصادفة، بصحبة طالبته جِل في أحد المطاعم، لأم تحكي بمرارة لجمع من معارفها القضية التي تواجهها في المحكمة والتي ستخسر فيها حضانة أطفالها لمعرفتها المسبقة بفساد القاضي الذي يتولى سير القضية. ليقرر بعدها البروفيسور لوكاس قتل هذا القاضي بالسم في خطة محكمة يدفعه لتنفيذها انعدام أي تعارض مباشر للمصالح أو المعرفة المسبقة بالقاضي، الذي يموت بالفعل في ظروف غامضة بالنسبة للشرطة التي لا تظهر أبدًا في الفيلم.

يأتي هذا الحافز المفاجئ بعد أن نعرف مسبقًا أن وقوع بروفيسور لوكاس في حالة الاكتئاب نجم في الأصل عن مقتل صديقه المقرّب في العراق، إضافة إلى جملة اعتراضية عابرة في مجمل تعريفه بنفسه لطالبته وعشيقته اللاحقة جِل، بقضائه ستة أشهر في إقليم دارفور كضرب من ضروب التجربة الإنسانية المغايرة لرجل أبيض، رغم إحاطته المباشرة بهذه المآسي الدموية التي عاصرها، لم يتحرك ضمير لوكاس المضطرب وإحساسه الغامر بانعدام العدالة من حوله إلا من حادثة فساد قضائي بسيطة كهذه، وبمحض الصدفة، ولم تكن لتؤدي إلى توقيع عقوبة الإعدام على أحد بطبيعة الحال، متعاطفًا مع امرأة مجهولة بالنسبة له لم ير وجهها حتى في المشهد.

ضآلة المساحة الكوميدية في الحوار مقارنة بقدرة وودي آلن المعتادة على السخرية، وضعف الحبكة بشكلها غير المقنع، والاستسهال الواضح في تقديم المعالجة السينمائية للقصة، أصابت “الرجل اللا عقلاني” في مقتل باعتبار تلك العناصر هي الأرضية التي تقف عليها سينما وودي آلن، ولم يتبق هنالك إلا جودة الأداء التمثيلي الذي لن يقع فيه التقدير إلا للممثل نفسه، حتى وإن كنا على يقين أن إدارة الممثل هي مهمة تقع على عاتق المخرج بالأساس، وحتى الموسيقى التصويرية التي تميزت أفلامه بأنها نافذة سينمائية على كلاسيكيات موسيقى الجاز -التي يفضلها آلن بوصفه عازف ترومبيت محترف- بدت في هذا الفيلم كسولة باقتصارها على شريط موسيقي واحد ومكرر في معظم مشاهد الفيلم، بغض النظر عن الحالة الشعورية للشخصيات، متوترة كانت أم مرحة.

هذه الضربة غير الموفقة تعطي انطباعًا بأن وودي آلن إنما كتب هذا الفيلم وقدمه بحكم الواجب، حتى لا يمر العام دون أن يقدم فيلمًا لدور العرض، مع العلم أنه ومنذ العام 1971 لم تمر سوى ثلاثة سنوات لم ينتج فيها آلن فيلمًا، آخرها كان العام 1981، فيما كان يخرج في بعض السنوات فيلمين أو ثلاثة، ما يجعل في رصيده الآن 55 شريطًا سينمائيًا كتب معظمها بنفسه، كان “الرجل اللا عقلاني” واحدًا من أسوأها، كضحية لانحياز المخرج إلى كفة الكم في مقابل الكيف.

تاريخٌ موجز لرجلٍ شبه أعمى

إلى عمر المختار في معركته الأخيرة

-١٤٠٩ –
في الثالثة
رافقَ أُمه إلى سوقٍ في نجد
يُسمونها الرياض، لولا أنها بلا شجر

عند محلٍّ للملابس الداخلية
وقفتْ نساءٌ بعباياتهن السود
يستعرضنَ حمالاتِ صدرٍ فارغة
وسروايلَ مُلوّنةً كخطايا
وأمامَ أول واجهةٍ تَضمُ كُرات
وبلادَ عجائب
ضاعَ
بين طائراتٍ لا تطير

صرخَ لساعتين في السوق
مُتفحصاً العباياتِ المارّة
هذه العتمةُ التامةُ لأجسادٍ مُوصدة
نبذْنَه نَاهِراتْ: “أنا مُو أمك!”
كُل النساءِ احتمالاتٌ حينها
كُل النساءِ لم يكنَّ أُمه.

-١٤١٢ –
عندما بلغَ سِنَّ السادسة
ذهبَ إلى الصفِّ الأول
لم يجد مقعداً شاغراً أمامَ السبورة
ما جَعله يكتبُ الحروفَ من الألفِ إلى العين.
في حصةِ الحِساب،
وفوقَ شَظايا نظّارته الثالثة
شاهدَ الأولادَ يَبتعدونَ بِالكرة
دون أن يُميّزهم

في حِصةِ الرياضة
تعلّمَ أنْ يَرسم شَجرةَ السِّدرِ مِن داخلِ السور
لأنّه كلما وقف في صف اختيارِ الفريقين
كان يظل الأخير،
وفي حصة الفنون
كان ينسخُ مِن ذاكرته
صورةَ ملعبٍ مَليء بأولادٍ سُعداء
يرتدون النظّارات

-١٤١٦ –
في العاشرِة
لم يخترْهُ مُدرسُ اللغة العربية ضمنَ الكورال
مساءَ اليومِ ذاته كتب نشيدَهُ الأول
عرضه في الصباح التالي على أستاذ ناصر
الذي أوقفَ تلميذاً آخر
ليقرأه أمام الفصل
وهكذا فعل في الحفلِ
دون أن يُشار إلى الشاعر

– 2001-
في الخامسةِ عشرة
لم يرافقه أحدٌ إلى مدرسته الجديدة
سوى أربعينَ مؤخرة عبر بينها داخل الأوتوبيس
كان الطريقُ مِن سَراي القُبة سُؤالاً في الفيزياء
وأمامَ كاتدرائيةِ العذراء مريم
وقفَ كمنْ مَسّهُ البرق

رأى انتفاخاتٍ وتنانير
وكائناتٍ عجيبة بشعرٍ مُسترسل
تشاركُ الأولاد اللعب
قبل أن يُغلِّفهم عمرو خالد
وعندما حَيّتهُ صفية
وهي تضعُ طِلاءً للأظافر تحت الشجرة
ابتلعَهُ المقعد

-5-
في العشرين مِنْ عُمره
اضطرتْ أن تأخذَهُ إلى شارعِ النيل مَشياً
عبرا الجسر من بَحري إلى مَغيبِ الشمس
وعلى سلمٍ يُفضي إلى رصيفٍ مُعتم
قَبّلتْهُ
فاصطدمتْ نظّارتان

– 2010-
في الخامسةِ والعشرين
كانتِ النساءُ مَنْ يصطَدنْه
وعلى اختلافهنَّ
يَصرنَ سَواءً أمامه
ما إن يقتلعَ عينيه

كان ينتظرُ رائحةً بعينها
لا تتوهُ عنه في العتمة
ولا بين العباءات

ربما وجدها
لو أنه بحث

-7-
في المقهى
حيث تُبددُ الوحدةُ مع سحابِ التبغ
يجلسُ مع رفاقٍ أُصيبوا بِصممٍ اختياريّ
عاجزاً عن إكمالِ قصةٍ واحدة
يحاولُ التقاطَ نِهاياتِ الجُمَل
فيُقذفُ بالعبارةِ باتجاه المرمى

كأعمى وسطَ الملعب
يسمعُ الأطيافَ، ويذوي
لا يفتحُ فمهُ إلا للشاي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة للشاعر أثناء فحص نظره في عيادة طبيب العيون والشاعر السوري عبدالوهاب عزاوي بدمشق عام 2007

البقاء في الخرطوم

ملاحظتان موسيقيتان:
[١] يُنصح عند قراءة هذه القصائد بالاستماع لمقدمة متتاليات التشيلو رقم [١] لـ يوهان باخ (Cello Suite No.1, Prelude) لا لشيء إلا لأنها كانت الخلفية الموسيقية للشاعر أثناء إنجاز هذه القصائد.
[٢] ثمة إشارة للمغني مصطفى سيد أحمد في القصيدة السابعة التي تحمل عنوان المجموعة. تحديداً إلى هذا المقطع من أغنيته : “والله نحن مع الطيور الما بتعرف ليها خرطة ولا في إيدها جواز سفر” وقد تمت الإشارة إليه في ملاحظة أولية لأن استخدام الهوامش في الشعر أمر غير محبب للشاعر.

 عن الليل

شفرة:
رأيتُ في ما يرى التائهُ النار
غيمةً لا يلامسها الصدى غير باغٍ
دانتْ، فلما ملأتني بالودِّ
أعادتني روحاً فُقدتْ في الصبا
نادتْ ليَ الأقمار وأطفأتني الآن

النص:
سأُشرع صدري للهائمين في الضواحي قبل أن يلتهمهم
فأنا فريسة ظلاله القصوى
أيضاً،
سآتي بدرويشٍ دفعتْه إلى هاوية الخبل طعنة مرود في القلب
عينان يكحلّهما الغيب تحدقّان به دوماً
بكل شيء
باللا شيء
بي
وهو يهذي، يصيحُ داخل أحشائي من الفقد
والهائمون بجوفي يرقصون حوله
يملأونني ونساً
لئلا أكون جرماً تائهاً في المجرة
تعوزه الصحبة
يصفدونني بما يستحقّ الحجامة
بدمٍ ينفجرُ على الجدران اسماً بعينه
لغته لا تُقرأ
لا ينطق بها إلا الدراويش:

حسابُ ما لا يُحصى

أولى،
فرادةً جمعتْ رغداً في المثنى
اثنتان كقوسي وجنةٍ تحيط الابتسام
ثلاثةٌ في الاستحالة
أربعةٌ للفصول
خمسةُ المصافحة
ستةٌ، كصحبةِ سبعةٍ وقع أحدهم في الحب
سبعةٌ من خيط صباحٍ مَرّ في منشور زجاج
ثمانيةُ يدينٍ تعزفان على ساكسفون
تسعةٌ يقبضن على إبهامٍ طعنته وردة
عشرةٌ عندما ضمّدتْه بقبلة، فحضنتُها
التي وهبت من الغمر ما يُنسي الحساب
فما عَددتُ من بعدها
ولا وردتُ في إحصاء.

7

يبدلون الوردية عند منتصف الليل،
سبعةُ حمقى يترددون إلى غرفتي كل صباح
واحداً تلو الآخر
لا يجتمعون أبداً
إلا على فعل الأشياء نفسها على حدة
سبعةٌ. لا يكلون لا يملون عن ضجري
من كل شيء
عاجزين عن تذكير النسيان بي
بينما أجهل التخلص
ذات أحدهم، تحديداً ذلك الهادئ الذي يأتي أخيراً
سأتركه في الغرفة
وأقفز من شرفةٍ في الطابق السابع
صوب الشارع الفارغ من المارّة
لأستمتع بالعطلة.

Visa

كلما استيقظتُ وجدتُ نفسي.
لولا أن بيني وبين الحسامِ الذي كنته ستةُ آلاف ميلٍ
ونيّف
ساقي مغلولةٌ إلى سأم الأطلس
وجواز سفري مختومٌ بالجينوم الأول،
نحن الذين دفنا أحلامنا في المطارات، ورحلنا عائدين
إلى وطنٍ من حنين
يلطخُ المدن الجديدة بالمفارقة
بألا ينتظرك أحدٌ في المساء
إلا وراء شاشة..
ما الهشاشة ؟ إلا أن أكون غيري.

مقطعان آخران عن الليل

-١-
أأقتلع الليل من خصيتيه
كي لا ينجب لي قمراً آخر؟
وأترك هذا الأخير الليلة فقط
معلقاً على السهاد
يُضيء وحدتي القارسة
وما تبقى

-٢-
ما الجدوى من انتظار نهارٍ آخر
كالذي مضى
فما من “صباح الخير”؟!

سورة نيويورك

يودُّ صدري لو يتشقق
أن يفرَّ من قفصه ندمٌ ذَئوب
يصعد إلى تلال مقمرة
ويعوي
بلا جدوى (١)

جثةُ كلبٍ على قارعة الطريق
هكذا استلقيتُ الأرق
احتضاراً لا ينفد
بالإنصات إلى دويّ الكون في سكون العتمة
بالوعي التام لكل نبضات الجهاز العصبي، وأنا أُعتصر منّي
قبل أن أُمسح بنوافذ السيارات في شارع النيل
ممتصاً النهر كله
متسعاً لكل عيون الغسّالين، إذا بكوا
إذا..
دون أن تتاح لي الإصابة بالغدد الدمعية
أن يكون للخرق البالية ترف الحزن (٢)

سأتوجه إليها قبل أن تصل
على متن رحلةٍ تحمل الرقم نفسه
صباح الحادي عشر من الشؤم،
قبل ثلاثة عشر عاماً من الآن. سأستقبلها
أرتطمُ بالبرج الشمالي أولاً
كي أصير نيويورك
وإن تفتتُّ رماداً (٣)

قولي لو كان البحر مداداً لصرخات وجعي، لنفد البحر… (٤)

تنصهر ذاكرتي شيئاً فشيئا
يُثقل لساني من هول الليل
والأرواح المتساقطة مع ذبول الشهب
كلها الآن تلدغني
تستدعيني للهرب
والأبجديات تتضاءل إلى الهمزة المفتوحة
فتنكمش اللغات في رأسي إلى التأوه التام
أصرخ
يصيبني الصدى بالصمم
ألقي بنفسي إلى هاوية
أسقط إلى الأبد
ولا أرتطم (٥)

البقاء في الخرطوم

الفجوة التي حفرتني وصلتِ الآن إلى دنفر
صار يتنقل من مدينة بعيدة إلى أخرى،
هذا العطشُ القاتل إلى ملء بيانات تأشيرة الدخول باسم [محذوف]

النوارس تحلقُ على الشاطئ في كناية مبتذلة – لا أود استخدامها في القصيدة
لذا، سأستبدلها بالصقور الحائمة التي لا تبارح سماء شرفتي
حول سطحٍ تنتصبه القضبان
هيكلُ مبنىً هائل لم يكتمل بناؤه. لطالما حرمني من قرص الشمس الصاعد إلى الأفق
كثيراً ما أردتُ استخدامه في تشبيهٍ لوصف قلبي
لولا أنني أكره إقحام القلب في العاطفة
المهم،
تطير الصقور
تعود
تُحلّق أمامي فاردة أجنحتها بكل صفاقة
بينما أحتسي قهوتي الباردة. ساهماً في الأشجار حول سياج المطار.

لو أن الصقور تأخذ من يومي الشروق، وتمنحني دنفر
لو تأخذ يومي كله
وما تبقى من رزنامات التقويم السنوي التي لم تطبع بعد،
وتملأ فجوتي
أو ينشق صدري عن صقر أكثر حصافة مني لا يحب الخرطوم
لا يعوزهُ الاستماع لـ مصطفى سيد أحمد ليدرك عدم حاجته إلى جواز سفر يحمل شعار صقرٍ آخر
يُحلّق
يأخذني
يحط ليحّدق. حتى دون أن يحط
كل ما أودّه عينان لي هناك. أرى. أطمئن
دون أي تدخل.

كنتُ أرغبُ في وصف وحدتي في أول القصيدة بأنها من القسوة بحيث لم يعد لي ظل، لأنه صار هناك بعيداً يتبع من لا قبل لي باتباعه، وأن الشمس تدخلني كشبح لا وجود له في الفيزياء. كي أعطي انطباعاً مؤثراً عن مدى بؤسي، لكني نسيت.

لستُ قادراً على المواصلة….

قصيدةٌ في وصف العزلة مليئة بالأقمار

تلالٌ هائلة تتراقص في وحوش العتمة
لولا أن سماءً مرقّطةً بلآلئ بيض، تُحدّق
هناك المحيط
كمصابٍ بخللٍ في الشبكية
أرى نسخةً من القمر لا يعوّل على استدارتها للهبوط
والنجوم ترمقني في عزلة العاصفة
ريثما تلتهمني الغيومُ الريح
بغدر من يقف على الحياد
بنظرة أطفال يحيطون نعجة تواجه الجزار وهي تمضغ السأم
يشق احتمالاتي الضئيلة في النجاة البرق:
مصورٌ فوتوغرافي أعظم
يلتقط لي صوراً مؤثرةً من الأعلى تختلط فيها قطرات المطر مع الدموع
دون أن يتدخل

أنا موحشةٌ وأزرق
أقطعُ السهل ركضاً بسيف في الخاصرة
كل شظية تطير من قرى الجبال البعيدة تحت القصف تقتلني
أنا قرية نوبا اختبأتْ بأسرها تحت صخرة
ريثما تمر إمداداتُ الخرطوم من النار
وتحصد الحقول

قمر،

أنا قبيلتان تقتتلان في العتمة
فلما جاءوا ليحصوا أيّ الجثثِ لأيّ
اقتتلتا مجدداً

قمر،

أنا سوريونَ في الخيام
نتجمد من العزلة خلف سياج الحدود
بينما نرى البيوت الدافئة في كوردستان
تحترق

لستُ حتى من الجولان

قمر،

أنا رجلٌ آخر
غير الذي تظنه أمي
لا أُشبه الابن الذي أنجبتْ
لا يشرب من صورته إذا انحنى إلى الجدول
أو يجد نفسه في صور المدرسة
يستجوبه العسس كلما تفحصوا هويته في المعابر
عما لو تسبب في الخسوف الأخير للقمر
عن انهيار معنويات الجنود في السافانا الفقيرة
وأين اختفتْ الرؤوس المبتورة للأهرام

هل قبّلَ بنتاً في عاصفة الرمل؟
أوَلستِ أنتِ الرمل؟!

قمرٌ آخر يبحث عن جملة،

ارتدى البئر الحافي ظمأتي السابعة
كقمرٍ يتفتتُ في غلاف الجو
أسمع قصتي تُتلى بعواء ذئاب
والأغصان العارية تتشبثُ بروحي من العاصفة
لا تنتشلني أي عتمةٍ من جسدي وهو في أحضان نفسه
سبعُ مرايا مشروخةٍ، ليس إلا
كانت في برواز واحد، زمان
أرى شظاياي فيها وأُغمض
من معاول الوقت وهي تحفر ملامح وجهٍ لم يعد وجهي
أختلي بمشاهد الذاكرة في غرفة المونتاج
أُشبه شخصاً آخر غيري
وأختفي في الحشد


رسمة المقال من أعمال الفنان السوداني جلال يوسف

موسِمُ الهِجرةِ إلى الجنوب

هناك..
أثقل الصدأ السلاسل
وأغلفة الرصاص النائم
في الجماجم،
ولا يزال الوقت بِكراً
للمؤامرة.

يرقص القلب داخل ضيقه
ويظل الفرار من الدلاء الفارغة
إلى النهر
حِكراً
للمغامرة.

أشتت بين الجهات التفاتي
أجد في كل الخيارات
وكراً
للمقامرة.

في غابات الهاجس
والعواء
أينما يُنظر للظلمة العليا
لا يُرى القمر الأسير
إلا
خلف قضبان الشجر..

لم تمطر فولاذاً
في الشتاء الأخير،
هناك..
نجت قرية من سرب النسور
في موسم الهجرة
من الشمال…
كل القرى ها هنا حطب
في انتظار أن يصاب جنرال ما
بالشتاء.

هذه القرية فقط
تنتظر احتراقها
ريثما يمر على القطاطي
من ينكش شعرها
فيخرجون إلى أحضان الخنادق
صارخين من البهجة:
“جئتم أخيراً!
كم انتظرنا أن تأتونا بالكهرباء
تخبرنا بأحوال الطقس
وأسعار العملة
والأغنيات،
بقنينتي دواء
لأطفالنا المائة”.
ها هم الآن
بلا أدنى حوجة للعلاج…
شفاؤهم من هذا البلد
هو الموت.

هناك
في القرية التي أوشكت
أن تنجو
من عيون الله
التي لا تنام
ربما ظلت الكنيسة ساكنة
تحت الصليب الكبير
في المذبح
ستجدون جثتي هناك
متجمدةً
من النسيان.