القصة التي أحزنتني عندما انتهيت من كتابتها، ولن تسعدك على الأرجح

“إذا ما بكينا ولا دمّعنا
لا تفتكروا فرحانين”
أغنية الوداع – فيروز

حدثت هذه القصة منذ فترة. لا أستطيع القول متى تحديداً. لم أكتب عنها في حينه لأنني كنت مشغولاً بأحداثها. لقد كنت في قلبها. لم أجد حتى وقتاً لسقاية النباتات في شرفة منزلي حتى ماتت. على الأرجح لم أكن في نفس المدينة، وهذا هو السبب. أرجو أن تسامحني النباتات المسكينة التي ذبلت نتيجة إهمالي، فأنا على ثقة أن النباتات قادرة على الغفران أكثر بكثير من البشر. وعلى أية حال فقد دارت تلك القصة حولي ولم أكن فقط إحدى شخصياتها، ولا يسع المرء القيام بسرد وقائع حدث معين ما لم تنتهِ تماماً. ما لم تتوافر لديه نقطة بداية لكل ما جرى وما انتهت إليه الأمور، معرفة وافية بالأشخاص المتورطين، بالضحايا، مع الأسف، فالكثير من الكتاب يشرعون في الكتابة عن أشياء لا يدركون كنهها. يكتبون أثناء الأحداث – وأحياناً بلا أحداث – قبل حتى أن تنتهي ويستوعبوها بشكل يسترعي الكتابة المدركة لكافة مجريات الأوضاع، وهذا في الأحوال الجيدة، فبعضهم حتى لا يكتب عن شيء محدد. يكتبون لمجرد الكتابة، بحيث لا تجد لما تقرأه موضوعاً محدد المعالم.
على سبيل المثال هناك ذلك الكاتب الذي أعرفه منذ فترة ليست بالقصيرة، فهو من نفس المدينة التي أتت منها أسرتي، بل هو يسكن في نفس البناية، يدعى حسام هلالي، أنت لم تقرأ له شيئاً على الأرجح، نصاً واحداً على الأقل في إحدى المدونات الإلكترونية أو قصيدة قديمة منشورة في جريدة توقفت عن الإصدار وأحيل أرشيفها إلى دار الوثائق القومية، فهو كاتبٌ مغمور، وفوق ذلك مقلٌّ في الكتابة، أو على الأقل في النشر. لغته ليست سيئة أبداً، ولكنه على الجانب الآخر لا يقدم على كتابة ما يبهر، قصصه تفتقر إلى الأحداث والشخصيات اللامعة، ويبدو وفقاً لهذا النقد أن الفقر السردي لكتابته انعكاسٌ لحياته الشخصية المسطحة الخالية من التضاريس، فعندما يحاط الإنسان بحياةٍ مثيرة للملل في مدينة تفتقر للإثارة؛ لما هو جديد، فإن النصوص التي سيكتبها – لو كان ممتلكاً للفراغ الكافي – لن تكون بعيدةً عن ذلك، طالما أن خياله لم يكن جامحاً لدرجة الفنتازيا، لدرجة أن يهرب بعيداً عن واقعه المزري صوب المروج.
هذا ما حدث للمدعو هلالي. فقد عاش حياة مستقرة وإن كان كثير السفر، فأنا لم يسبق لي أن التقيت به وجهاً لوجه من قبل، وإن كان يسكن في نفس بنايتي، بل في نفس الطابق. لا تمضي ستة أشهر إلا ويكون قد سافر إلى بلد ما، وهو ما يحدث لي أيضاً. التعاقب كما يقولون، أن تصل إلى المكان في الوقت الذي يكون فيه الشخص الآخر قد ذهب إلى النقطة التي انطلقت منها في رحلتك، ورغم أنه كثير الترحال إلا أن ذلك لم يجعله من كتاب أدب الرحلات، فنادراً ما يكتب عن سفراته، عما يدفعه للسفر أصلاً، والجهة التي تموّل تذاكر سفره وتمنحه الدعوات والتأشيرات، فلو خوّل للمرء أن يمسك بجواز سفره فسيكتشف – فوق أنه يحمل اسماً آخر – أن كل صفحاته ممتلئة بكاملها بالتأشيرات والأختام: دخول، خروج، إقامة. إضافة إلى ملاحظات موظفي الأسواق الحرة، الذين يدونون بخط أزرق سيئ عدد زجاجات الخمر التي يشتريها، على جواز سفره، في ما يشبه التشهير. لكن حسام لا يكتب قط عن ذلك، ربما يفعل الآن لكنني لم يسبق لي أن قرأت له شيئاً كهذا.
ما كان يثيرني فيه أكثر من كتابته، هو أبعاد شخصيته وتنوع أنشطته، فقد درس تخصصاً علمياً نادراً يستلزم قدراً من الذكاء لا يبدو أنه قد اكتسبه، مجال ما، له علاقة بالوراثة والحمض النووي وتلك الأشياء التي يصعب فهمها أو معرفة ما يمكن صنعه بها، لكنه لم يسبق له أن أنجز بحثاً علمياً بعد حصوله على البكالوريوس، متنقلاً وسط مهن ووظائف مختلفة من قبل أن يتخرج في الجامعة، استثمر في بعضها قدرته على الكتابة، ليعمل في الصحافة، لكنه لم يكن دؤوباً بما يكفي لكي يكتب يومياً عما يحدث في العالم، كان يفضل القراءة والتعليقات المقتضبة، فهو لا يحسن الكتابة عن الواقع الفعلي بشكل مستفيض أو متسلسل، لما يستلزمه ذلك من المواكبة والمتابعة الدائمة وتجاهل الأدب، الأمر الذي جعله يتجه أحياناً إلى المسرح، وهو ما تفوق فيه على غيره من المجالات التي تنقل بينها، لا لشيء إلا لأنه أحبه بإخلاص، رغم أنه أيضاً لم يكن ممثلاً جيداً، ولا مخرجاً حقيقياً، ولا كاتب نصوص مسرحية ذات تأثير، فنصوصه الأدبية غالباً ما ينعدم فيها الحوار لضعف ملكته في كتابة اللغة المحكية. فلم يكن حسام هلالي متخصصاً في شأن بعينه، كان شيئاً من هذا وشيئاً من ذاك، لتكون المحصلة النهائية: لا شيء بعينه.
أما حياته العملية، ككاتب، فلم يكن فيها الكثير، فهو لم ينشر سوى كتابٍ واحد أو اثنين، كلاهما جماعي، أذكر أن الأول كان ما يشبه الأنطولوجيا لبعض الكتاب العرب، كان هلالي من محرريه. ربما كان ذلك هو السبب وراء حشره لبعض نصوصه فيه، فهي لم تحمل ما يثير الاهتمام على أية حال، سوى قصة فائقة القصر لصورة ترمز إلى رجلٍ في لافتة “خروج” يتحول إلى كائن حي ويغادر مكانه في اللافتة متسللاً إلى أحد أروقة العيادات في مغامرة ليلية يقوم في نهايتها بتناول سيجارة من لافتة “ممنوع التدخين” ويدخنها، فقط. هذا كل ما يحدث في القصة ولا شيء أكثر من ذلك. يعجبني خياله، فيه قدر لا بأس به من الجموح لكنه مع الأسف لا يُنتج شيئاً ذا قيمة حقيقية.
لا أريد أن أبدو مجحفاً في رأيي، فأظلم الرجل، فكتابه الثاني الذي كان من تأليفه كاملاً، كان فيه ما يسترعي الانتباه لتجربته البسيطة ككاتب شاب، وإن كان صغير الحجم جداً. كان يبدو ككتيب دعائي أكثر من كونه كتاباً أدبياً. الدليل الإرشادي الذي جاء مع سماعة هاتفي المحمول كان يحوي عدداً من الصفحات يفوق ما في ذلك الكتاب، مما يدفعك إلى الانتهاء من قراءته في جلسة واحدة على المرحاض حتى لو لم تكن مصاباً بالإمساك، وكان الكتاب بدوره يحمل عنواناً طويلاً احتل نصف الكتاب “الذي بعد الهبوط” أو الطيران.. شيء من هذا القبيل. كانت قصته الأساسية التي استلهم منها عنوان الكتيب تدور حول رجل سوداني متزوج عاطل عن العمل يحصل على عقد عمل في السعودية (دون أن يقول ذلك صراحة بل يلمح إليه تلميحاً) الأمر الذي كان قد حدث مع والده من قبل، وإن كان أبوه وقتها أعزب، وتنتهي تلك القصة السخيفة بأن يطلق الرجل زوجته البائسة دون أن يخبرها بذلك، ولكنه يترك لها وثيقة طلاقها على طبلون السيارة ويسافر قبل أن تسقط به الطائرة في البحر الأحمر قبل أن يبلغ هدفه. مما يدفع زوجته إلى الموت هي الأخرى في حادث مروري بعد قراءتها لوثيقة طلاقها، وهو الأمر الأكثر إضحاكاً في القصة التي يفترض أنها تراجيديا، فالكاتب يخبرك أن السيارة التي يفترض أن الزوجة تقودها في شوارع الخرطوم تسقط بها من على جسر بني في زمن الانتداب البريطاني، أو الحكم الإنجليزي-المصري كما يُسمى. لكن أبسط زيارة إلى الخرطوم ومشاهدة جسورها التي بنيت في تلك الحقبة تثبت استحالة حدوث أمر مماثل، فهذا النوع من الجسور الحديدية يحوي أقواساً متشابكة من الصلب بالغة السمك وعلى أحد جانبيها ممر للسكة الحديدية، بما يسمح أن يتسع الجسر ليس فقط للمشاة والسيارات ولكن أيضاً للقطارات، أضف إلى هذه الملاحظة البسيطة الانتفاء التام لأي معالم وصفية تشعرك بالقدرة على رؤية ما يتحدث عنه هلالي في قصص الكتاب، مما يجعل الضبابية سمة غالبة على أوصاف الأمكنة التي تدور فيها أحداث قصصه، كأن كل المدن التي يتحدث عنها من تصور مخيلة ضحلة، أو أنها من تأليف طه حسين.
المعلومة التي أعرفها هي أنه لم يكن قد زار الخرطوم بعد، قبل أن يشرع في كتابته لذلك الكتيب، وعلى أية حال، فإنه ليس بذلك السوء إذا ما وضعنا في الاعتبار تصميمه، فأنت عندما تنظر إلى غلاف الكتاب وهو في الواقع صورة فوتوغرافية معدلة من حفل خطوبة والديّ الكاتب الذي أهداهما إياه، ستلاحظ وجود اسم آخر على الغلاف مكان المؤلف: حسام هلالي.. أحمد فولة. ستعتقد في البداية أن أحمد فولة هو كاتب مشارك في الكتاب، وهو أمر مضحك قياساً إلى حجم الكتاب الذي لا يحتاج إلى كاتبين لإنجازه، لكنك ستتساءل عن السبب الذي يجعل مشاركاً يبدأ اسمه بالهمزة يأتي ثانياً بعد اسم حسام دون أي اعتبار للترتيب الأبجدي، وعندما تقرأ الإهداء المطوّل والخالي من الإبداع للكاتب، ستواجهك على الصفحة المقابلة جملة قصيرة من توقيع فولة: “إلى ضوضاء القواقع البحرية”، أليس هذا فاتناً؟ أن يهدي المؤلف منجزه إلى شيء ساحر، ملهم، حسي وطبيعي وغير مألوف مثل الأصوات التي يتصادى خريرها في ما يشبه مسجلاً طبيعياً لأصوات الشاطئ الذي سقطت على رماله؟ لكنك تتصفح الكتيب الصغير وتكتشف في الصفحة الأخيرة أن فولة هذا لا يعرّف نفسه إلا بسطر واحد حيال السيرة الذاتية البائسة لحسام هلالي، مكتفياً بالكتابة “مصمم غرافيك حر”، وهو حر فعلاً، فأنت عندما تنظر للتصاميم التي لم تكن رسوماتٍ فقط بل لعباً على خطوط النص نفسه وعبثها به؛ ستجد ما يشد انتباهك في النهاية أكثر من قصص هلالي القصيرة، وستكتشف أنه في النهاية ليس أكثر من كاتب يفتقر إلى المخيلة أتيح له أن ينشر نصوصه في عمرٍ مبكر.
كما كتبت سابقاً، إذا كانت نصوص الكاتب مثيرة للملل فإن ذلك انعكاس لحياته البائسة، قد لا تستشعر ذلك إذا ما التقيت بالرجل، فكل من يعرفونه يجمعون على أنه شخص مرح، وإن تزامن ذلك مع مرور أوقات غير مناسبة، كالمآتم مثلاً، أو حتى التظاهرات السياسية التي يشارك فيها عادة بدافع من الفضول وتنتهي بكونه محض رأس في الحشد، لدرجة أنه يفشل حتى في أن يحقق من وراء مشاركاته السياسية الضئيلة أي مجد أو زخم يحقق له صورة الكاتب الملتزم، أو الفنان الناشط سياسياً الذي يكتب من أجل قضية نبيلة ما، فهو لم يسبق له أن شهد ثورة أو انتفاضة شعبية إلا وكانت نتائجها وبالاً على البلد الذي شهدها، والمظاهرة الوحيدة التي سبق له أن أعتقل على إثرها كانت للاتحاد النسائي، وجرى فيها اعتقاله مع 46 امرأة تظاهرن أمام محكمة سودانية حكمت بالسجن على صحفية لارتدائها البنطلون، وعندما كتب اسمه بين المحتجزين (لم يدم ذلك الاحتجاز سوى ساعات قليلة) كتب بشكل خاطئ فبدا للإعلام رجلاً آخر غيره.
إلا أنه لو كان ثمة شيء يمكن أن يلتصق بالصورة التي يحفظها المرء عن حسام هلالي، فهي ضحكته، كرهتها أم أحببتها، فإنها أكثر ما يميزه، فهو لا يمتلك من أسباب الوسامة أو سمات الرجولة الشيء المثير، ولو أنك التقيته خارج السودان فإنك ستحسبه هندياً على الأغلب، وهذا ليس من قبيل الذم، فللهنود قدر من الجمال يميزهم عن سائر البشر، إلا أن هلالي يفتقر إلى أي منه، إلا شعراً أشعث إضافةً إلى نظارة لا يرى بدونها سوى الأضواء. لكنه على ما يميزه من المرح، والقدرة الدائمة على الضحك وإضحاك الآخرين من حوله، يحمل في داخله حزناً دفيناً، وكآبة لا تدرك، هي ما يدفع المهرجين دائماً إلى أن يكونوا بهذا القدر من السخرية كي يخفوا تعاستهم؛ تعاسة صادرة عن فشل، الفشل في تحقيق الذات، الفشل في الحصول على عمل جيد، في النجاح، أو حتى في الحب، وهلالي على الأرجح فاشل في كل ما سبق، خصوصاً في الأخيرة، فهو لم يسبق له أن ارتبط بفتاة أحبها لأكثر من عام سوى علاقة قديمة انتهت وهو لا يزال بتولاً، ومنذ ذلك الحين وهو لا يعجب ولا يثير الإعجاب إلا لماماً ودون طائل، ولم يقع في الحب بشكل حقيقي سوى بواحدة أو اثنتين، عندما دفعته الأولى للانزلاق بعيداً – وهذا مجرد تشبيه – أسقطته الثانية من على شرفتها ليصاب بكسور حادة وهو لا يزال في الجبس.
لهذا، وبالقدر الذي تبدو فيه كتابته ضئيلة مقارنة بضحكه الصاخب، عليك أن تتذكر أن حسام هلالي رجل منكسر لدرجة يفشل فيها، في التعبير عن هزائمه، فحتى عندما يقف على شرفة منزله، بدون جبس التشبيه ذاك، وصادف أن مررت به وحيداً يتأمل الشارع الجاري من تحته. ستلاحظ أنه لم يفرغ الأصص من الأغصان الذابلة التي نسي سقايتها، لأنه في جملة الأحداث والوقائع التي يعيشها في حياته المليئة بالخيبات لن يجد صفاء الذهن الكافي للإتيان بشيء بسيط كذاك، فضلاً عن الكتابة، وإذا ما حدث وناديته وأنت تمر بالشارع، فهو لن يتوانى عن التلويح لك مبتسماً دون حتى أن يعرف من تكون، لا لشيء سوى لرغبته في ألا يشاركك إحساسه بخيبة الأمل.

قبل أن أنام

قرص طعمية بخمسة وعشرين قرشاً من الشبراوي كان كفيلاً بأن يردي المصطفى رامز قتيلاً، الشاب البغدادي الذي ترك مع عائلته حي الأعظمية بعاصمة المنصور المحاصرة بالدبابات الأمريكية لاجئاً لقاهرة المعز. ظل الوضع قابلاً للتعايش في العراق باعتقاده، إلى أن قتل الرجل الذي يسبقه في صف الانتظار أمام فرن “الصمون الحجري” برصاصة طائشة. كانت ملامح المصطفى شرق أوسطية بشكل لا يُلمّح لانتمائه لبلد بعينه، مما سهل اندماجه وسط المصريين لدرجة جعلتْ بروفيسور مختار، أستاذ الطب الجزيئي – وعميد كليته لاحقاً – يشعر بالأمان وهو يصف العراقيين في إحدى محاضراته بالمغول – لم يكن مدركاً للمفارقة وهو يصف الضحية بالجاني – في معرض شكواه من جنود الجيش العراقي الذين صادروا خلال غزوهم أجهزة معمله ونتائج أبحاثه بجامعة الكويت، مما أتاح الفرصة لفريق بحثي في جامعة أمريكية التوصل إلى النتائج التي كان على وشك الوصول إليها في بحث يتعلق بسرطان الثدي، لولا أن دبابات صدام حسين كانت أسرع من أجهزته المعملية المصادرة. بقي المصطفى على جلسته، لم تبدُ على ملامحه أي علامات للغضب وهو يشعر بالإهانة، على العكس، كان بارداً وهو يعنف واحداً من أكثر الأساتذة عصبيةً واعتزازاً بالنفس في الجامعة، بجملة قصيرة، جعلتْ بروفيسور مختار يقف محتاراً أمام هذا الطالب الذي يدافع بكبرياء عن شعب من البرابرة، قبل أن يدركه أحد الطلبة – ويدعى بولا – بالإشارة إلى أن المصطفى عراقي، فيتحول البرابرة إلى متحضرين بين جملتين، ويشاركون الفراعنة في صناعة الحضارة من بين نهريهم، ويتغير غضب البروفيسور إلى تسامح غريب واعتذار خجول، رافق معاملة البروفيسور لهذا العراقي الهادئ حتى تخرجه بسلام دون أن يقتل أحداً أو يفجر معملاً.

أجاد المصطفى اللهجة المصرية من التلفزيون قبل أن يعرف أن القاهرة ستكون مستقراً له ذات يوم. على الرغم من ذلك، لم يفهم المصطفى مطلقاً عندما شاهد مسرحية “المتزوجون” على تلفزيون الشباب أيام المدرسة، المغزى من جملة شيرين وهي تشكو من فقر سمير غانم وتناوله لنفس الطعام يومياً بقولها : “ما الطعمية من الفول، والفول من الطعمية”. ذلك الفارق الجوهري بين الفلافل المعدة من الحمص، والنسخة المصرية منها المصنوعة من الفول كان غائباً عنه بشكل متآمر.  لم يكن “فالح أبو العنبة” وقتها قد افتتح مطعم الفلافل العراقية بمدينة السادس من أكتوبر بعد، وكان الوقت لا يزال مبكراً للهرج والمرج الذي سيسبق امتلاء المدينة بالمطاعم السورية بعد أن تصل عدوى الجنون لحزب البعث الآخر. يومها طلب المصطفى مع سندوتش الشاورما الفراخ أربعة أقراص من الطعمية المقلية للتو، لينقل قبل الانتهاء من تناولها إلى المستشفى الجامعي. حرمه مرضه من تناول الوجبة الأكثر شعبية في وادي النيل: الفول، الذي تخفى له في أقراص مميتة بشكل فاتح للشهية. تعجز خلايا الدم الحمراء لدى المصطفى عن إنتاج إنزيم سداسي فوسفات الجلوكوز النازع للهيدروجين مما يجعل عمر هذه الخلايا بالغة الحيوية يقصر عن عمرها لدى الإنسان العادي، الإنسان الذي يموت بالرصاص. جرعة بسيطة من الفول قادرة على جعل خلاياه الحمراء تتأكسد وتتكسر ليصاب بفقر دم حاد قد يؤدي إلى موته بعيداً عن صخب بغداد وعنفها. “أنيميا الفول” هكذا يشخصون مرض المصطفى. مرض وراثي غريب لطالما سحرني منذ أن ذهبتُ لزيارته في المستشفى، وتبرع هو كطالب أحياء مطلع بشرح مفصّل لكيفية تفاعله وهو مستلقٍ على الفراش الأبيض. تمنيتُ الآن لو أنني مصاب به، وأنا أقف في الحمام متردداً أمام انعكاس صورتي وبيننا عبوة ممتلئة بحبوب منومة،  ظللتُ أفكر لدقائق طوال – قبل أن أبتلع الحبوب دفعة وراء الأخرى – في تلك السخرية التي كان سيشكلها موتي لو كنت المصطفى رامز، رجلاً ينتحر بتناوله أربع قطع شهية من الطعمية لم تكلفه سوى جنيه واحد مـ..ن … مـ.. طـ.. عم الشـ… برا…….