مغامرة الحياة العادية في العراق بين السيطرات

قبل عام بالضبط. تكللت رغبتي المتواصلة لأكثر من ستة أعوام في الحصول على دعوة رسمية لزيارة العراق. البلد الذي طالما أحببته ورغبت في رؤيته رغم وضعه الأمني غير المستقر. كان الأمر أشبه بهدية تلت عيد ميلادي وبلوغي سن الثلاثين، ورغم أن السفر للعراق متاح خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي شبه الكلي إلا أنني ظللت مصراً أن تكون زيارتي في سياق رسمي يسهل تواجدي كضيف على البلد لا تحوم حوله شبهات أمنية.
لكن الدعوة الموجهة إلي بحد ذاتها كانت تحوي قدراً كبيراً من الإشكالية، فرغم أنها وجهت إليّ كشاعر لحضور مهرجان «هنا العراق» الشعري، إلا أنها جاءت من أكثر الهيئات العراقية إثارة للجدل في الشرق الأوسط: هيئة الحشد الشعبي. قبولي للدعوة جاء بصيغة براغماتية بحتة، لفعالية أدبية.
كان الوضع الأمني للبلد أمراً لا يمكن إغفاله، فلا يمر شهر دون أن تشهد إحدى مدن العراق تفجيراً انتحارياً أو هجوماً بسيارة مفخخة يستهدف المدنيين حتى خارج مناطق الحرب في شمال البلاد، ورغم الطمأنينة التي قد يمنحها التجول في المدينة ضمن رتل من السيارات المصفحة والمدججة بالسلاح وجنود القوات الأمنية، إلا أنها طمأنينة زائفة بوصف هذه التحركات لافتة للانتباه كأهداف متحركة للإرهابيين. إلا أن الميزة الإيجابية للتنقل ضمن رتل أمني لا يمكن نكرانها والمتمثلة في سهولة الحركة في مدينة مدججة بالسلاح ومزروعة في كامل شوارعها الرئيسية بالأسوار الاسمنتية والحواجز الأمنية التي يطلق عليها العراقيون تسمية: السيطرات.
تشكل السيطرة الركن الأساسي لنظام الحماية الأمنية داخل المدن والطرق السريعة الواصلة بينها على حدٍ سواء، ورغم ما تمثله من عنصر حافظ للأمن إلا أنها تشكل عبئاً مضاعفاً كونها أهدافاً بحد ذاتها. إضافة إلى الزحام المروري الذي يسببه توقف طوابير السيارات قبل العبور منها. المركبات التي تتحول بسهولة إلى أسلحة تستهدف المدنيين والعسكريين بشكل عشوائي مثير للرعب.
ما ينجح فيه الإرهاب ليس فقط قدرته على إيقاع أضرار جسيمة على الأرواح والممتلكات ولكن بشكل أكبر إضرار حالة السلم الأهلي وتدمير الثقة بين المواطنين بعضهم البعض، وتغيير خارطة المدينة ومعالمها، حيث لا يمكن للسائح – إذا كانت هنالك صفة مشابهة في العراق – أن يزور أبرز معالم المدينة الفنية، كنصب الشهيد، القبة الفارسية الزرقاء المقسومة إلى شقين والعمل الأبرز للنحات العراقي إسماعيل الترك لوقوعه في المنطقة المحاذية لوزارة الداخلية التي يمنع عبور المشاة منها، وعندما قررت زيارة نصب الحرية تحفة الفنان العراقي جواد سليم الواقعة في ساحة التحرير صادف ذلك تجمهر مئات من أنصار المرجع الشيعي مقتدى الصدر في تظاهرة سلمية لم أستطع أن أمنع عن ذهني مدى المشابهة بينها وبين اعتصامات ميدان التحرير الذي يحمل نفس الاسم والدلالة في القاهرة، بل إنني عدت إلى أجواء مشابهة لتلك التي تلت ثورة 2011 عندما قام المعتصمون بالساحة بوضع حواجز تفتيش متتالية من المدنيين لتفتيش كل من يعبر بالساحة المحاطة بالقوات الأمنية وهو ما درج بتسميته في مصر باللجان الشعبية في صورة مثيرة للنوستالجيا.
لم أستطع مقاومة خوض مغامرة الحياة العادية للعراقيين. كنت أنتظر انتهاء فعاليات المهرجان للعودة إلى الفندق الذي أقيم فيه بحي الكرادة في بغداد المفعم بالحياة وأتوجه للمقاهي والمطاعم التي تعج بالمرتادين. إضافة لرغبتي في اكتشاف حياة الليل في البارات التي أدهشني وجودها في هذه الجمهورية الطائفية المحافظة، إضافة لمحلات بيع الخمور في شارع السعدون إحدى مناطق تكتل مسيحي بغداد، وشعرت بشيء من الانتصار في قدرتي على التجول سيراً على الأقدام لكيلومترات عديدة. لكنها لم تكن بالرحلة الخالية من المتاعب.
أحد تلك المواقف نجم أثناء تسكعي فوق أحد جسور نهر دجلة الواصلة بين ضفتي بغداد: الكرخ والرصافة، فعندما قررت التقاط صورة فوتوغرافية لأحد المباني الحكومية التي كانت تحوي لافتتها خطأً إملائياً فادحاً غير متوقع في مدينة عريقة كبغداد انتبه أحد المارة من المدنيين لما أفعله وسبقني بخطوات متسارعة إلى نهاية الجسر حيث قام بالصياح لافتاً انتباه جنود الأمن في الحاجز الأمني الكامن في مدخل الجسر ونبههم كمواطن غيور على الأمن إلا ما أفعله بوصفي غريباً يلتقط الصور للمنشآت الحكومية. خصوصاً أنها كانت منشأة خارج حصن المنطقة الخضراء المعزولة عن المدنيين والتي تحتوي كل المباني الحكومية الرئيسية كمقر رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية والبرلمان إضافة إلى السفارات الأجنبية، الأمر الذي انتهى بإيقافي من قبل رجال الأمن الذين كانوا في وضع يسمح لهم باعتقالي وتفتيشي لولا وضعي المتميز، فما أن قمت بإخراج جواز سفري كما طُلب مني حتى قمت بجاهزية فورية بفتح الصفحة التي تحوي تأشيرة دخولي للعراق التي كانت تحوي في خانة مقدم الدعوة : هيئة الحشد الشعبي، ليتم التعامل معي فوراً باحترام بالغ بوصفي ضيفاً عزيزاً لا يمكن الشك فيه، فيضطر المواطن الذي وشى بي للاعتذار.
إلا أن هذا الوضع الخاص الذي كنت متمتعاً به خلال زيارتي لكل مدن العراق العربية، بغداد وتكريت وكربلاء سرعان ما تراجع وتحول إلى أزمة عندما قررت السفر إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي، ورغم تجنبي للسفر البري شبه المستحيل إلى الإقليم واستقلالي لرحلة جوية داخلية من مطار بغداد إلى أنني تعرضت للإيقاف من قبل ضباط الأشاوس، الجهاز الأمني الخاص بالإقليم، رغم أن تأشيرة دخولي ذات وضع فيدرالي يسمح لي بدخول كل مدن العراق. لكن صدورها من الحشد الشعبي جعلني عرضة للاستجواب عما إذا كنت متطوعاِ في الحشد، بل إن الضابط الذي تولى مهمة استجوابي سألني بشكل صريح لم أتعرض له إلا في الضاحية الجنوبية في بيروت من قبل جنود حزب الله إذا ما كنت شيعياً، وشكلت إجابتي بوصفي سنياً إرباكاً أكبر للضابط الكردي السني الذي جعلني أنتظر في مقاعد الانتظار حتى تم التأكد من سلطات مطار بغداد من صحة تأشيرتي، لأدخل إلى المدينة مدركاً أنني الآن خارج فقاعة الحصانة رغم أنني لا أزال على أراضي جمهورية العراق.
على النقيض كانت أربيل وبقية مناطق كردستان السياحية التي زرتها بيئة تتمتع بقدر كبير من الأمان رغم الواقع الجغرافي المثير للمفارقة بوصفها منطقة متاخمة لمناطق سيطرة «الدولة الإسلامية» والحرب التي تشهدها. الأمر الذي أثار في ذهني حيرة شديدة والعديد من التساؤلات حول حقيقة هذا الوضع السياسي والعسكري المتناقض. يزيد منه واقع احتضان كردستان لعشرات الآلاف من النازحين العرب من مناطق الحرب مع «الدولة» في تغير ديموغرافي غير مقصود عزز من اختلاط المواطنين الأكراد بأشقائهم العرب في بلد يعاني من فوضى من المذاهب والانتماءات العرقية والدينية. استطعت بأعجوبة العودة منه سالماً لا وبل سعيداً بزيارته كمغامرة بالغة الاعتيادية.


نشرت المقالة الأصلية في القدس العربي

“دبي السينمائي يحتفي “بهوامش مصر السينمائية

في الليلة التالية لحفل افتتاح مهرجان دبي السينمائي غيّر علي صبحّي، المهرج وممثل الشارع القادم من حواري عين شمس، صورة حسابه الشخصي على فيسبوك لأخرى بالزي الرسمي، بوصفه بطلًا لفيلم «علي معزة وإبراهيم»، كأي نجم معروف من السائرين حوله على السجادة الحمراء، ولكن مع تعديل بسيط اقتطع فيه رأسه وكتب: «محدش عارفني. كله كان عايز يتصور مع البدلة».

***

لم ينحصر شغفي لحضور فعاليات مهرجان دبي السينمائي فقط في مشاهدة الأفلام القادمة من أنحاء العالم والتي لا يتسنى للمرء حضورها حصريًا في «كان» و«برلين» و«تورونتو»، بل بشكل أساسي للقاء أصدقائي من المخرجين والممثلين والاطلاع على تجاربهم الجديدة، أشخاص كعلي صبحيّ، ممن يكسرون إحساسك بالغربة في مدينة مترفة كدبيّ ويعيدونك بنكتة خليعة إلى قهاوي وسط البلد في القاهرة، بعيدًا عن دبي كسوق دولية مزدهرة خاضعة لمعايير رأس المال المتبدية في كامل نشاطاتها، حتى الفنية منها، لدرجة أن عروض أفلام المهرجان المتاحة للجمهور تستضيفها صالات سينما «فوكس» بمول الإمارات، ما يجعل دبي مقصدًا لعدد هائل من المشتغلين في هذه الصناعة من أبناء المنطقة العربية، حيث يختلط السينمائيون ومشاهدو الأفلام بالمتسوقين في مدينة كوزموبولتانية تفاجئك بقدرتها على استقطاب هذا القدر من النجوم في مكان واحد رغم تاريخها القصير.

الحضور المصري، الذي غالبًا ما يتفوق بعامل العدد والإنتاج الأكبر لم يكن استثناءً، فطوال دوراته الـ١٣ كان المنتجون والمخرجون المصريون يتسابقون لعرض أفلامهم أولًا في مهرجان دبي أو أبوظبي قبل إلغاء الأخير واحتكار دبي للمشهد السينمائي الإماراتي لكن الأزمة التي ألقت بثقلها على جودة النصوص في الأفلام المصرية خلال السنوات الأخيرة، وحتى على مخرجيها الطليعيين، كانت أمرًا باعثًا على الكآبة وخيبة الأمل في واحدة من أعرق صناعات السينما في العالم، وهو ما اختلف بصورة تدعو للتفاؤل في ٢٠١٦. ليس فقط لأن فيلمين مصريين روائيين طويلين حصدا جائزتي «المهر العربي» لأفضل مخرج، محمد حمّاد، وأفضل ممثل، علي صبحي، في تجربتين هما الأوليان لمخرجيهما، بل لأن بعض الأفلام جاء بروح سينمائية مغايرة تماماً للسائد في شاشات العرض المصرية.

سبق الإعلان الرسمي من المهرجان الكثير من الاحتفاء الجانبي، بدءًا من فيلم «مولانا»، المأخوذ عن رواية الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى وأخرجه مجدي محمد علي، وأشارت الدعاية المصاحبة له لكونه يعالج، بصورة مثيرة للجدل، العلاقة دائمة الالتباس في مصر بين المؤسسة الدينية والسلطة، في حقبة سياسية لا تزال تعاني من تبعات وصول الإسلاميين للسلطة بعد الثورة، وذلك عبر شخصية داعية ديني قام بدوره عمرو سعد، يتسلق السلم سريعًا إلى الشهرة.

على الجانب الآخر جاء فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» ليسرى نصر الله الذي خرجت تجربته أخيرًا من هذه الحقبة بفيلم اجتماعي عادي، شارك خارج المسابقة الرسمية للمهرجان مع وجود نصر الله عضوًا في إحدى لجان التحكيم بالمهرجان، وأخيرًا فيلم كاملة أبو ذكري «يوم للستات»، وجمعت بطولته بين عدد كبير من النجوم، من بينهم إلهام شاهين ونيللي كريم وأحمد الفيشاوي جنبًا إلى جنب والده فاروق الفيشاوي مع ظهور محمود حميدة وهالة صدقي، في قصة تدّور حول حمام سباحة في مركز شباب بحي شعبي.

وبعيدًا عن السجادة الحمراء وفساتين النجمات في حفل الافتتاح، فقد جاءت المشاركة المصرية في فئة «الفيلم القصير» بالكثير من الصخب داخل أروقة مدينة جميرا. فباستثناء فيلم «البنانوة» لناجي إسماعيل، كان الفيلمان الآخران لافتين للانتباه، ففي ٢٠ دقيقة يروي «أسبوع ويومين» للمخرجة السودانية مروى زين قصة امرأة وشريك حياتها خلال الأيام التسعة التي يطاردهما فيها شبح الإنجاب. يأتي الفيلم الذي شارك في بطولته عمرو صالح وياسمين رئيس، بعد ثلاث دورات من نيل الأخيرة جائزة «المهر العربي» لأفضل ممثلة عن دورها في «فتاة المصنع» للراحل محمد خان ما جعل غيابها عن هذه الدورة مستغربًا بعد تأكيد الصحافة حضورها من على لسانها.

فيما كان الغياب الأبرز من نصيب فيلم التحريك المنتظر «بائع البطاطا المجهول»، رغم حضور بطله خالد أبو النجا، والذي جرى تنفيذه بتقنية rotoscope وتطرق لجريمة قتل طفل في محيط ميدان التحرير وجهت أصابع الاتهام فيها للمجلس العسكري أثناء فترة إدارته للبلاد. وهو ما رجّح التكهنات حول وجود ضغوط دبلوماسية وسياسية تسببت في منع عرضه في دبي، خصوصًا أنه جاء بعد طرح دليل العروض. ما دفع إدارة المهرجان للإعلان بخجل في بيان خاص بالواقعة أن المنع جاء «لظروف طارئة خارجة عن إرادة الطرفين»، وهو ما قابله أبو النجا بدبلوماسية مشابهة لم يخسر فيها رصيده في المهرجان.

لم يكن الحضور السياسي القوي مقتصرًا على هذه الأشرطة السينمائية وحدها. ففي فئة الفيلم الوثائقي، سجل محمد رشاد حضورًا قويًا ضمن فئة الفيلم الطويل بفيلمه الوثائقي «النسور الصغيرة» الذي سجل عبره شهادة شخصية تتقاطع مع علاقته بوالده ومدينته الإسكندرية، خالقًا شكلًا من أشكال المقارنة بين صراع جيل والده ضد نظام السادات، والصراع السياسي الحالي بين جيل المخرج نفسه وجيل نظام مبارك القائم حاليًا بوجهه الجديد، وطارحًا، في خضم السرد الذاتي، العديد من الإشكالات السياسية التي تحيط بالحراك الثوري في مراحل مصر المختلفة.

أخضر يابس

قادمًا من مهرجان لوكارنو، قدم محمّد حماد تجربته الروائية الثالثة «أخضر يابس» بعد فيلمين روائيين قصيرين، هما «سنترال» و«أحمر باهت».

حمّاد الذي يبدي اهتمامًا أساسيًا في أفلامه بالمرأة المصرية والجوانب الخفية في حياتها استعرض هنا حياة فتاة ثلاثينية عزباء (عانس، حسب التصنيف الشائع)، تصاب بعرض فجائي يتسبب بانقطاع دورتها الشهرية. وفي الفترة الزمنية الفاصلة بين زيارتها الأولى للطبيب والزيارة الثانية بعد ظهور نتيجة التحاليل، يستعرض الفيلم الحياة اليومية لإيمان (هبة علي) في الشقة التي تعيش فيها مع أختها نهى (أسماء فوزي) كيتيمتين.

تدور أجواء الفيلم بدقائقه السبعين في إيقاع بطيء يناسب الحياة الرتيبة لإيمان التي تعمل في محل لبيع الحلويات. استغل حمّاد، بشكل غير مألوف في السينما المصرية، وقوفه الأول وراء الكاميرا لإنجاز فيلم طويل، وذلك لعرض أدق التفاصيل دون الاهتمام بالدراما، ولإيصال حالة الكآبة التي تعيش فيها البطلة في خضم هذه الرتابة، التي تبدت حتى في تنقلات الشخصية داخل القاهرة عبر الترام، وسيلة المواصلات التي انقرضت منذ عامين، ليمثل «أخضر يابس» المادة السينمائية الأخيرة التي وثقت لترام القاهرة.

هذه الحركة البطيئة لإيمان، والأجواء العتيقة لعربات الترام وكمساريه العجوز تلاقت مع ثيمة الصراع بين البوار والخصوبة، ففي الوقت الذي نكتشف فيه فقدان إيمان العزباء لقدرتها على الإنجاب، وبالتوازي مع الخط الدرامي الثاني المتمثل في تقدم عريس لخطبة أختها، تنتقل إيمان بين أعمامها الثلاثة، في سلسلة من التعقيدات الأسرية لاستعارة أب مؤقت لحضور طقوس الخطبة، وهو ما لا يتحقق في نهاية المطاف.

رغم الرتابة المفترضة، استطاع حمّاد بخياراته الفنية المعاصرة تحقيق المعادلة الصعبة، بنقل رتابة الحياة الخالية من الأحداث العظيمة دون إصابة المتفرج المتمرّس بالملل. لكن العامل الأهم الذي أعطى لفوزه بجائزة «أفضل مخرج» بعدًا أعمق هو الإنتاج قليل التكلفة، بل والذاتي من قبل حمّاد وزوجته خلود سعد التي شاركت في الإنتاج كذلك مع مصّور الفيلم محمد شرقاوي. وباستثناء الكاتب أحمد العايدي (الذي قام بدور الطبيب) فلم يكن أي من ممثلي الفيلم من الوجوه المعروفة، بل كانوا جميعًا يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى، وكان الكائن الوحيد الذي استطعتُ التعرف عليه على الشاشة هو كيكي، سلحفاة شقيق المصور الذي صوّر الفيلم في بيته.

هذا المجهود الذاتي لفريق العمل في إنتاج الفيلم صحبه العديد من العقبات، كان أبرزها تعرض فريق العمل للإيقاف من قبل الأجهزة الأمنية لما يزيد عن ثلاث مرات، خصوصًا أن التصوير الخارجي حول قضبان الترام كان بين منشية البكري ومحطة كلية التربية، أي في المنطقة الفاصلة بين القصر الجمهوري ووزارة الدفاع. كللتْ جائزة «المُهر العربي» هذا المجهود المضني، فيما يشبه الرسالة الضمنية للأفلام ذات الإنتاج العالي والتمويل المتعدد في المسابقة، بأن الفيلم الجيد ليس هو بالضرورة الفيلم الأكثر تكلفة.

علي معزة وإبراهيم

الفيلم المصري الآخر الذي أحيط عرضه بالكثير من الدلالات هو «علي معزة وإبراهيم»، والذي كان أيضًا الفيلم الطويل الأول لمخرجه شريف البنداري، بعد أربع تجارب أخرى كان آخرها «حار جاف صيفًا» والذي أرسى بشكل واضح صوت البنداري في السينما التي تمزج بين الواقعية الكئيبة والفانتازيا ذات الطابع الكوميدي. الفيلم قصة إبراهيم البطوط، وكان سبق وأن عرضها قبل خمسة أعوام على السيناريست والمخرج أحمد عامر، قبل أن يتخلى عنها الأخير للبنداري والمنتج النشط محمد حفظي.

يجمع الفيلم في طابعه بين واقعية الحال المأساوي لمصر ما بعد الثورة وحالة الإحباط الجمعي، والسخرية المرّة التي يجابه بها المصريون حياتهم، كضرب من المقاومة. ليحكي قصة شابين من نفس الحارة، علي الذي يصاب بحالة صدمة نفسية إثر حادثة أودت بحياة خطيبته، ليقع في غرام عنزة صغيرة يجدها في مكان الحادث ويعاملها بوصفها خطيبته المتوفية، ما يضعه بالضرورة موضع السخرية في مجتمعه وسخط والدته الدائم من جنونه، التي تحاول عرضه على أحد المعالجين الروحانيين، فيلتقي هناك بإبراهيم، مهندس الصوت النابغة الذي يعاني مرضًا عصبيًا يهدد مهنته في استديو موسيقى المهرجانات، حيث يستمع لأصوات صاخبة وهو بمفرده، المرض الذي دفع جده العواد لإصابة نفسه بالصمم للتخلص من هذه الأصوات القاتلة. وفي محاولتهما اليائسة وغير الجادة للعلاج يتبع علي وإبراهيم نصيحة المعالج الروحاني، ويسافران لإغراق ثلاث حصوات في المسطحات المائية الرئيسية في مصر (النيل، البحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط) ويقومان بجولة بلهاء بين سيناء والإسكندرية والقاهرة. توقعهما في الكثير من المواقف المضحكة، مع اصطحاب عليّ لخطيبته «المعزة هدى»، لكن الجولة في الوقت نفسه هي ما تخلق صداقتهما. وهذا في فيلم قدّم كوميديا عفوية دون الوقوع في فخ الابتذال، الذي يعاني منه شباك التذاكر لسنوات طوال في أفلام المواسم.

الفيلم الذي شارك في بطولته بتميّز أحمد مجدي، في دور إبراهيم بعد مشاركة ثانوية في فيلم والده «مولانا» – كان بصورة أساسية الانطلاقة الذهبية لعليّ صبحي في الشاشة الكبيرة، وأهّله لنيل جائزة أفضل ممثل مخالفًا التوقعات، فكل من يعرف علي صبحي يدرك أنه لم يكن متكلفًا في أدائه، بل كان بشكل ما يلعب شخصيته هو نفسه، بملامحه الكادحة ولغته الشعبية كممثل شارع في فرقة «قوطة حمرا». ما ذكر أغلب مهنّئيه باعتقاله المرير من قبل الشرطة العسكرية في محيط ميدان التحرير في شهر مارس ٢٠١١ بوصفه بلطجيًا، وبتعرضه للتعذيب داخل أروقة المتحف المصري. هذا الميراث الثقيل أعطى للجائزة بعدًا تكريميًا أعمق يعترف بممثل قادم من هامش النجومية والأضواء، أشهر وسطاه وسبابته من على صهوة مهره: «لكل المرفوضين من مجتمعاتهم ومن يملك الشجاعة أن يكون مختلفًا»، كما كتب لاحقًا بعد حفل الختام بصورة بروفايل جديدة في فيسبوك كاملة الرأس.

ضمن هذه الأفلام المختارة والتي تتأهب القاهرة لعرضها في ٢٠١٧، سلّط «المهر العربي» الضوء على تجربتين سينمائيتين مغايرتين أتيتا من خارج حسابات السوق واهتمامات المشهد الرسمي المصري. ليكون مهرجان دبي السينمائي، بمركزيته الدولية كنافذة لصناعة السينما في الشرق الأوسط، هو ما يمثل مساحةً للاحتفاء بالفن الهامشي المنجز بأبسط الموارد والأنماط، في مفارقة غير متوقعة قد تنعش السينما المصرية وتتغلب قليلًا على أفولها الفني.


نشرت المقالة الأصلية في مدى مصر

لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (3-3)

الفردانية التي اتسم بها نظام الرئيس عمر البشير في مرحلته المتأخرة لم تقتصر على صناعة القرار السياسي وحدها، وإنما كامل النخبة السياسية السودانية. تلخصت برامج الأحزاب السياسية وقيادتها في رؤسائها. إمام طائفة الأنصار الصادق المهدي -رئيس الوزراء السابق في حقبتين- يسيطر على حزب الأمة، والسيد محمد عثمان الميرغني زعيم الطريقة الختمية يظل متمسكًا بزعامة الحزب الاتحادي الديمقراطي، فيما لم يشكل انتفاء عنصر الطائفية مانعًا من سيطرة الحرس القديم من اللينينيين الاستالينيين على الحزب الشيوعي بعد وفاة سكرتيره التاريخي محمد إبراهيم نقد، وفي النماذج البديلة التي مثلت تهديدًا لهذه النخبة كان المصير مماثلًا.

انتهت الحركة الجمهورية وفلسفتها الطموحة بفصل الدين عن الدولة عبر تقديم نموذج تجديدي للإسلام بإعدام مفكرها محمود محمد طه قبل أسابيع من انتفاضة ١٩٨٥، وفي جنوب البلاد إنهار شعار “السودان الجديد” الموحد العلماني التعددي الذي يتسع لكل ثقافات السودان وقبائله ودياناته بسقوط مروحية العقيد جون قرنق في الأدغال التي لطالما قاد تمرده منها بعد أقل من شهر على نيله منصب نائب الرئيس الذي قاتله حتى قبل وصوله إلى السلطة، وتحولت الحركة الشعبية لتحرير السودان في عهد خلفه سلفاكير ميارديت من حركة تحرر وطني إلى حزب توتاليتاري متفرد بالسلطة تسيطر عليه قبيلة الدينكا وصار جنوب السودان مسخًا مستنسخًا من المستعمر السابق في الشمال.

فقدان حزب المؤتمر الوطني الحاكم لشرعيته والفراغ الذي أصاب خطابه الأيديولوجي مع سقوط “المشروع الحضاري” لم يجعل من النظام لقمة سائغة لمعارضيه، فأولئك تصدعت شرعيتهم هي الأخرى عندما تصدت “القيادات التاريخية” للأجيال الجديدة داخل الأحزاب في مجتمع يتسم بالـAgeism أو التمييز العُمري ضد الشباب.

دفع ذلك العديد من شباب الأحزاب الساخطين إلى تكوين أجسام سياسية توافقية غير أيديولوجية في حركات التغيير الاجتماعي: “التغيير الآن” و”قرفنا” إضافة لمنظمات المجتمع المدني التي فشلت بعد دعواتها للموجات الثورية الموؤودة في إسقاط النظام أو حتى نشر برامجها السياسية على نطاق واسع لتقديم بديل مقنع وخطوات عملية لتطبيقه.

تتردد دائمًا في مناشط المجتمع المدني السوداني كل تلك الشعارات الرائعة: النظام الديمقراطي، حرية الرأي والتعبير، فصل الدين عن الدولة، التعددية، حقوق الإنسان، حقوق المرأة…الخ. دون أن تتغلغل هذه الشعارات بين الطبقات الدنيا لمجتمع يبحث أكثر من نصفه عن لقمة العيش تحت خط الفقر. مع استمرار استهداف المدنيين العزل في دارفور وكردفان والنيل الأزرق من قبل آلة الحرب.

الفوضى عارمة في السودان بشكل مأساوي. تفككت أجهزة الدولة ومؤسساتها فيما احتفظ النظام بقوة قبضته الأمنية وآلته العسكرية وحدها. تكاد الخدمات تنتفي في الأرياف مع رداءتها في العاصمة التي نزح إليها أغلبية السكان. فيما لعب عمر البشير لعبته الخطيرة التي هشمت الثقة بين السودانيين.

تتمثل قدرة أي مجموعة بشرية على إدارة نفسها عندما تتوافق مصالحها وتجتمع لخلق سياسات مشتركة قائمة على عاملي السلم الأهلي والإيمان بضرورة العيش المشترك، وفيما استمرت السياسة السودانية في اللعب على وتر القبيلة. صار من غير المتوقع أن توافق النخبة الحاكمة من قبائل الجعليين والشوايقة والبديرية وغيرهم من المجموعات الناطقة بالعربية القبول بزعيم سياسي من الزغاوة أو النوبا أو الفولاني، فعندما تقسم السرديات الشعبية المجتمع إلى “عبيد” و”أولاد عرب” يصبح من المستحيل الحديث عن التعددية العرقية كمصدر قوة للمجتمع.

لا يمكن للسودانيين أن ينسوا عمليات الغياب الأمني التي صاحبت أعمال العنف من قبل الجنوبيين في الخرطوم والتي تلت اغتيال جون قرنق. كانت مخازن أسلحة الشرطة موصدة أمام الجنود وصار من المنطقي أن السودان لن يتوحد بعد ذلك اليوم عندما خرج الاقتتال بين الجنوبيين والشماليين من ساحات المعركة إلى شوارع الخرطوم.

الأمر نفسه في دارفور التي انهار فيها الوضع الأمني وتحولت كل قبيلة إلى مليشا مسلحة بحد ذاتها. وصار الكرت الرابح لعمر البشير هو “فرق تسد” والرهان على أن الشماليين لن يخرجوا بشكل حقيقي وحاسم ضد البشير خوفًا من سردية سيطرة الغرّابة -القادرين على ذلك ديموغرافيًا- إلى القصر، ولن يتوقع أحد أن يكون انتقال السلطة لشريحة إثنية جديدة سلميًا دون حمام دم.

على الجانب المؤسساتي يقف واقع عسكري يعزز من هذه الفرضية. في الثمانينيات كانت الحشود الخارجة إلى الشارع تواجه فقط جهازي الشرطة والقوات المسلحة. فيما كانت الحركة المتمردة الوحيدة بعيدًا في أدغال الجنوب. لم يعد الواقع كذلك في 2016. هناك ثلاث حركات مسلحة رئيسية في دارفور إضافة إلى عصابات النهب المسلح والجنود القبليين، والحركة الشعبية – قطاع الشمال تسيطر على منطقة حكم ذاتي في ولايتين حدوديتين.

لكن هذا هو العامل الأقل بساطة ففي المحصلة النهائية يمكن الاتفاق مع هذه الحركات المسلحة على هدف إسقاط النظام. إلا أن النظام نفسه لم يعد معتمدًا على قوات نظامية واحدة: القوات المسلحة التي تضم النخبة الحاكمة يصاب ضباطها بالتململ حيال انحسار نفوذها وقلة عتادها في مقابل جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى قوة نظامية لها سلاحها الخاص وصلاحياتها التي تفوق في بعض مناطق العمليات نفوذ الجيش السوداني نفسه.

أضف إلى ذلك المحاولة البائسة من عمر البشير لاستقطاب حلفائه من مليشيات الجنجويد سيئة السمعة، والتي لطالما كانت اليد المنفذة لعمليات التطهير العرقي في دارفور وتحويلها إلى مليشيات نظامية، تحت مسمى قوات الدعم السريع بقيادة أبرز رموز قبيلة الرزيقات محمد حميدتي.

تلك القوات التي ترقى في أفضل الأحوال إلى مرتبة العصابات الإجرامية، وإذا كان انفصال الجنوب ونهاية حقبة الجهاد المقدس قد مثلا نهاية لقوات الدفاع الشعبي -النموذج السوداني للحرس الثوري الإيراني- فإن مقاتليه السابقين من المحتفظين بشعارات الإسلام السياسي إضافة إلى ما تمثله الخرطوم من حاضنة فكرية لمعتنقي السلفية الجهادية يمثلون فزاعة لطالما أثيرت حولها الشائعات بوجود جناح محلي لتنظيم القاعدة، ولاحقًا داعش. في نظام ساهم بشكل أساسي في دعم حركة شباب المجاهدين الصومالية وبوكو حرام في نيجيريا.

اقرأ/ي أيضًا: السودان.. صلوات من أجل اللصوص

فيما يتعلق بمصير الرئيس البشير نفسه يمكن القول إنه في موضع لا يحسد عليه رغم استحواذه التام على السلطة. الانهيار المستمر للاقتصاد وتفشي الفساد يضعنا أمام صورة قاتمة للمستقبل. يوقن عمر البشير ذلك. في لقائه مع صحيفة الواشنطن بوست حكى لي زميلٌ كان يحضره كمترجم أن البشير رد بسخرية في هامش اللقاء على سؤال حول تراجعه عن قرار عدم ترشحه للرئاسة مجددًا في 2015 بالقول: “وهل هذه بلد يرغب أحد في أن يحكمها؟”.

البشير لا يرى أن ما حدث هو نتيجة للسياسات التي مارسها خلال حكمه الطويل، بل عيبًا خلقيًا في تكوين السودان. لكنه بالطبع لا يستطيع تخيل مصير أفضل له خارج مكتبه في القيادة العامة. مع شعبيته المتدنية داخليًا وخارجيًا وعدم ثقة المانحين الخليجيين فيه مع تاريخ طويل من التحالف مع إيران، والأهم تلك المذكرة الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي والتي رغمًا من فشلها مرارًا في إلقاء القبض عليه لمواجهة تهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في دارفور، إلا أنها تظل شبحًا قائمًا ما إن يفقد سلطاته كرئيس للجمهورية. الأمر الذي يمثل دافعًا أكبر لاستمراره في السلطة حتى آخر يوم في حياته.

مع كل هذا التعقيد الجيوسياسي والإرث الاجتماعي الثقيل الذي يضرب في مقتل كل آمال التحوّل السياسي عبر انتقال سلمي للسلطة؛ أشعر دائمًا بالدهشة من الخطاب المتفائل الذي يتمتع به الكثير من المعارضين السياسيين السودانيين في نضالهم المحموم ضد نظام المشير عمر البشير.

قد يتمكن السودانيون في وقت قريب من التخلص من دكتاتورهم، فهو لن يعيش لزمن أكثر مما عاشه، ولكن التركة الكارثية التي ستتبعه لا تدفع أبدًا إلى التفاؤل بل إلى مزيد من الكوارث مع الأسف الشديد.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (2-3)

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية قدم الموسيقار والمسرحي زياد الرحباني عبر إذاعة “صوت الشعب” فقرة في برنامجه الساخر “العقل زينة” نصح فيها الثوريين: “لتعمل ثورة عالنظام لازم أول شي يكون في نظام، أي نظام. إذا عملت ثورة عشي مش موجود كيف بتظبط معك؟”. ما أود طرحه عبر هذا المثال هو السؤال: هل يوجد نظام سياسي في السودان محكم السيطرة من نخبة معينة بالمعنى التقليدي؟ وكيف يبدو؟ فمن السهل القول بأننا معارضون للرئيس عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني، ولكن هل نمتلك القدرة على إزاحتهم، لا وبل إدارة البلاد بعدهم؟

عنون أستاذ الاقتصاد السياسي المصري الراحل سامر سليمان رسالته للدكتوراه بمعهد الدراسات السياسية في باريس بـ”النظام القوي والدولة الضعيفة”. حيث تمحوّرت أطروحته الرامية لتحليل أسباب الأزمة المالية لنظام حسني مبارك حول فشل مشاريع التنمية في عهده الذي استمر لثلاثة عقود عبر عرضه لمظاهر أساسية: زيادة الإنفاق من موازنة الدولة على أجهزة الأمن على حساب القوات المسلحة -التي كانت تمتلك مؤسسات اقتصادية قوية بالفعل- بغية السيطرة السياسية على الداخل بعد أن فقد النظام جزءًا كبيرًا من شرعيته مع استمرار فشله في إدارة الدين العام المتفاقم وعجز الموازنة طوال فترة بقائه الطويلة في السلطة.

وعجز النظام المصري عن شراء الولاءات الاجتماعية كأحد أهم أدوات السيطرة خصوصًا بعد إبعاد مراكز صناعة القرار القديمة لتتمحور الإدارة في شخص الرئيس وحده.

تمحورت أطروحة سامر سليمان في تمييزه بين مفهومي الدولة والنظام. ولخص الصحفي بجريدة الأهرام محمد سعد الفكرة في عرضه للكتاب بقوله: “النظام الذي يشكل المجموعة الحاكمة للدولة التي هي مجموع المؤسسات والروابط الاجتماعية عمل على تقوية نفسه على حساب التنظيم الأعم “الدولة” في كل خطوة لتدعيم حكمه، فكانت كل خطوة في طريق تدعيم النظام هي خطوة في طريق إضعاف الدولة وقدرتها التنظيمية”. ألا ينطبق هذا التحليل بصورة أو بأخرى على الوضع الحالي للسودان؟

تروقني المقارنة في التاريخ السياسي لكلٍ من مصر والسودان لأسباب موضوعية تتعدى التاريخ الاستعماري بينهما، فثمة العديد من السمات المشتركة بينهما رغم الفروق الواضحة بين النظامين: لا توجد حرب أهلية في مصر إضافة إلى تمتعها بوضع أمني ودفاعي مستقر بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وفيما لا تمثل الطائفية دورًا في السياسة المحلية لسيطرة الغالبية المسلمة على الدولة فإن مركزية الإدارة في القطاع الحضري وعراقة الحياة المدنية المصرية جعلت من العشائرية عنصرًا هامشيًا في السياسة المصرية إلا فيما يتعلق بالانتخابات النيابية في مناطق الصعيد وسيناء.

الدولة السودانية مركزية أيضًا لكنها وعلى عكس الوضع في مصر واقعة تحت سيطرة مجموعات عرقية/قبائل محددة، تسكن القطاع الأوسط من حوض النيل ولا تمتلك لغاتها المحلية الخاصة. ما عزز من اشتعال حروب الموارد والهوية في بلد يتمتع رغم قلة تعداده السكاني بتنوع هائل في اللغات والإثنيات، فاستبدلت العنصرية والقبلية بالطائفية دون أن تختفي هذه الأخيرة تمامًا مع تشكيل العروبة والإسلام بوصفهما “الثقافة القائدة -LeitKultur” إذا ما صحت الترجمة عن الألمانية.

المقارنة الأثيرة لدي تعود لانتفاضة ٢٠١١. كان العديد من أصدقائي المصريين -غير المطلعين لما هو أبعد من ضاحية حلوان- يندهشون عندما أرد على سخريتهم المتسائلة عن عدم انضمام السودان للربيع العربي بالقول إن ربيعنا ازدهر وانحسر في الثمانينيات، وكان السيناريو متشابهًا لدرجة تدعو إلى الرثاء: يكرر الرئيس جعفر نميري المناورة البائسة لنظيره المصري أنور السادات بالتقرب إلى الإسلاميين والتحالف معهم، لكنه بدلًا من أن يكتفي بإضافة المادة الثانية إلى الدستور المصري التي تقر بأن الإسلام دين الدولة، يذهب بعيدًا باحتواء الإخوان المسلمين في الاتحاد الاشتراكي -أحد النماذج المصرية المكررة في السودان من تركة الناصرية- ويخاطر نميري بانهيار اتفاق أديس أبابا للسلام عبر تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، منهيًا الحكم الذاتي للجنوب، ومعيدًا بذلك إشعال الحرب الأهلية.

في مصر اغتال الإسلاميون السادات واندلعت “الحرب على الإرهاب”. في السودان اختلف نميري مع الإخوان المسلمين ولكن دون أن يعود عن قرار الحرب في الجنوب. ينهار الاقتصاد وهنا تبدأ المقارنة بين السودان ١٩٨٥ ومصر ٢٠١١:

– تندلع المظاهرات وتضرب النقابات وتتوحد الأحزاب في سبيل إسقاط النظام.
– الجيش يتدخل في السادس من أبريل ١٩٨٦وينقلب المشير سوار الذهب على رئيسه ليدير المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفترة الانتقالية.
– بعد عام يكتسح الإسلاميون الانتخابات النيابية ويشكلون حكومة ائتلاف مع أحزاب اليمين الأخرى ويهمش اليسار الذي قاد الانتفاضة دون أن يجني ثمارها.
– يتردى الوضع السياسي وتفشل الأحزاب في تشكيل حكومة توافقية مستقرة فينقلب الجيش مجددًا على الحكومة المنتخبة.

إلا أن ثمة فارق جوهري في الفقرة الأخيرة يجعل من المقارنة بين انقلاب عمر البشير في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ وانقلاب عبدالفتاح السيسي بعد مظاهرات ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مختلة بدرجة ما، فعلى عكس ما حدث في مصر عندما اصطفت القوى المدنية ورأس المال مع المؤسسة العسكرية ضد جماعة الإخوان المسلمين. كان تنظيم الجبهة الإسلامية القومية -المنشق عن التنظيم الدولي للإخوان- هو من اختار العميد عمر البشير للقيام بما سمي بعد ذلك بـ”ثورة الإنقاذ الوطني”. في مزاوجة نادرة لم تتحقق لا في مصر ولا في الجزائر قبلها بين المؤسسة العسكرية وتنظيم الإسلام السياسي.

الأمر الذي قد يفرز وهمًا بأن الصراع ضد الإسلاميين والعسكر في السودان هو ضد كيّان متحد على عكس الواقع المصري. فقد أدت سياسة التمكين إلى تطهير كامل مؤسسات الدولة من التكنوقراط والبيروقراطيين غير الإسلاميين فيما سمي بالفصل للصالح العام. كان الأمر أقرب لنموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية خصوصًا مع سيطرة عرّاب النظام الشيخ حسن الترابي على صناعة القرار ليصبح المُقابل السوداني للخميني. استمرت الحرب في الجنوب واتخذت طابعًا دينيًا جهاديًا، وأصبحت الخرطوم محطة للتنظيمات الإرهابية الدولية من أسامة بن لادن وحتى كارلوس.

ولكن هل ظل النظام الذي ترأسه البشير عبر انقلابه عام ١٩٨٩ بغطاء أيديولوجي من الجبهة الإسلامية القومية بوصفه ثورة الإنقاذ الوطني هو نفسه النظام الذي يحكمه حزب المؤتمر الوطني الآن بعد انتهاء اتفاقية السلام الشامل باستقلال جنوب السودان؟

قد يكون الرئيس هو نفسه. لكن البلاد شهدت العديد من التحولات خلال فترة حكمه لستة وعشرين عامًا. انقلب خلالها على عرّابه حسن الترابي في ١٩٩٩ ووضعه تحت الإقامة الجبرية. انشقتْ الحركة الإسلامية بين حزب المؤتمر الشعبي المعارض وحزب المؤتمر الوطني الحاكم وتواجد الإسلاميون في السلطة والمعارضة. فيما زاد نفوذ الجنرالات الذين وإن كانوا يرددون نفس الشعارات إلا أن ولاءهم كان للقائد الأعلى للقوات المسلحة لا للشيخ الترابي.

لقد ضُربت شرعية النظام في مقتل رغم احتفاظه بنفس خطابه الأيديولوجي. أخذ مزيج العروبة والإسلام طابعًا محوريًا في أكبر بلد إفريقي، وفي الوقت الذي كانت تخمد فيه الإدارة الأمريكية حرب الجنوب ممهدة لانفصاله اندلع الصراع العرقي في دارفور كناتج لسياسات الحكومة الإقصائية. توقيع اتفاقية السلام كان الرصاصة الأخيرة في جسد الحرب المقدسة وأدبيات الجهاد ضد الخوارج التي لطالما كانت معين النظام للحفاظ على شرعيته، وبعد عدة انشقاقات ومحاولات انقلابية فاشلة وحملات لتصفية النظام من كل مراكز القوى انتهى عصر الأيديولوجيا والحزب والتنظيم وصارت كل مقاليد الأمور في شخص المشير عمر البشير. الفرد الواحد الصمد.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

الزموا بيوتكم: خمسة عوامل جديدة في العصيان المدني السوداني

ثمة فكرة شائعة يعرفها مرتادو النوادي الرياضية بـ«التدرج في التحميل»، وهي إحدى المبادئ الأساسية في فسيولوجيا الجهد البدني Exercise Physiology والتي تقضي بأن يتدرج الرياضي في تمريناته على زيادة الأثقال على فترات زمنية متتابعة، مما يعطي فرصة لعضلاته للتكيّف الوظيفي، كي يعتاد الجسم على التدريب ويصبح أقدر على حمل أثقال أكبر. هذا المبدأ مستخدم على نحو ما في الاقتصاد، حيث تقرر الحكومات في فترات الانهيار الاقتصادي سحب يدها من السوق عبر رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية تدريجيًا وتقليص دور القطاع العام عبر سياسات الخصخصة حتى يجد المواطن نفسه وحيدًا في مواجهة وحش الأسعار المرتفعة، في الوقت الذي يتوقف فيه الدخل عن النمو أمام هذا الوحش المستفحل.

في اجتماعه مطلع نوفمبر الماضي صادق مجلس الوزراء السوداني على «حزمة السياسات الاقتصادية»، وهو المصطلح المنمق الذي يخفي مباشرة القول الصريح: خفض سعر العملة الوطنية وزيادة أسعار الكهرباء والمحروقات. الصدمة التي أحدثتها هذه الحزمة الجديدة المتكررة جاءت عبر ادعاء الحكومة بتعويم الجنيه السوداني. في الواقع فإن ما رمت إليه هذه الحزمة هو تقليل الفارق بين السعر الرسمي في بنك السودان المركزي للجنيه مقابل الدولار وبين سعره الفعلي في السوق السوداء، وهو ١٨ جنيهًا تقريبًا، الأمر الذي مثل قفزة صادمة، خصوصًا أن سعر الدولار في السوق البديلة يصل إلى ضعف مثيله في السوق الرسمي، ما جعل أسعار السلع تقفز إلى ١٠٠٪ في أفضل الأحوال.

ومع ميزان تجاري مختل وسوق تستورد غالبية السلع، خصوصًا الأساسية منها كالأدوية، أدت هذه السياسة إلى كارثة ليست اقتصادية فقط بل صحية أيضًا، وقعت بعد فترة وجيزة من تعليق نقابة الأطباء لإضرابها الذي حقق بعض مطالبه بعد أن صار الأطباء عرضة للاشتباك مع المرضى وذويهم الذين يصلون دائمًا إلى مستشفيات خالية من المواد الطبية والأدوية.

لم يحقق الإضراب أي تغييرات جذرية في سياسات وزارة الصحة الرامية إلى خصخصة المستشفيات العامة، في بلد يمتلك وزير الصحة لعاصمتها مجموعة من المستشفيات والكليات الخاصة، في تضارب واضح للمصالح يعطي صورة عن مدى الفساد المستشري في الدولة، وتمارَس السياسات فيه بشكل عشوائي، فعندما تشيع الأنباء عن انتشار الكوليرا في شرق البلاد تمتنع وزارة الصحة عن الاعتراف بانتشار الوباء، فيما تقوم الأجهزة الأمنية بمصادرة رواية جابرييل جارثيا ماركيز «الحب في زمن الكوليرا»، من معرض الخرطوم للكتاب لحيلولة دون انتشار هذه «الشائعة»!

في الحالات السابقة كانت المعارضة السياسية تلجأ إلى الوسائل التقليدية التي اعتادها النظام وطوّر أدوات قمعها منذ وصول الجبهة الإسلامية للسلطة عبر انقلاب عسكري في ١٩٨٩؛ الاعتصامات، الإضرابات، الوقفات السلمية، التظاهرات الاحتجاجية، والمخاطبات الجماهيرية في الجامعات والأماكن العامة، أو عبر الوسائل العسكرية، مثل المحاولات الانقلابية والتمرد العسكري لقطاعات في الجيش أو المليشيات في جنوب وغرب البلاد، وهو ما كانت تتبعه حملة من الاعتقالات في صفوف النقابيين والسياسيين في أحزاب المعارضة والناشطين المدنيين أو القصف الجوي وحرق القرى في مناطق النزاع.

هذه المرة كان جهاز الأمن والمخابرات الوطني الجهاز السيادي والتنفيذي في آن واحد معًا جاهزًا بشكل مسبق قبل إعلان مجلس الوزراء، وقام بحملة متوقعة من الاعتقالات لناشطين معروفين سبق له اعتقالهم في مناسبات سابقة. لكن المفاجأة التي وقعت أفشلت الحملة الأمنية الاستباقية، فبدلًا من الاحتجاج المباشر قرر السودانيون إخلاء العاصمة، وبدلًا من تكرر سيناريو سبتمبر ٢٠١٣ حين خرج الآلاف من الشباب للتظاهر في الشوارع ضد إعلان الحكومة لرفع الدعم عن السلع الأساسية، وهي الحملة التي وُئدت بعد مقتل أكثر من ٢٠٠ متظاهر في شوارع الخرطوم، قرر سكان الخرطوم عدم الخروج من بيوتهم.

العصيان المدني الذي استمر من ٢٦ وحتى ٢٨ نوفمبر مثّل نقطة تحول في الحراك الاجتماعي ضد السلطة الحاكمة في السودان. حيث استخدم المشاركون أدوات جديدة ومختلفة تبدت فيها الكثير من علامات النضج التي افتقدت إليها الموجات الاحتجاجية السابقة منذ انتخابات ٢٠١٠، التي سبقت استفتاء انفصال الجنوب واحتفاظ عمر البشير بالسلطة، مرورًا بالمحاولات الفاشلة للشباب السوداني لمواكبة الربيع العربي في ٢٠١١ و٢٠١٢، وبالطبع انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣ التي كانت الأكبر والأكثر دموية، فما الذي تغير في نوفمبر ٢٠١٦؟

١الدعوة: من أنتم؟

خلال محادثة مع والدي في أول أيام العصيان سألني بريبة: «من دعا للعصيان؟ زمان كانت النقابات والأحزاب ولكن هذه المرة الجهة الداعية غير معروفة». والدي نموذج للشيوعي السوداني التقليدي، المرتاب دومًا من كل من هو ليس عضوًا في الحزب. في وسط سياسي تشيع فيه نظريات المؤامرة والتخوين واتهام الخصوم السياسيين بالأمنجية والتحالف مع النظام، لم يستطع الكثيرون من جيل والديّ تحديد مصدر الدعوة للعصيان، وبالتالي لم يكوّنوا رأيًا واضحًا تجاهه، فالدعوة إليه كُتبت ونُشرت عبر موقع فيسبوك وتوزعتْ في شقيقه الأصغر الأثير لدى السودانيين: واتسآب.

لم تكن الدعوة صادرة عن أحزب المعارضة التقليدية ولا الحركات المسلحة بكل تجسيداتها ومجسماتها العديدة؛ قوى الإجماع الوطني، نداء السودان، الجبهة الثورية، الفجر الجديد…إلخ. لم يكن هنالك أي عنوان أو اسم أو شعار صيغ بشكل أدبي ليحمل في خطابه النخبوي مدلولًا سياسيًا وطنيًا. كل ما هنالك كان وسم [هاش تاج] من النوع الذي دُرج على استخدامه في موقع تويتر واستعير لاحقًا في فيسبوك لتوحيد وربط المنشورات المتعلقة بالموضوع «#العصيان_المدني_السوداني_27_نوفمبر».

لم يكن هذا الأمر جديدًا، فقد كانت حركات التغيير الاجتماعي السلمية غير الأيديولوجية من قبيل «التغيير الآن»، و«قرفنا»، هي المنوط بها القيام بذلك في السنوات الست الماضية. حيث أسهمت بشكل فاعل في خلق زخم مواكب للتطورات السياسية، باستقطاب العديد من السياسيين الأصغر سنًا من مختلف الانتماءات والطلاب للانخراط في العمل الجماهيري بعيدًا عن منظومة المعارضة التقليدية غير المتاحة لهم من جيل «القيادات التاريخية» في الأحزاب. لكن الجديد هنا هو أن هؤلاء أيضًا لم يكونوا من الداعين. لكن ولخبرتهم في الوسائل الجديدة، فقد انضموا للدعوة إلى الحشد وانساقوا مع التيار دون السقوط في مهاترات من قبيل «من صاحب الدعوة الأولى للعصيان؟» فالإنترنت بقدرته الواسعة على الانتشار مثّل الوسيط الأمثل لهذا الحراك المتسم بالأناركية والمفتقد تمامًا لمركزية القرار.

٢المطالب: لا شيء!

انتفاء المركزية في الحشد للعصيان كان عيبًا وميزة في الوقت ذاته. العيب هو غياب مصدر ذي أهلية في العمل السياسي يمتلك قدرًا من المصداقية للاستقطاب، وقادر على تنظيم هذا الحشد عبر جسم موّحد يتألف من شبكة من الأعضاء مخوّلة بتنفيذ قرارات محددة لتحقيق أهداف العمل التنظيمي. أما الميزة فهي أن غياب كل هذه العوامل التنظيمية شكل مانعًا أمام أجهزة الأمن من الإمساك بالمحركين الفعليين لهذه الموجة، التي كانت في لا مركزيتها أقرب لشبح ضبابي لا يمكن الإمساك به، شيء أقرب لهيكلية التنظيمات الإرهابية.

في الموجات الاحتجاجية السابقة كانت استراتيجية جهاز الأمن منصبة على توسيع دائرة اعتقالات الناشطين المعروفين، أو أولئك المحركين للتظاهرات في الأحياء، وبعد أن تمتلئ السجون بالناشطين يتوقف الدينامو المنظم للتظاهرات، فتفقد فعاليتها وتهتز ثقة المحتجين في قدراتهم عبر وسائل التعذيب والإرهاب الممارسة مع المعتقلين، فتفقد الموجة زخمها وتتوقف المظاهرات تدريجيًا، وبعد أشهر من انتهاء الموجة يفرج النظام عن المعتقلين بدون أحكام قضائية كون عمل جهاز الأمن والمخابرات يقع خارج دائرة النظام القضائي ليصبحوا مجموعة من الشباب المنهكين نفسيًا وجسديًا من أثر التعذيب والاعتقال، وغير مؤهلين للعمل بفعالية في الموجات اللاحقة ومصابين بالإحباط الكامل من فشل قيام الثورة.

في العصيان المدني لم يكن لهؤلاء الناشطين وجود فعلي. ظهر بعضهم لاحقًا في صور وفيديوهات مسجلة، وهم يحشدون الناس عبر مخاطبات في المواصلات العامة. لكن اعتقال بعضهم لم يشكل ضربة لموجة الاحتجاج، لأن الأمر ببساطة لم يكن دعوةً للخروج في مظاهرات، بل على العكس كان دعوة لعدم القيام بشيء سوى البقاء بالمنزل وعدم الخروج للعمل أو الدراسة، ومع وجود شريحة هائلة من الخريجين والعاطلين عن العمل، كانت الدعوة للقيام بعمل مماثل أمرًا سهل الحدوث. على الجانب الآخر لم تنتشر بيانات كثيرة من مجموعات سياسية محددة تضع خارطة لما يجب القيام به. منشورات وصور عبر فيسبوك بشعار واحد بسيط: «العصيان المدني ٢٧ نوفمبر»، بمطلب واحد محدد، وهو البقاء في البيت لثلاثة أيام فقط. لا وجود لنداءات باستقالة الحكومة أو إسقاط النظام. بل القيام بعمل سلبي يبرز مدى السخط والسأم لدى الحشود التي حققت انتصارها، لا باصطفافها والخروج إلى الشارع بل على العكس، بغيابها.

٣المشاركة الواسعة

بدأ العصيان المدني يوم الأحد، أول أيام الأسبوع المتسم دائماً بالازدحام المروري في مدن العاصمة الثلاث؛ الخرطوم، بحري، أم درمان. اختفى الاكتظاظ المعتاد في مواقف الحافلات والميادين الرئيسية، وسارت الحافلات بمقاعد فارغة على غير العادة في الشوارع، في حين خلت الطرقات من المارة وانحسرت حركة المرور إلى النصف. انتشرت الصور لشوارع الخرطوم الرئيسية وهي خالية أو خفيفة الحركة؛ شارع الجمهورية، شارع الجامعة، والسوق العربي في المركز التجاري للمدينة حيث تنتشر المقرات الحكومية والوزارات، وارتفعت نسبة الغياب في المدارس والجامعات لنسب تسببت في توقف العمل في تلك المؤسسات. إضافة إلى إغلاق المحلات والمتاجر لأبوابها. هذه المشاركة الواسعة أربكت أجهزة الدولة وحققت الغرض الأساسي للعصيان المدني، تأكيد حالة السخط العام من أداء الحكومة.

أسهم عاملان أساسيان في نجاح هذا الاختراق؛ الأول هو ضآلة نسبة الخطر في عمليات العصيان، فالخروج إلى المظاهرات يحتاج إلى مقدار كبير من الشجاعة مقارنة بالمخاطر المحتملة، مثل الاعتقال، الإصابات الناتجة عن الاشتباك مع الشرطة، أو حتى الموت بالرصاص الحي، وهي أمور متكررة في كل الموجات السابقة. انخفضت الخطورة هذه المرة لتتقلص إلى خسائر معقولة تتلخص في العقاب الإداري الذي يصحب الغياب عن العمل أو الخسارة التجارية الناجمة في كل الأحوال جراء الكساد، فبالنسبة إلى مواطن غير قادر على تحمّل أجرة المواصلات الزائدة أو البنزين مع العجز التام عن شراء الأدوية في بلد يعج بالمرضى من مختلف الأوبئة والأمراض المزمنة، يجد المواطن نفسه في وضع «ليس لديّ ما أخسره».

العامل الثاني هو انتفاء الخبرة لدى قطاع واسع من المواطنين حول ماهية العصيان المدني، فآخر ثورتين حققتا نتائج ناجحة بإسقاط النظام العسكري في السودان كانتا في الستينات والثمانينات. أي أننا هنا أمام أجيال جديدة لم يسبق لها القيام بعمل مماثل. خصوصًا أن كل الذاكرة الجمعية لسودانيي الخرطوم تتلخص في المظاهرات والإضرابات، فعندما اتصلتُ بخالتي في صباح أول أيام الاعتصام سألتها عما فعلته مع ابنتيها اللتين تدرسان في المرحلة الابتدائية، فأجابتني بارتياح أنها غيّبتهما عن المدرسة لخوفها من «الاعتصام». هذه السلبية التي تتسم بها الأمهات غالبًا في المشاركة السياسية، والناجمة عن الخوف على حياة الأبناء، كانت عاملًا غير مقصود في نجاح العصيان المدني القائم أساسًا على فكرة العمل السلبي: لا تخرج من البيت!

٤الأصالة والتجديد: لايف دا شنو؟

ما قالته خالتي في الهاتف لم يكن اعتقادًا مقتصرًا على ربات المنازل، وإنما تجاوزهن إلى الكثير من رجال الأمن الذين لم يكونوا أيضًا على دراية بمفهوم العصيان المدني. في إحدى صفحات حركة «قرفنا» نشر أحد مناصري النظام صورة لجنود بالزي العسكري وهم يحفرون قبورًا في إحدى المقابر مع نصيحة «إلى كل أم سودانية» تُهدَّد فيها الأمهات بأنهن إن لم يقمن بمنع أبناءهن من المشاركة في «العصيان» الذي تقف خلفه الحركة الشعبية الحركة المسلحة الأكبر التي تقاتل النظام في غرب وجنوب شرق البلاد فإن المقابر جاهزة لجثث أبنائهن. على صفاقة هذا التهديد ووحشيته إلا أن جانبًا مضحكًا تمثل في عجز قطاع كبير من المنتسبين للنظام عن فهم ماهية العصيان المدني، وبالتالي اكتسب الحراك الجماهيري نقطة تفوق، بامتلاكه أداة جديدة ومفاجئة لكل استعدادات النظام اللوجستية، وفي مشهد بائس وقفت عشرات السيارات المصفحة وناقلات الجند في شوارع فارغة من المارة لا تجد من تعتقله أو تطارده.

هذا التجديد كان نتيجة لدخول جيل جديد من الشباب الساخطين على الوضع العام، ممن نشأوا بعد طفرة وسائل الاتصال الحديثة وتعاملوا مع المكتسبات التكنولوجية لثورة المعلوماتية والوسائط المتعددة بوصفها من البديهيات المسلم بها، وهو الجيل نفسه الذي طالما اتُهم بافتقاره للوعي السياسي، لنشأته بينما كان النظام الحالي قد وصل بالفعل إلى السلطة، وبالتالي تربى وحصل على التعليم في مناهج وضعها النظام، متعرضًا بشكل كامل لكل بروباجاندا الإسلام السياسي التي تحّرم الخروج على الحاكم.

حطّمت فعالية مواليد التسعينات والألفينيات الصورة النمطية لجيل «ثورة الإنقاذ» الذي لم يعاصر أي رئيس للسودان غير عمر البشير، وأزاح بهذا قطاعًا كبيرًا من جيل الثمانينات الذي شكل النواة الأساسية لكل الموجات الاحتجاجية السابقة ممن اكتسبوا شيئاً من الميراث الثوري والنوستالجيا لجيل انتفاضة أبريل ١٩٨٥ التي أسقطت نظام الرئيس جعفر نميري، واتسم كثيرٌ منهم بخلل محوري في الموجات التي تلت العام ٢٠١٠، تمثل في الانجرار وراء «سلسلة أحجار الدومينو المتساقطة» التي اتسم بها الربيع العربي على مستوى التكتيكات والأدبيات. يُسقط التونسيون بن علي في يناير ويخرج المصريون في الخامس والعشرين من الشهر نفسه فتنطلق الدعوات في الخرطوم في اليوم الثلاثين.

حجمت هذه المحاكاة التي سهلتها وسائل التواصل الاجتماعي الخارقة للحدود من قدرة الشباب السوداني بشكل ما على استخدام الخيال الخاص بهم، ووضعتهم في صورة المقلدين لدول الجوار العربي، وكأنما افتقد السودان لأسبابه الموضوعية للانتفاضة ضد نظام يسيطر على مقدرات البلاد ويشعل الحرب الأهلية فيها لثلاثة عقود. على العكس هذه المرة، انطلقت دعوات مماثلة في مصر بعد نجاح العصيان السوداني، ومثّل السودانيون نموذجًا يحتذى به لأول مرة منذ الثمانينات.

هذا الخيال هو نفسه ما افتقده النظام، ففي أحد الفيديوهات المنتشرة قام طالب سوداني من أبناء المغتربين يدعى محمود صادق بتسجيل فيديو حيّ عبر تطبيق فيسبوك بينما كان يسير أمام جامعة العلوم الطبية المملوكة لوزير الصحة بولاية الخرطوم د. مأمون حميدة وأوقفته سيارة لرجال أمن في الزي المدني وطاردوه أثناء التسجيل. ظهر أحد هؤلاء الجنود لأقل من ثانيتين وهو يسأل الطالب المنفعل: ماذا تفعل؟ فأجابه بالعربية التي لم يكن يتحدث بها في أول الفيديو: ده لايف! فسأله رجل الأمن قبل أن ينتهي الفيديو بالقبض على محمود: لايف دا شنو؟!

٥ العامل النسائي: مهيرة

العامل الأخطر بالنسبة لي في هذا العصيان المدني والأكثر خرقًا للمألوف كان المشاركة الأنثوية الفاعلة والواسعة بشكل فاق المشاركة الذكورية المعتادة. لم يتمثل ذلك فقط في المشاركة بالعصيان ولكن في الدعوة إليه، فوجود المرأة في العمل العام ليس بالأمر الجديد في السودان الذي كان رائدًا في تعليم البنات منذ أوائل القرن العشرين، وكانت المرأة فيه شريكًا أساسيًا في المطالبة بالاستقلال عن بريطانيا ومصر في الخمسينات، وتواجدت عبر الحقب السياسية المختلفة خصوصًا في اليسار عبر الاتحاد النسائي بقيادة الناشطة الشيوعية فاطمة أحمد إبراهيم ضد الأنظمة العسكرية المتلاحقة. لكن العمل النسوي انحسر في السنوات الأخيرة مع عملية النكوص المجتمعي عبر الذكورية التي تتسم بها الأنظمة الإسلامية للنضال فقط في قطاع حقوق المرأة. بحيث نشطت النسويات أكثر في الأحداث التي مست المرأة بالذات، كحادثة اغتصاب أفراد من الأجهزة الأمنية للفنانة التشكيلية صفية اسحق، فيما انتشرت مبادرات مثل «لا لقهر النساء» المناهضة بالأساس لقانون النظام العام سيء الصيت، والذي يضم في طياته قيودًا غير محددة على زي المرأة المحتشم، ويفرض الحجاب في الأماكن العامة، خصوصًا في القضية المشهورة بـ«محاكمة البنطلون» والتي انطلقت بعد اعتقال الصحفية لبنى أحمد حسين من قبل الشرطة لارتداءها بنطلونًا قماشيًا واسعًا أثناء وجودها في مطعم.

هذه المرة كان النشاط الأنثوي كبيرًا في قضية غير مطلبية بل شاملة، ولكن حتى الدعوة كانت من أجسام من خارج منظمات المجتمع المدني النسوية، بل من موقع فيسبوك. حيث انتشرت في الآونة الأخيرة مجموعات مغلقة تضم عضوات بأعداد كبيرة متخصصة في مواضيع اجتماعية ونسائية بحتة، كمجموعة «مهيرة» المتسمة بقدر من الخطاب السياسي والمجتمعي.

ولكن النشاط الأبرز في هذا العصيان جاء من مجموعة «فسخ وجلخ» التي يشير اسمها إلى عمليات تبيض البشرة عبر مستحضرات التجميل، إحدى أكثر الظواهر انتشارًا لدى المرأة السودانية التي تعيش في مجتمع يرى في البشرة البيضاء وحدها مؤشرًا للجمال. لم يكن هنالك أي سبب منطقي يدفع المرء للتوقع بأن مجموعة تواصل اجتماعي، تهدف لاستعراض أحدث صرعات الموضة والتباهي بالكريمات المبيّضة للبشرة ومستحضرات التجميل ومقتصرة فقط على النساء، قد تمتلك أداة للحشد السياسي. هذا العامل كان العدد، فعضوات هذه المجموعة وحدها من النساء السودانيات فقن المائتين ألف امرأة من مختلف الأعمار، وهو عدد نادر في وسائل التواصل الاجتماعي السودانية، بالنسبة لمجموعة سرية واحدة، فما أن أعلنت الحكومة عن رفع زيادة الأسعار وخفض قيمة الجنيه والتأثير الفادح لذلك على أسعار الأدوية حتى انتشر الإعلان عن العصيان المدني عبر هذه المجموعات المهتمة بالكماليات، في انقلاب تام على أدوات العمل الجماهيري في مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يقتصر الأمر في ذلك على الدعوة، فالجيل الجديد الذي أشرت إليه في النقطة السابقة لم يكتف بالدعوة إلى العصيان، وإنما خرجت في يوم الخميس السابق لأسبوع الاعتصام عشرات الطالبات من المرحلة الثانوية والمرحلة الأساسية في شارع المدارس بالخرطوم بحري في تظاهرات مباغتة وضعت الشرطة في موقف حرج أمام محتجات، لسن فقط من الإناث بل من الأحداث ممن هن دون السن القانونية. وهو ما طرح العديد من التساؤلات عن أخلاقية الحشد بين صغيرات السن، وتعريضهن لخطر الاصطدام مع الشرطة، رغم أن هذه التظاهرات كانت عفوية تمامًا ولم تجر الدعوة إليها من أي فصيل مدني، وحتى عندما خرجت مسيرة سلمية في أم درمان خلال أيام العصيان المدني كانت كل المعتقلات من الناشطات.

استمر الاختراق خلال العصيان المدني، فبعد أنباء اعتقال الطالب محمد صادق الذي ساعده خيار النشر التلقائي للفيدوهات الحية، استطاعت بعض مستخدمات فيسبوك التعرف على ضابط الأمن مرتضى باشري والحصول على عنوانه من لقطة screen shot للفيديو المنشور أثناء اعتقاله، وذلك عبر مجموعة “منبرشات” والتي كانت أيضًا إحدى وسائل الحشد النسائي، وهي للمفارقة مجموعة ينحسر نشاطها في النميمة وإنزال المشتركات لصور رجال يرغبن في التعرف على هويتهن أو التشهير بهن لقيامهم بالتحرش الجنسي.

خلاصة:

يمكن الجزم وبعد انتهاء أيام الاعتصام المدني الثلاثة، بأنه وعلى الرغم من عدم تحقيق الاعتصام لأي مطالب جذرية تغير من قرارات الحكومة، إلا أنه استطاع إعادة ثقة المجتمع المدني في نفسه وإعادة الاعتبار لما يمكن أن تحققه الجماهير المناهضة للسلطة الحاكمة في السودان بعد سلسلة من الموجات الاحتجاجية الموؤودة، التي لطالما عززت ثقة النظام في أدواته ودفعت صانعي القرار فيه إلى الاستمرار في نفس السياسات التي تقع عواقبها على المواطن السوداني وحده.

لم يسقط النظام، ولم تستقل الحكومة. لكن الحراك المجتمعي في السودان انتصر في جولة أعادت الاعتبار إلى فعالية الحشد الجماهيري الفعّال، ما أدى إلى انطلاق الدعوة مجددًا للعصيان المدني في ١٩ ديسمبر المقبل ذكرى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان عام ١٩٥٥ مع تعدد مجموعات التنسيق للعصيان في وسائل التواصل وانتشار ظاهرة الدعوة للعصيان في التاريخ المحدد عبر الكتابة في أوراق العملة. ليحقق العصيان المدني بذلك مكسبًا في مسيرة التراكم وتحقيق الزخم المنشود لأي انتفاضة شعبية مقبلة لا ندري بعد كيف سيطور النظام آلياتٍ جديدة لمجابهتها وما سيسفر عنه ذلك في المستقبل القريب.


نشرت المقالة الأصلية في مدى مصر

صورة المقال من أعمال المصمم السوداني عمار حجر

السودان : وماذا بعد العصيان المدني؟ (1- 3)

شوارع السودان خالية أثناء أيام العصيان المدني (فيس بوك)

ثمة سؤال شائع يتكرر دائمًا خلال صعود الموجات الاحتجاجية ضد الأنظمة الشمولية: “من هو البديل؟”. لهذا السؤال مشروعية حقيقة تكمن في إدعاءه لرغبة الوصول إلى حل. لكن امتلاكه لتلك النبرة المحافظة في الخطاب وتشكيكه في كفاءة الطبقة السياسية بأسرها يجعله دائمًا عرضةً لنقد اليسار الراديكالي الذي لا يقدم إجابة واضحة إزاءه، مكتفيًا برفض السؤال من الأساس واتهام سائله بعدم امتلاك الخيال.

عندما كان لا يزال مُغنيًا للراب، طرح الناشط والمصوّر السوداني أحمد محمود سؤالًا “بديلًا” في إحدى أشهر أغانيه السياسية المتسمة بالمباشرة: “ما تسألني البديل منو. أسألني البديل شنو؟”. مقدمًا نموذج للإجابة: “البديل إنه تقوم ثورة. سلمية. تحقق لينا حرية مساواة وعدالة اجتماعية”.

ولكن كيف لذلك أن يتحقق بخطوات عملية على أرض الواقع؟ خصوصًا مع وضع السودان المتأزم اقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا. حلل وناقش!

صادق مجلس الوزراء السوداني في الثالث من تشرين الأول/نوفمبر الماضي على “حزمة السياسات الاقتصادية”، وهي الشفرة المنمقة التي تعني موجة جديدة من غلاء الأسعار. صاحبها تقليص لفارق الضعف بين سعر الدولار الأمريكي في البنك وسعره في السوق السوداء مقابل الجنيه السوداني المنهار.

اقرأ/ي أيضًا: رؤية عن العلاقات العربية القرن أفريقية

انتشرتْ حالة من الوجوم أو ما يوصف في الصحافة بـ”الهدوء الحذر” وشرع العديد من المعلقين في التوقع بأن شيئًا ما سيحدث، وغالى البعض في التوهم بأن الجيش سوف يتحرك. كان ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والأدوية كارثيًا في اقتصاد ريعي منهار يستشري فيه الفساد، وخسر قرابة 90% من موارده النفطية بعد استقلال جنوب البلاد دون تنويع مصادر الدخل في فترة الازدهار المؤقت لعملية السلام الانتقالية، وفي اقتصاد محاصر بعقوبات أمريكية لرعايته للإرهاب منذ التسعينات كان إصدار قرار كهذا أمرًا أشبه بالقنبلة.

قنبلة ألقتها الحكومة واختبأت لتراقب حجم الخسائر. حتى أن الرئيس عمر البشير غاب عن البلاد بين المغرب وغينيا الإستوائية والإمارات العربية المتحدة، كأنما يتهرب من المواجهة وهو الرئيس الذي لطالما كانت تحف تنقلاته الحذر منذ صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية الفاشل، ولأن قرارات زيادة الأسعار كانت سياسة معتادة وغالبًا ما تتلوها موجة من الاحتجاجات الشعبية، استعدت الأجهزة الأمنية للأمر وباشرت حملة اعتقالات طالت عددًا من السياسيين والناشطين المعروفين. لكن المفاجأة جاءت من خارج الأطر المعهودة.

انطلق العصيان المدني في 27 تشرين الأول/نوفمبر الماضي بعد أن دُعي إليه في تطبيقات التواصل الاجتماعي ردًا على قرار الحكومة. في اليوم الثاني له طرحتُ هذا السؤال على أصدقائي في صفحتي الخاصة بفي سبوك: وماذا بعد أيام العصيان الثلاثة؟ كان تساؤلي نابعًا من يقين بأن هذه الخطوة وحدها لم تكن كفيلة بتحقيق التغيير المنشود، وإثناء الحكومة عن قراراتها التي حاولتْ التخفيف من حدتها بوعد من وزير الصحة بحر أبوقردة في مؤتمر صحفي عقده يوم الجمعة – عطلته – مستبقًا تطبيق العصيان، وواعدًا بمواصلة حكومته على دعم أسعار الأدوية التي ارتفعت إلى سقف لم يعد فيه حتى ميسوري الحال من السودانيين قادرين على احتماله. وذلك بعد أيام قليلة من تعليق نقابة الأطباء لإضرابها الذي ما أن انتهى، حتى صدق مجلس الوزراء على قراره الخطير لتعود الأمور إلى نقطة الصفر.

لم تصلني إجابات محددة على سؤالي فيما اتهمني البعض بمحاولة اثباط عزيمتهم. بينما طالب آخرون أن ننتظر ما ستؤول إليه الأمور في سلبية متفائلة. استجاب قطاع كبير من مواطني العاصمة للعصيان المدني وتجلى ذلك في انخفاض حركة المرور في شوارع الخرطوم إلى النصف مع بداية الأسبوع. فيما توقف العمل في عدد كبير من المؤسسات وتغيب معظم الطلاب عن جامعاتهم ومدارسهم وأغلقت المحال التجارية والأسواق بصورة مثلت اختراقًا للعديد من المواطنين الساخطين على النظام.

أعاد العصيان المدني بعضًا من الثقة المفقودة لدى الكثيرين في قدرة الحشد الجماهيري على إعلان حالة سخط عام، ولكن وبعد أن انقضت أيامه الثلاثة عادت الأمور إلى عادتها وتوجه الموظفون لمواجهة قرارات المحاسبة من قبل إدارتهم على تغيبهم المستمر عن العمل، وظل السؤال مطروحًا عن الخطوة التالية، ومثلما آلت الموجات الاحتجاجية في السنوات الست الماضية كانت النتيجة ذاتها: لم يسقط النظام ولم يتراجع عن قراراته.

رغم ذلك انطوى الأمر على مفارقة بالغة. في بلد لا يوجد فيه ما هو أكثر من القوى السياسية المعارضة بمختلف التنويعات: أحزاب سياسية، حركات مسلحة، حركات سلمية، منظمات مجتمع مدني. لم تأت الدعوة للخروج في مظاهرات أو مسيرات شعبية بل جاءت للعصيان المدني. لعمل احتجاجي سلبي لا يهدف إلا لإبراز السخط العام دون شعارات سياسية راديكالية من قبيل: إسقاط النظام، إقالة الحكومة. الخ. كان شعارًا يحمل كل دلالات التحول في أدوات المقاومة في القرن الواحد والعشرين #العصيان_المدني_السوداني_27_نوفمبر.

اقرأ/ي أيضًا: رغبة قديمة لامتطاء أخطبوط

لم تكن المفارقة في إحباط استعدادات الأجهزة الأمنية التي خرجت شاحناتها وجنودها ليقفوا في شوارع خالية من المارة. بل في مصدر تلك الدعوة الناجحة التي لبُيت بقدر حوّل حركة المرور نهار يوم الأحد الجحيمي إلى ما يشبه عطلة عيد الأضحى. كان المصدر ببساطة مجموعات نسائية سرية في موقع فيسبوك مثيرة للسخرية حتى في تسمياتها: “فسخ وجلخ” و”منبرشات”. مجموعات مغلقة تحكمها توجيهات صارمة للحفاظ على خصوصية العضوات والمحتوى الذي يتبادلنه. تُمارس فيها كل الصور النمطية المنوطة بالمرأة السودانية من قبل الخطاب الذكوري: النميمة، استعراض صرعات الموضة، الترويج لمستحضرات تبييض البشرة. لا لشيء إلا لأن هذه المجموعات والتي لم تكن مسيسة على الإطلاق امتلكت في لحظة تاريخية معينة أهم عناصر الحشد الجماهيري: أزمة ملّحة وخانقة على الجميع لدرجة خلق الزخم، وعدد هائل من الأعضاء في جسم واحد مع حد أدنى من الاتفاق حول القضايا العامة.

تخيّل/ي ما يمكن أن يحدث عندما ترتفع أسعار الأساسيات أضعافًا، في وسيط يناقش الكماليات يضم 200 ألف عضوة. المسيرة الأبرز التي خرجت قبل أسبوع العصيان كانت من هذه المجموعات، وكلها من النساء اللاتي وقفن بشجاعة في شارع أفريقيا بوسط الخرطوم منددات بقرار الحكومة في قضية لم تقتصر على شعارات حقوق المرأة بل المجتمع كاملًا.

حدث التحوّل بإزاحة جيل مواليد الثمانينات الذي كان المحرك الأساسي للموجات الثورية السابقة: انتخابات 2010 وصفقة انسحاب مرشح الحركة الشعبية ياسر عرمان مقابل انفصال سلمي للجنوب، تظاهرات 2011 و2012 المحاكية بشكل سيء لانتفاضات الربيع العربي، وانتفاضة سبتمر 2013 الدموية والتي جاءت في ظرف اقتصادي مماثل لكنها خمدت ما أن امتلأت الشوارع بالقتلى والمعتقلات بالناشطين.

هذا الجيل المأزوم والذي مُني بهزائم متلاحقة ليشيخ قبل أوانه في كامل المنطقة تمت إزاحته من الصورة من قبل جيل مواليد التسعينات. جيل النظام الحالي ومنظومته التعليمية والإعلامية. خرج طلبة المرحلتين الإبتدائية والثانوية من شارع المدارس في بحري فيما غلبت عليهم الطالبات. الحجاب الذي ظل أداة هذا المجتمع لإخضاعهن تحول للثام تغطي به المتظاهرات وجوههن وهن يتحدثن لكاميرات الموبايل مناديات بخروج المزيد من المحتجين ضد قرارات الحكومة.

اقرأ/ي أيضًا: بعد “تيران وصنافير”.. حلايب وشلاتين نحو الجنوب

هذا لم يكن إنقلابًا فقط على النظام الحاكم بل على المنظومة السياسية بأسرها. بمعارضتها ومجتمعها المدني اللذين صارا فاقدين للأهلية والمصداقية معًا، لأنهما عجزا عن تقديم “بديل” نظري أو تطبيقي قادر على استلام الأمور بعد نجاح عملية التغيير السياسي، أو ما يسمى في أدبيات المجتمع المدني بـ”اليوم التالي”، ولكن ما الذي يمكن أن يحدث لو أتت إحدى هذه الموجات الثورية بنتيجتها المنشودة؟ هل سيكون الانتقال السلمي للسلطة واقعًا؟ ومن قبل من؟

فالسؤال الذي يجب أن يسبق التساؤل عن الخطوة التالية بعد العصيان يجب أن يكون: ما الذي يمكن أن يحدث إذا نجحت الانتفاضة بالفعل؟ خصوصًا أننا وبعد الربيع العربي توفر لدينا معين من النماذج التي استخدمت فيها الثورة المضادة آليات متعددة للإنقلاب على الثورات إما بإزاحة الحكومات المتقلبة الجديدة كمصر وتونس، أو بقلب الطاولة تمامًا وتحويل الثورة السلمية إلى حرب أهلية كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن، وفي بلد يمتلك بالفعل ثلاثة جبهات للحرب الأهلية هب أن العصيان المدني قد أسفر عن استقالة الحكومة، أو كما قال أحد مستخدمي تويتر ردًا على السؤال المحافظ “البديل منو؟” بالقول ساخرًا: “افرض البشير مات؟ نقفل السودان؟” هنا تكمن إحدى أكبر المعضلات، فمن الواجب أن يتوقف اليسار عن عنجهيته التي يواجه بها تساؤلات اليمين المحافظ لوهلة، ويضع نفسه موضع السائل: هل يمتلك مجتمعنا البنية التحتية لتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ما أن يذاع البيان رقم واحد؟ هل نمتلك حقًا إجابة عملية لسؤال أحمد محمود “البديل شنو؟”

في حوار مفتوح شهر أبريل الماضي بمركز إمانويل أبدي الفيلسوف السلوفيني اليساري سلافوي جيجيك رغبةً مماثله في التساؤل مستغلًا مصادفة وجوده في لندن للحديث عن فيلم جيمس مكتيج V for Vendetta كمثال، ففي أجواء الدستوبيا المستقبلية لإنجلترا الفاشية – صورة يسهل تصورها الآن مع الوضع الحالي لبريطانيا ما بعد الاتحاد الأوروبي الشعبوية – تنتصر الحشود الملثمة بالقناع الشهير على قوات الشرطة وتقتحم البرلمان وتنتصر، أو كما يحتج جيجيك: “وينتهي الفيلم!” ليواصل بأسلوبه المتسم بالصفاقة: “أنا على استعداد لبيع أميّ كجارية مقابل أن أشاهد جزءًا ثانيًا من الفيلمV for Vendetta part II – حسنًا الشعب ينتصر ولكن ما الذي فعلوه في اليوم التالي؟ كيف أعادوا بناء السلطة؟”.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

صورة المقال من أعمال المصمم السوداني عمار حجر

كيف خسرت الخرطوم بهجات الليل؟

يتجول حسام هلالي في ليل مدينة الخرطوم بحثًا عن متعٍ غابت عن المدينة من أجل وعد الحكومة للسودانين أنهم سيغرقوا في بحار هذه المتع في جنات عدن.
تنام العاصمة السودانية على ضفاف النيل مثل القاهرة، لكننا نلمح فروقَا كثيرة بين المدينتين، حيث يرصد الكاتب المتنقل بينهما أثر شرطة الأخلاق على المدينة الجنوبية.
في ليل الخرطوم تغيب المتع العادية في ليل القاهرة مثل تقديم المشروبات الكحولية، بل تدخين الشيشة!
عن العوالم الخفية لمدينة الجمال السمراء نتجول في المدينة ليلًا بعدما حاصرتها شرطة الأخلاق.

يوم الخميس في الخرطوم. جولة مسائية بالسيارة في شارع النيل، الذي يقطع الضفة الجنوبية للنيل الأزرق، من المقرن، ملتقاه مع النيل الأبيض عند الجسر الرابط بأم درمان، وشرقًا حتى شارع أوماك.
ستعطي لمحة عامة عن محدودية “البرنامج“ المتاح لسودانيي العاصمة للترفيه عن أنفسهم مع نهاية أسبوع عمل أو (عطالة) آخر. مع اجتياز السيارة لحديقة ٦ أبريل، التي حوّلت الولاية اسمها مؤخرًا إلى “حديقة الطائف“، مواصلة لسياسات “تخليج“ أسماء أنحاء الطبقة العليا وطمس التاريخ الثوري للمدينة، مرورًا بالأسكلا. الميناء النهري القديم الذي تحوّل إلى متنزه في الضفة المقابلة للمتحف القومي. ستقابلك طاولات للاعبي الكوتشينة ومدخني الشيشة في واحد من الأماكن القليلة الحاصلة على ترخيص التدخين.

رسم اباء احمد

أي محاولة للخروج من شارع النيل إلى وسط المدينة الخرطوم ١، بعد السابعة هو خوض في غمار مدينة أشباح.

يغلق الوسط التجاري للمدينة أبواب محاله مباشرة بعد اعتدال درجة الحرارة وتحوّلها إلى طقس قابل للحياة البشرية بعد غروب الشمس. الانحراف من شارع القصر إلى شارع الجمهورية شاهد أكبر على اندثار حياة الليل في مدينة خلقت أسطورتها في الظلام. الجيل الذي عاش شبابه في الستينيات والسبعينيات هم أفضل دليل يمكن أن يدلك على البارات القديمة وبيوت المتعة، التي تحولت إلى مطاعم فول أو محلات سوبرماركت.

في السوق الأفرنجي، حيث عمارات أبو العلا، تمتد مساحة أسمنتية مليئة بالحمام والعشاق تنتصب فوقها مكعبات عجيبة.

الأجزاء المرئية لأعمدة الجراش، الذي تبتلعه ساحة “أتنيه“ تحتها. أحد أشهر البارات، الذي صار الآن كافتيريا لبيع السندوتشات والعصير، محاطًا بمحال لبيع الأنتيكات والأشغال اليدوية والفلوكلورية، وسوق سوداء لتجارة العملة ومشغولات العاج، والمرتع الأهم للشعراء والمثقفين من مدمني النوستالجيا لمدينة مندثرة.

رسم اباء احمد

جاء صديقيّ محمد حمد والفاتح وقررنا أن نخوض في ليل الخرطوم للحصول على العرقي، المشروب الكحولي المقطّر من البلح. الأسبوع الماضي كنّا قد ذهبنا في شلة أكبر إلى بحري. المدينة الشقيقة للعاصمة شمال النيل الأزرق وشرق النيل. هناك يمتلك الفاتح رقم هاتف (م) “ديلر“ قبطي يتعامل مع زبائن محددين من الطبقة الوسطى العليا لا يبيع بضاعته في منزل ويتعامل فقط عبر الهاتف.

اتصلنا به بعد الوصول إلى شارع السيد الميرغني، يختلف عن شقيقه القاهري بقلة المباني الفاخرة، لكنه بدلًا من قصر الاتحادية الرئاسي يضم سرايا الميرغني نفسه وجامع طريقته الختمية الكبير. انتظرنا (م)، الذي جاء بدراجته البخارية الفيسبا متوقفًاً بجوار سيارتنا، وبعد تبادل التراشق بالمزاج رفض تمامًا أن يكسر صديقنا ايسو احتكار التعامل المباشر معه بعد أن علم أن ثلاثة أرباعنا من سُكان بحري، التي يرفض التعامل مع أبنائها لأسباب تأمينية تهدد تجارته غير القانونية. بعد أن حصل على مبلغ ٢٥٠ جنيهًا مرر لنا زجاجة من سعة لترين من عرق الجريب فروت المميز، والذي تعتبر نكهته أجمل بما لا يقارن مع عرق البلح، والتي يرفض أن يبيعه في زجاجات أصغر وأرخص حجمًا.

رسم اباء احمد

رسم اباء احمد

هذا الأسبوع لم نكن أثرياءً بالشكل الكافي لشراء عرق الجريب فروت. عُدنا خائبين إلى خمرنا الأرخص والأكثر تقليدية. قاد محمد باتجاه حيّ الديم الشعبي. في شارع باشدار الذي تحفه المتاجر الأرترية والأثيوبية انحرفنا باتجاه بيته. خميسة، التي لم يعد التعامل المباشر معها داخل البيت متاحًا حتى لزبائنها القدامى. تدخل السيارة الشارع الترابي بمهل. يغلق محمد مصابيحها الأمامية بعد أن تلتقط شبحًا جالسًا على مجموعة من الطوب المهشمي. في الساحة الخالية مقابل البيت المسوّر بالزنك نتوقف.

رسم اباء احمد

ينادي الفاتح من النافذة على وسيط اسمه “التمساح”، لا يبتسم ويرد برسمية.

طلبنا زجاجتين، ثم سألنا عن سعر الواحدة واكتشفنا أن السعر ارتفع من عشرين جنيهًا للزجاجة إلى خمسة وثلاثين، وتقلصت خطتنا من شراء ثلاثة زجاجات إلى اثنتين. أدى ارتفاع سعر غاز الطبخ المستخدم في تقطير العرق إلى رفع سعر الزجاجة من النوع العادي، وليس (السيوبر)، اللفظة السودانية لكلمة Super الإنجليزية والتي تعني الصنف الممتاز.

يختفي التمساح لدقيقتين ليجلب لنا العرق، فيما نختلف فيما بيننا عن هذا الاختيار. اقترح الفاتح بديلًا بالذهاب إلى جامع الطريقة البرهانية، حيث يشتهر بيت عرقي آخر يقدم صنفًا ممتازًاً بسعر مشابه. لكن شعورنا بالكسل والاستعجال للشرب يحبط اقتراحه. نتذكر أنا ومحمد حمد نسوةً من قبيلة النوير الجنوبية اللاتي يقطرن العرقي في قدر مشتعل بالحطب على شاطئ النيل الأزرق في إحدى كمائن صنع الطوب في منطقة الجريف، التي اعتدنا قديمًاً على شراء العرق منهن وشربه في جزيرة نيلية يغمرها فيضان الخريف.

حطبهن لا يتأثر بارتفاع أسعار الغاز ولا بانفصال الجنوب ولا تزال زجاجة العرقي تحتفظ بسعرها القديم عشرين جنيهًا.

 

رسم اباء احمد

 

ريثما يعود التمساح بزجاجتيه. زجاجات دائمًا ما تثير الواحدة منها اشمئزازي عندما أتناولها ساخنة ومتربة. بلاستيكية معادة الاستخدام لمشروب غازي
(بيبسي، ميراندا، كوكاولا ..إلخ)، غالباً ما تكون حاملة لشعار مشروب ومغلفة بغطاء مشروب آخر في عبثية تبدو متعمدة. نخبئ المشروب أسفل أحد المقاعد. ندفع المعلوم ونخرج في اتجاه مخابئنا مجددًا هربًا من أسواط الجلادين في أقسام الشرطة.

رسم اباء احمد

رسم اباء احمد

العام 1983 أصابت الدكتاتور السكير، جعفر نميري، عدوى الساداتية، فانقلب على شعارات عرّابه الأول، جمال عبدالناصر، ومع ضمه لرموز الأحزاب الطائفية والإسلامية إلى الاتحاد الاشتراكي وتحقيق المصالحة الوطنية مع اليمين.

كلل مغامرته بتطبيق قوانين الشريعة الإسلامية دفعةً واحدة. أُغلقت البارات ومصانع البيرة وتوقفت الفنادق والمطاعم عن تقديم المشروبات الكحولية.

رافق ذلك إيقاف تراخيص بيوت الدعارة، وصار أرباب “الإندايات “، البارات الشعبية في الأرياف، عُرضة لعقوبة حد الُسكر، وتم تجريم جزء أساسي من الثقافة الشعبية للسودانيين.

أدى تطبيق القوانين الإسلامية على غير المسلمين خصوصاً في جنوب البلاد إلى اشعال فتيل الحرب الأهلية مع انهيار اتفاقية أديس أبابا والحكم الذاتي للإقليم الجنوبي، ورغم نجاح اليسار والحركة النقابية في اسقاط نميري في انتفاضة ١٩٨٥ وتسلم الجيش للسلطة في فترة انتقالية، إلا أن وصول الإسلاميين للسلطة عبر صندوق الاقتراع في العام التالي حال دون إلغاء قوانين سبتمبر ٨٣، فاقم ذلك تحالف الإسلاميين مع الجيش في ١٩٨٩، عندما قام أنقذت “ثورة الإنقاذ الوطني“ البلاد من التعددية السياسية وحرية الرأي والصحافة والعملية الديمقراطية برمتها، وأُعلنت السودان بعدها جمهورية إسلامية

أدى ارتفاع سعر غاز الطبخ المستخدم في تقطير العرق إلى رفع سعر الزجاجة من النوع العادي، وليس الصنف الممتاز.

نتذكر نسوةً من قبيلة النوير الجنوبية يقطرن العرقي في قدر مشتعل بالحطب على شاطئ النيل الأزرق ، حطبهن لا يتأثر بارتفاع أسعار الغاز ولا بانفصال الجنوب.

ولا تزال زجاجة العرقي تحتفظ بسعرها القديم عشرين جنيهًا.

الأجواء العسكرية التي صاحبت العقد التالي للإنقلاب، وشعارات الجهاد ضد الخوارج والكفار في الجنوب وإعلان التعبئة العامة للحرب الأهلية والتجنيد الإجباري لطلاب الشهادة الثانوية في قوات الدفاع الشعبي استنزف ريعان الشباب لجيل الثمانينات المغدور.

حظر التجوال الدائم بعد الحادية عشرة وفرض حالة الطوارئ في العاصمة قتلت حياة الليل في المدينة تمامًا. صارت المحلات تغلق باكرًا.

مع استحالة التنقل عند منتصف الليل. أرتال الدبابات في مداخل المدينة والجسور العابرة للأنهار الثلاثة، لدرجة كانت تحتم لأصحاب الحالات الطارئة من المرضى أن يصطحبوا مسئول اللجنة الشعبية الموالي للحزب الحاكم في الحي للذهاب إلى المستشفى وإلا يموت المريض.

لم يكن لشباب التسعينات أي مرتع. سُحبت كل امتيازات الشباب لصالح المتع المؤجلة في جنات عدن. مع الحور العين وأنهار الخمر والعسل في النعيم، مرورًاً بأدغال الجنوب طلبًاً للشهادة. استحدث قانون النظام العام. صار الحجاب إلزاميًا على النساء في بلد تسير النساء في قبائله البعيدة عن العاصمة عرايا، وصارت تجارة الكحول البلدية من عرقي ومريسة وكاني مورو لجبهة للحرب الثقافية لكل ما هو ليس عروبي إسلامي، وصار الجلد في أقسام الشرطة للسكارى أمرًا معتادًا.

لم تكن النقلة المائعة من هذا الوضع مفاجئة كقوانين سبتمبر. تحوّل الأمر تدريجيًا بعد انشقاق الحركة الإسلامية وإنقلاب الرئيس على عرّاب النظام، الشيخ حسن الترابي، ووضعه تحت الإقامة الجبرية.

فقد النظام جزءًا كبيرًا من شرعيته كنظام إسلامي رغم احتفاظه بشعارات العروة الوثقى، وشيئًا فشيئًا دان كل شيء للمؤسسة العسكرية والمخابرات على حساب الحزب الحاكم ومنظريه الأيدولوجيين، ومع توقيع اتفاقية السلام مع الجنوب ومنحه الحكم الذاتي وحق تقرير المصير،  صار للسفينة ربانان. إسلامي عروبي وعلماني أفريقاني. أحدث هذا التحالف المريب والغريب من نوعه خلخلة لقيم المدينة.

لم تطبق العلمانية في العاصمة الاتحادية كما كان يرغب جون قرنق، لكن قوانين الشريعة نفسها فقدت مصداقيتها، حتى مع انفصال الجنوب.

صار تطبيق القوانين المقيدة للحريات العامة انتقائيًاً ومزاجيًاً. تقرره اعتبارات القبيلة والطبقة الاجتماعية.

لا تستوقف الشرطة في الخرطوم فتاة لارتدائها البنطلون أو عدم تقيدها بالحجاب في حي العمارات الذي تنتشر فيه السفارات والمنظمات الدولية والموظفين الأجانب، لأنها على الأرجح ابنة أحد المتنفذين، على النقيض، يمكن أن يتم اقتياد فتاة محجبة في حي الديم المجاور لعملها كنادلة في محل يقدم الشيشة، ويتناسب ازدياد درجة سمار البشرة للموقوف/ة طرديًا مع درجة المعاملة السيئة التي قد يتلقاها في قسم الشرطة.

وفرت لي السكنة في وسط المدينة، الخرطوم ٢ تحديدًا، التوسط في موقع استراتيجي لحياة الليل. في موقع واصل بين زمنين.

ففي التقاطع الذي تقف فوقه شرفة شقتي أرى مجموعة من دكاكين السوبرماركت، التي كانت قبل ثلاثة عقود أشهر بارات المدينة.

وحده بار السليماني، ذا الطابقين، حاول تسجيل اختراق بعد تحوله إلى سوبر ماركت حنانة. كُنت كلما خرجت بفنجان قهوتي في المغارب إلى الشرفة استوقفتني الأضواء على سطحه إلى أن قررت ذات ليلة من العام الماضي اكتشاف المكان، الذي لم يكن فقط لحسن حظي يقدم الشيشة لزبائنه، لكنه كان أيضًاً تحت إدارة أحد رفاق دراستي الثانوية في القاهرة وجاري في حدائق القبة بكّار.

أماكن تدخين الشيشة هي معادل حديث للإنداية بمفهومها كمكان لتقديم خدمات ممنوعة. تلامس بالكاد الحرمات التشريعية، لكنها لا تلاقي نفس الدرجة من العداء، التي تواجه أماكن بيع الكحول، وهي تقف في درجة غريبة على التصنيف.

العمل في تقديم الشيشة مربح جدًا، لكنه مخالف لقانون ولاية الخرطوم، الذي سنه الرئيس ذات مرة.

تقول الأسطورة الشعبية أن أحد المصلين في المسجد، الذي صلى فيه الرئيس ذات مرة اشتكى له من انتشار محلات المصريين الذين يقدمون الشيشة، فقرر الرئيس منعها. لكن عدم تجريم قوانين الشريعة الإسلامية للتدخين بشكل قاطع، وإدمان شريحة كبيرة من المسئولين والضباط لها أنتج نوعًا من الاستثناءات، والتي يدرج على تسميتها رسمياً بالـ “تصديق”.

يُمنح التصديق لكل مواطن يرغب في مخالفة بعض القوانين مقابل دفع مبلغ من المال، في ممارسة رسمية للجباية.

تتنوع هذه التصاديق من تظليل زجاج السيارات، وحتى سماح السلطات بإقامة الحفلات المسائية، فكل الأعراس والمناسبات التي تتضمن حفلًأ موسيقيًا يستوجب إقامتها الحصول على تصاريح من الشرطة والمحلية للسماح باستخدام “الساوند سيستم”. يتجاوز الأمر ذلك لمدة الحفلات، حيث ورثت المدينة من حقبة حظر التجول عادة انتهاء الحفلات عند الحادية عشرة ليلًا، ورغم انتهاء حظر التجول في الخرطوم منذ عقدين، إلا أن السلطات المحلية تستوجب الحصول على تصديق (مبلغ من المال) مقابل كل ساعة إضافية يرغب فيها صاحب الحفل بتمديده بعد الحادية عشرة.

علاقات السلطة عامل مهم في استقرار هذا النشاط التجاري. يحكي لي بكّار عن الصعوبات التي يتعرض لها مع الشرطة من حين لآخر بسبب شجار نشب بينه وبين ضابط شرطة في محله تحرش بإحدى العاملات الأثيوبيات في المقهى.

لم تشفع رشاويه لكشك “بسط الأمن الشامل” المجاور للمقهى وجهاز التلفزيون الذي اشتراه للعساكر أمام رتبة الضابط الكبيرة. الأمر الذي أدى في النهاية لإغلاق المقهى.

رسم اباء احمد

أين تدخن الشيشة في الخرطوم؟

الآن عندما أرغب في تدخين الشيشة فإنني أتوقف أمام عدة خيارات تتفاوت ما بين الجنبات (غرز)، والمقاهي، ولكل منها مميزاتها وعيوبها:

نادي التنس :

هذا مجرد إسناد لأقرب معلم بارز للمكان، فهذه “الجنبة” التي تحوي عددًا من ستات الشاي ومعلميّ الشيشة في حي المطار تحتل أرصفة الأسفلت الضيق، الذي يمتد بعيد مخرج مطار الخرطوم مرورًاً بنادي التنس ومبنى مهجور تابع للسفارة الكويتية وحتى مقر جهاز الأمن والمخابرات، ولأن أغلبية زبائنها هم من المجندين وصغار الضباط في جهاز الأمن وقوات الاحتياط المركزي، فإنها تتمتع بميزتين: الأولى انخفاض سعر حجر المعسل : ٥ جنيه لمعسل الجراك، و١٠ جنيه لمعسل الفواكهة، وتمتعها بقدر عالي من الحصانة من قبل الشرطة، بحيث لا تتم الكشة (المداهمة) إلا لأغراض تأمين مرور موكب من المطار، الذي تطل هذه البقعة على طريقه مباشرة (شارع أفريقيا).

كافيه لافيل :

مقهى صغير داخلي في شارع ٣٩ المؤدي إلى موقف شروني بالخرطوم ٢. يحتوي على عشر طاولات تقريبًا. يقدم المشروبات الباردة والساخنة إضافة إلى الشيشة.

تعرضت أسعار المعسل للارتفاع في هذا النوع من المقاهي مع انخفاض سعر الجنيه مقابل الدولار ليصل سعر حجر الشيشة الواحد إلى ٣٠ جنيهًا.

مؤخرًا قام المقهى بتطبيق سياسة الحد الأدنى من الطلبات لمنع الزبائن من الجلوس في المقهى المكيف دون تكبد أي طلبات، وهي سياسة جديدة نوعًا ما على مقاهي ومطاعم الخرطوم،  إلا أن الميزة الأكبر المتاحة في هذا المقهى هو سماحه للجنسين بارتياد المكان وتدخين الشيشة، الأمر الذي يمثل خطورة في احتمالية مداهمة الشرطة للمكان [الكشة].

نادي الرياض :

ملحق بفندق يحمل الاسم نفسه لم يتم افتتاحه بعد في شارع الملك عبدالعزيز، الشهير بشارع النص، في حي العمارات مقابل النادي القبطي.

يقدم المقهى/المطعم الكبير نسبيًاً في طابقه الثاني مساحة من الغرف المغلقة المحتوية على تلفزيونات تؤجر الواحدة فيها بـ٢٠٠ جنيهًا للمجموعة.

النشاط الأهم للمقهى هو تقديمه للشيشة مع قائمة بالوجبات السريعة والمشروبات المتنوعة، ولاحتواءه على شاشات تلفزيونية كبيرة الحجم فهو ينقل المباريات في المناسبات الكروية ليتحول إلى صالة من الكراسي المتجاورة. يصل سعر حجر المعسل في نادي الرياض لـ٣٠ جنيهًاً، لكنه على الرغم من احتواءه على عدد كبير من النادلات الأثيوبيات الجميلات إلا أنه يمنع دخول الزبائن من الإناث.

السوق العربي :

وسط الخرطوم التجاري. يحتوي السوق العربي في شوارع الفرعية على عدد كبير من الجنبات، التي تحتل الأزقة والطوابق الأرضية لبعض المباني. قد تحتوي هذه الجبنات على تلفزيونات، لكنها فقيرة التجهيز وتحتوي في أفضل الأحوال على أجهزة تكييف مائية. سعر حجر المعسل هناك لا يتجاوز الـ١٠ جنيهات وهي أيضًا أماكن ذكورية تمامًا وإن احتوت على ستات شاي.

سوق الديم :

في هذا الحي الشعبي الذي يختلط فيه السكان من مناطق السودان المختلفة مع عدد كبير من الجالية الأثيوبية والإرترية، حيث تنتشر اللغات المحلية غير العربية في أصداء المكان.

تقدم الجنبات هناك أردأ أنواع المعسل والذي لا يتجاوز سعره هناك الخمسة جنيهات. لكنها رغم ذلك مناسبة لزبائن جلهم من الطبقة العاملة والفقيرة من سكان الحي والمتسوقين في السوق الشعبي، الذين يتوقفون هناك أيضاً لتناول المشروبات الساخنة من ستات الشاي.

في واحد من أرخص الأماكن التي يباع فيها المعسل وكافة مستلزمات الشيشة وأدواتها.


نشرت المقالة الأصلية في المدينة

رسمة المقال من أعمال الفنان السوداني ساري أحمد

رغبة قديمة لامتطاء أخطبوط

من اللحظات النادرة التي تسبق فترة التحاقي بالمدرسة ومازلت أحتفظ بها، هي ذلك اليوم الذي اصطحبتني فيه والدتي إلى مدينة الملاهي مع بنات أم خليل جارتنا الفلسطينية. ذلك اليوم راسخ في ذاكرتي بوصفه المرة اليتيمة التي رأيت فيها والدتي وبنات أم خليل بدون عباءات خارج المنزل، لأنه كان يومًا مخصصًا للنساء والأطفال في مدينة الملاهي بالرياض -مسقط رأسي- بحيث لم يكن يحق للرجال من غير الهنود والبنغال والباكستانيين العاملين فيها بدخولها. لقد كانت مدينة مسرات محرمة على الرجال، ولا أدري إن كان العاملون فيها من الآسيويين مستثنين من ذلك بسبب بيولوجي، أم أنها مجرد عنصرية تفترض فيمن هو غير عربي رجولة منتقصة، لا تلزم نساء المسلمين بارتداء النقاب في وجودهم.

لا تزال وجوههن حاضرة بنضارتها في خيالي إلى الآن رغم سني الذي لم يتجاوز وقتها السنوات الأربع. كن يافعات وممتلئات بالحيوية. حتى والدتي كانت أكثر حماسة مني في اللعب والتنقل من تسلية لأخرى. كانت قد تخرجت لتوها من الجامعة. تتشارك جدتي فاطمة في تربيتي كضرب من المسؤولية المريحة التي لا تشكل لها أي أعباء مضنية، وهو ما لم يتطور إلى تقصير بأي شكل من الأشكال. الفعلة الشنعاء الوحيدة الماثلة من ذاكرة الطفولة والتي ارتكبتها والدتي في حقي وهو ما لن أنساه ما حييت: تركها لي مع سمر لركوب الأخطبوط.

والأخطبوط ضخم بشكل مرعب. بثماني أذرع كأي أخطبوط حقيقي مع فارق جوهري هو مقدرته على العيش فوق الماء. كان على ضخامته يحمل في كل يد كأسًا ذات مقاعد تتسع لعدد معين من البشر. ما إن يملؤها حتى يلتف بهم حول نفسه صعودًا ونزولًا مما يبعث جوًا من المتعة المرعوبة بكل ذلك الصراخ الصادر من كؤوسه، فلا تعرف إن كان ركابه خائفين، أم مستمتعين، أم الحالتين معًا. ما يعد في كل الأحوال أمرًا ممنوعًا بالنسبة لطفل لم يبلغ الخامسة. لكن تلك المسوغات ما كانت لتقنعني أبدًا بالموافقة على عدم ركوب الأخطبوط حتى بعد أن بلغت من العمر 30 عامًا وربما إلى أن أموت! رغم عشرات الخطابيط التي ركبتها بعد ذلك مجازًا وحقيقة.

كان انتقامي وقتها هو أن أبتعد عن مجال مراقبة سمر، وهو ما قصدتُ به التسبب في مشكلة لماما التي سيجن جنونها إذا ما عادت ولم تجدني. لكن خطتي البائسة سرعان ما فشلت عندما وجدتني سمر جاثمًا على أحد الأرصفة بين كل تلك الألوان المتراكضة من الأطفال السعداء أبكي بحسرة، لأن أمي خانتني لتلهو مع أخطبوط!

الخطة التعويضية التي نفذتها سمر كانت أخذي إلى مجموعة من الأراجيح الدوارة التي كانت بالكاد تتسع لمؤخرة محشورة في قماط. أخذتْ تلتفّ بي الأرجوحة دورة بعد دورة، وأنا لا أرى سوى المشاهد نفسها تتابع داخل رأسي في شكل دوار مثير للصداع بينما تكرر لي وجه سمر الواقفة قبالتي بشعر مسترسل لم يصل إليه رجال هيئة الأمر بالمعروف وراء هذه الأسوار العالية من الفرح. بتكرارٍ باعث على السأم رغم ظرافتها ومحاولاتها الدؤوبة لإضحاكي. الشيء الوحيد الذي كان يتكرر أمامها مع كل دورة للأرجوحة هو طفل أسمر بدين عابس الوجه.

لسمر ذكرى قديمة معي قد تعود لفترة أقدم من يوم مدينة الملاهي فتحت عيني للمرة الأولى على ما يمكن أن يشعر به الأمر حيال إثنيته. لكن جهلي بالمصطلحات وقتها لم يرسخ الواقعة بشكل سلبي في ذاكرتي. كنت أقضي فترة الظهيرة في بيت أبي خليل بينما كانت أمي في الجامعة. ألهو مع سمر التي كانت تحب الرسم مثلي. جاءت بدفتر تلوين وأقلام رصاص من مختلف الألوان. بدأنا نلوّن معًا، وعندما رأيت رسومًا لأولاد يلعبون في حديقة بدأت في تلوين أحدهم باللون البُني كي يبدو مثلي. جُن جنون سمر، وغضبت لأنني لوثت وجه الفتى آمرةً إياي أن ألونهم فقط باللون الزهري أو أن أتركهم بيضًا دون تلوين.

عادت أمي من الأخطبوط لكن أرجوحة كتلك ما كانت لتنسيني ما فعلته. محاولاتها التالية لتهدئتي وإثنائي عن غضبي لا أذكرها، لكنها بطبيعة الحال كانت تنجح، فمن الأمور التي ظللت أحتفظ بها منذ طفولتي هو ذاكرة سيئة أمام كل ما ينغصني. مما جعلني إنسانًا أكثر تسامحًا مع من يخطئون في حقي، وإن كانت تُكسر تلك القاعدة أحيانًا لأسباب تقتضيها قذارة البشر، لكنني بطبيعة الحال أكملت حياتي بشكل طبيعي برفقتها، وحتى مغادرتنا للرياض بعد أن أثبت صدام حسين أنه لم يكن يمزح مع اقتحامه للكويت وبدئه بتنفيذ وعوده الجهنمية بإطلاق صواريخه الروسية العمياء باتجاه مدينتنا المسالمة، فكانت جدة، وكان البحر الأحمر، ولم أر ذلك الأخطبوط في مدينة الطفل السعيد مرة أخرى.

المرة التالية التي ذهبت فيها مع والدتي إلى مدينة الملاهي لنلهو فيها سوية، لا لمجرد اكتفائها بالفرجة، كانت بعد ذلك بستة عشر عامًا. في ملاهي السندباد بالقاهرة، وعلى صغرها، والمقارنة المعدومة بينها وبين مدينة الطفل السعيد في الرياض التي لم تختف في غياهب عصبونات الذاكرة بعد كل هذه السنوات. إلا أنها قدمّت لي اللعبة التي أمكنني فيها أن أشارك والدتي اللعب عليها ندًا لند “الشواية” كما يسمونها. مجموعة من المقاعد المنقلبة أفقيًا رأسًا على عقب بزاوية 360 درجة. قدمتْ لي لحظةً نادرة اكتشفت خلالها احتفاظ والدتي بتلك الشخصية المرحة القادرة على الاستمتاع بالحياة مع من تحب. رغم ازدياد وزنها وكبر سنها بما يمثل ضعف تلك الحسناء التي تركتني لتلهو مع الأخطبوط. غياب الأخطبوط في ملاهي السندباد هو ما لم يجعلني أتنازل عن أحقادي القديمة بشكل نهائي لكن انهماكنا سويًا في عاصفة الضحك ونحن محاصران بأحزمة مقاعد “الشواية”، وهي توجه أقدامنا إلى السماء ورؤوسنا لرؤية البنايات المقلوبة، خصوصًا مع سماعنا لابنة عمها وهي تختم القرآن بجوارها خوفًا من السقوط. كل ذلك جعلني أتأكد أن بعض اللحظات المفقودة من حياة المرء قابلة للتعويض بشكل أكثر جمالًا وإسعادًا عما كان يمكن أن يحدث في الماضي إذا ما تكررت الفرصة.

لاحقًا، استطعتُ أن أرى سمر في زيارة خاطفة لعمّان مع بقية أبناء أم خليل، وأم خليل نفسها. خالتي الفلسطينية التي علمتني حُب المقلوبة وألصقتْ بأنفي رائحة لا تمُحى للمريمية كلما رأيتُ كأس شاي. لم تكن بتاتًا تلك السمر اليافعة في مدينة الملاهي وقد غطتْ شعرها المسترسل من كتفيها في حضرة شاربي الناميين بطرحة مشجرة بأزهار ياسمين باهتة، ومن نظرتها الباردة والغريبة التي لم يكن فيها أي من تلك التعبيرات المرحة التي واجهت بها طفلًا ناقمًا تأكدتُ أنني لم أعد أبدًا أشبه ذلك الطفل الأسمر البدين الذي يريد ركوب الأخطبوط.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

أيام الخرطوم الأخيرة

[ كانت الأيام الأخيرة* في الخرطوم التي سبقت سقوطها عصية على أهلها، فانعدم الغذاء حتى أكل الناس الكلاب والحمير، وتفشت الأوبئة، وتناثرت جثث الموتى في الطرقات. حتى أعلن غوردون باشا عن منح عشرين قرشاً لكل من يقوم بدفن جثة، وكانت المدافع تقصف المدينة تباعاً فتبعث الرعب واليأس، وازداد تسلل الناس وانضمامهم لمعسكر المهدي، ثم بعث المهدي إنذاراً أخيراً إلى غوردون في الخامس والعشرين من يناير قال فيه : “فإن النصائح تتابعت إليك ولم تلق لها بالاً، والدلائل ترادفت عليك ولم تزدك إلا ضلالاً، لأن الحق يغشى قلوب المؤمنين ولا يزيد الطاغين إلا خسارا” ].

(محمد سعيد القدال ، تاريخ السودان الحديث)

إلى بشرى الشفيع خضر

كل شروقٍ للشمس هو بداية مبكرة لغروبها. أية ولادة هي طريق ينتهي بالموت. لكنني لم أمت بعد. كنتُ ممدداً على الفراش ليس إلا. بينما ينسحبُ الضوء تدريجياً عبر النافذة التي كانت تعُد في الخارج عتمةً جديدة. لكنها هذه الليلة كانت أكثر ضراوة.

مرّت قيلولتي بلا أحلام. توقفتْ المروحة تدريجياً وتحول السكون التام في الغرفة إلى عتمة خانقة تليق بظهيرة في ساعة كسوف. استيقظتُ وكأنني لا أزال نائماً. أشرعتُ جفنيّ عن آخرهما فعجزتُ عن رؤية أي شيء. أية محاولة لتشغيل المصباح كانت بلا جدوى. لقد نفذتْ الكهرباء.

شعرتُ بكسلِ روحٍ مغادرة تعجز عن تحريك جثتها. خلعتُ قميصي وألقيتُ به كيفما اتفق وكذلك فعلتُ بالبنطلون. مدتُ يدي في حدود الوسادة كأعمى يتحسس حدود أطرافه بحثاً عن الهاتف. كانت الساعة تشير إلى الثامنة إلا ربعاً. نمتُ فوق العادة. فتحتُ واتساب متصفحاً الرسائل الجديدة. مجموعة المحادثة التي كانت تضم أفراد عائلتي ازدحمتْ بوابلٍ من رسائل المجاملات والصور المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي لفساد الرئيس وحاشيته. مجموعة ثانية كانت لزملاء دراستي في الجامعة وأخرى لزملاء العمل استغلتْ غياب الإناث منها وامتلأت بالنكت الجنسية والألفاظ التي لا يجدر بالرجل «المحترم» التلفظ بها أمام امرأة ليست زوجته. تثاءبتُ إلى أن وجدتُ رسالة من ابتهال. فاجأتني على اقتضابها بعد فترة انقطاع طويلة بيننا : “وينك؟”. كتبتُ فور قراءتي لها : “في البيت إنتي وين؟”. كان البرنامج يشير إلى أن آخر مشاهدة لها على الخط كانت قبل ساعة. أخذتُ أنتظر حتى تقرأها لأتأكد من كونها على قيد الحياة أملاً فيما يسريّ عليّ مساء هذا الخميس الرتيب إلى أن خانتني بطارية الهاتف أخيراً بإنذارها أنها تضاءلتْ إلى ١٥٪ فأطفأتُ مؤشر الإنترنت محاولاً الحفاظ على رمق البطارية الأخير.

 خلعتُ سروالي الداخلي وأنا أجر ساقيّ إلى الحمام. أخذتُ دشاً فاتراً أيقظ أطرافي ودهمني بشحنة من النشاط. استمنيت وأنا أتذكر عبوس فتاة حبشية من الوجع استطعتُ أن أخطفها قبل شهر من الطاولة التي تجلس خلفها لبيع المشروبات الساخنة في شارع الصحافة لنتضاجع بشغف مقابل مائة جنيه ووعد بأن أكون زبوناً دائماً لمقاعدها. همستُ وأنا أقذف “تقست” وتراجعتُ فوراً عن رغبتي في شرب القهوة بحي الدِيم ما أن لطخ سائلي جدار الحوض .

ساد صمتٌ أثقلَ من وطأته الليل الحالك وتوجب عليّ الذهاب لفرع شركة الكهرباء لشراء رصيدٍ منها لمواصلة الحياة المدنية المتوقفة. أمي ليست هنا. ما دفعني للاشتياق لسماع بعض الإلحاح قبل أن أُهم بالذهاب. كانت تقضي عطلتها على مسافة تفصل الجحيم عن الفردوس برفقة أختي المتزوجة من مغترب في الإمارات. من المضحك أن أصف سفر أمي بالعطلة، وكأن لها مهنة غير البقاء في المنزل والطبخ والغسيل وتبادل النميمة مع جاراتنا. منذ أن قرر والدي أن الحياة في السودان لا تستحق أن يقضيها المرء مريضاً بالسكريّ وارتفاع ضغط الدم في سنين تقاعده المملة، ففر هارباً ونزل على جانبه الأيمن في حفرة ضيقة في مقابر فاروق اختفى فيها من سأم الحياة في المرض.

فتحتُ اللاب توب أملاً في ملئ الغرفة الشاغرة بخلفية موسيقية ما. أحبطني هو الآخر ببطاريته الموشكة على النفاذ والتي كانت بالكاد ستسمعني أغنيتين أو ثلاث قبل أن ينام. تملكتني رغبة غامرة في الاستماع للموسيقى. كان الأمر ليكون مرهوناً لأي فنان قبل أن أشعر بحنين مفاجئ لصوت محمود عبد العزيز. لم تكن ذاكرة الكمبيوتر تحوي أي أغنية له. فضلاً عن نفاذ البطارية، فيما ازدحمتْ ذاكرتي أنا بأغاني عديدة له. بكلماتها وألحانها. لولا أن صوتي كان يقتصر في قدرته الطربية على مجموعة من الصُم. تذكرتُ جهاز الكاسيت القديم والشرائط المردومة بالغبار في صندوق من الكرتون يحتل مساحة شاغرة تحت سريري مع الكثير من الكراكيب والهتش ما من سبب عملي للاحتفاظ بها سوى الحنين وحب التملك. نحن نعبد الكراكيب. خصوصاً تلك التي ورثناها عن أبي. لم يترك لنا سوى بيت من خمسمائة متر في نمرة ٣ وقطعة أرض منسية في الجريف اكتشفتُ في آخر زيارة تفقدية لها أنها تعرضتْ للاحتلال من أرملة نويراوية نصبتْ فيها خيمة كانت بالكاد تؤوي أبناءها الأربعة الذين يقتاتون من ريع بيعها للعرق. كانت تصنعه وتعبئه في قوارير البيبسي والكوكاكولا التي تفقد هويتها ما أن تمتلئ بالسائل الكحولي الشفاف. بجودة قل مثيلها بعد استقلال الجنوب ونزوح أغلب الجنوبيين إلى دولتهم الجديدة الممتلئة الآن بالحانات والنوادي الليلية وخمور مستوردة من كينيا وأوغندا. ذلك الحسد الدفين كان من جملة السمات الاجتماعية التي لطالما جعلتني أتمنى لو كنتُ جنوبياً. قبل أن تندلع الحرب هناك مجدداً بين رفاق التحرر، لأقنع بهويتي التعيسة هنا في الشمال.

 مكانٌ شاغر لبطارية واحدة في أحشاء الآلة كان يفصل بين صوتها وأذني. لم أكن قد استخدمتُ المسجل منذ شرائي لأول جهاز كمبيوتر قبل عشر سنوات. واصلتْ أمي استخدامه لفترة طالت قليلاً. لكنها هي الأخرى اعتادتْ التقنية الحديثة وصارت بارعة الآن في ملاحقتي يومياً ورشقي بوابل الرسائل المجانية عبر برامج المحادثة على الإنترنت حتى بات لديها حساب في فيس بوك اضطررتُ إزاءه لإنشاء حسابٍ آخر وهمي حتى لا أقع في حرج عدم قبولها في قائمة أصدقائي، وتعريض كتاباتي وصوري لفضولها وحبها الدائم للتلصص على خصوصيتي. تحديداً علاقاتي النسائية. بعد أن صرّحتُ لها معترفاً بعدم رغبتي في الزواج قبل أن أصبح مليارديراً، أو أن تقع في حبي ابنة ملياردير.

 خرجتُ قاصداً دكان صالح وأنا أحاول تذكر آخر مرة اشتريتُ فيها بطاريات. كانت حدقتاي قد اتسعتا تدريجياً وصار بمقدوري رؤية الأبعاد. لم يكن القمر قد أشرق بعد عندما اكتشفتُ أن الحِلة بأسرها كانت تعاني من انقطاع التيار الكهربائي. رغم ما يشكّله ذلك من صعوبة. كون انقطاع التيار عن منزلي ليس بالأمر الذي يمكنني أن أنهيه بشراء الكيلووات بالمال. إلا أن إحساس المشاركة في الأزمة مع جيراني أشعرني أكثر بالتضامن وأقل بالسأم.

 كان صالح يبيع بضاعته في الدكان العتيق منذ أن كنتُ في المدرسة. يجلس على بمبر قصير من المعدن مع جمع من الجيران الذين كنت أعرفهم بالاسم. سنوات من المآتم والأعراس والسمايات والأعياد كانت كفيلة بأن يعرف أكبر شيخ في الحِلة أصغر غلام فيها، ورغم توقفي عن صلاة الجمعة في المسجد إلا أنني لا زلتُ أحتفظ بعلاقة ود مع الجميع. خاصة أن لوالدي حظية لدى أغلب الجيران بسمعة لم أبذل أي مجهود لتوارثها والحفاظ عليها في سلالته. سلمتُ عليهم واحداً واحداً بمزيد من الإجلال يناسب أعمارهم سائلاً صالح:

– بلقى عندك حجار بطارية ؟

– البركة في قطعة الكهربا الخلت الناس تتذكر البطاريات.

تدخل أستاذ خوجلي العجوز الذي درسني لعامين في مرحلة الأساس :

– قالوا الكهربا قاطعة لغاية بُريّ.

– موت الجماعة عرس!

علّق عوّض. الذي كان أصغرهم سناً وأكثرهم ثراءً لعمله في قطع غيار الركشة.

 أطلق عم صالح صيحة “يا قنديل” ووجه من مقعده فتاهُ الذي كانت تبتلعه رفوف الدكان بغبارها ليبحث عن البطاريات. كان في وقفته خلف لهب الشمعة يضاهي ظله في سواد البشرة حتى لبدا هو الآخر ظلاً لعم صالح في دكانه. ما كان يشكل مفارقة مُرّة مع اسمه المضيء بينما تختفي ملامحه تماماً في العتمة. لا أذكر أنني تبادلتُ حديثاً مع هذا القنديل تجاوز عبارات السلام الرتيبة منذ أن جاء به عمه العجوز إلى هنا. خالد. كان أحد الخدم في بيت أبي صالح، والذي ربطه حبل الرق الرمزي بعائلة مالكيه القدامى وقرر من تلقاء نفسه التحرر منهم بعد أن أسكرته مريسة اتفاقية السلام بالكثير من الأمل الكاذب، وعاد إلى قطية من القش في سفح أحد جبال النوبة التسعة والتسعين. قبل أن يعود مع اندلاع الحرب مجدداً بين عشيرته والحكومة فيما بدى لوثةً نسي الجنوبيون أن يأخذوها معهم إلى دولتهم الوليدة. عاد خالد بصحبة هذا الشاب. الصامت دوماً والمغلوب على أمره. كانت الأقاويل المتداولة تبرر عدم رضاه بنعمة الأمان في العاصمة بطموحه الطبقي الذي لم تتسع له جدران دكان صالح. يعزز ذلك حصوله على درجة البكالوريوس في تخصص ما من جامعة كادوقلي. لم أكن متأكداً إن كان في جنوب كردفان كلها جامعة أم لا، ولم أرتكن إلى سهولة أن التأكد من صحة تلك الأقاويل يرتهن فقط إلى سؤال عم صالح عنها أو حتى قنديل نفسه، فهو لم يكن يعنيني في شيء، وكل ما أردته منه هو أن يناولني ما سيفيق الحوت من أعماق بحره ليغني بصوته الجهور في غرفتي.

 سألني عن المقاس الذي أرغب في شراءه وهو ينفض الغبار عن العلبة عندما قررتُ احتياطاً أن أشتري أربعة أصابع جديدة. بدلاً من محاولات العض بالزردية على البطاريات القديمة أملاً في تنشيط شحنتها بالطرق التقليدية، وما تقتضيه في حالة عدم نفع العض أن يتم الاحتفاظ بالبطاريات لفترة من الزمن في رف الثلاجة. التي آلتْ درجة حرارتها الآن إلى ما يليق بخزانة ملابس. نقدتُه ورقة لم أتبين تحديداً فئتها قبل أن يعيد لي الباقي دون أن أعدّه. ضحك صالح على نكتة سخيفة ألقى بها عوّض فيما شيعتهم بابتسامة مقتضبة عائداً باتجاه كلابٍ استغلتْ الظلام لاحتلال الصدى بنباحها في أزقة خلت بدورها من المارة.

 أربعة شرائط بأسرها وجدتها لمحمود عبد العزيز لم يشفع شرائي للبطاريات الجديدة لكي يعمل المسجل ويوقظها. نسيانه مركوناً في تقاعده ذاك قتله كليةً. وجدتُ الكثير من الشرائط القديمة التي لطالما أطربتني في الصغر. شريطان لفرقة البلابل. الماستر: ألبوم من توزيع يوسف الموصلي لطالما قتلتني كمنجاته في أغنية «أقول أنساك» وما تذكرني به وبما يود العاشق الخائب أن ينساه. حتى مع الشخشخة الصادرة من الشريط وكأنها مؤثر صوتي مقصود لإثارة الحنين لزمن آفل. تحديداً عندما ينقلب اللحن عند الجملة الموسيقية :

“حبك عشته من أول .. من زمناً بعيد طوّل

ما بقدر أسيب حبك .. أغيب عنك بعيد وأرحل”.

الآخر المنسوخ كتب على ملصقه بقلم أزرق جاف «البلابل والكابلي». أتذكر منه عن ظهر قلب قصيدة منسوبة ليزيد بن معاوية اتسقت كلماتها الكلاسيكية بغرابة مع اللحن وهي تغنى على الإيقاع الخماسي. شرائط لألبومات مختلفة لفرقة الجلاد قبل أن ينفرط عقدها. تسجيلات لحفلات محمد الأمين في لندن والدوحة. محمد وردي بالطبع، أحدها كتب عليه بنفس القلم “طنبور رطانة”، وجلسات بالعود لزيدان إبراهيم ومصطفى سيد أحمد، وشريط نادر لأغاني بالأمهرية لحنان بلوبلو قبل أن تتزوج محمود عبد العزيز الذي صار صوته يحكني من داخل جمجمتي فيما يشبه نوبة المدمن إلى الجرعة. كنت لأستسلم للملل بصحوة المستيقظ للتو قبل أن أتذكر أن جهاز المسجل في سيارتي لا يزال يعمل، فخرجتُ.

يا روحي أنصفني

يا روحي..

لأنه..

لأنه..

لأنه قاسي عليّ

أنا يا حبيب روحي

يا روحي..

في حكمك

لأنه..

لأنه قاسي عليّ

أنا يا حبيب روحي

يا..”

أدرتُ المحرك لأقف في حالة التأهب دون أن أضيء مصابيح السيارة أو حتى جهاز التكييف المعطل. أخرجتُ عرنوس البنجو الأخير من الدرج وبعد تنظيفه من البذور لففتُ سجارة سرعان ما أشعلتُها وأنا أدوس على البنزين لأفسّح السجارة. بدأ الخدر يتسلل إلى رأسي شيئاً فشيئاً وأنا أتحرك خارجاً إلى شارع الصحافة. أقود ببطء فيما يزحف صوت محمود الشجيّ في طبقاته العليا، والرخيم كلما تراوح في المساحات الدنيا. شيئاً فشيئاً داخل رأسي. أنفثُ الدخان من النافذة في اتجاه مصابيح الرصيف النائمة. فيما تستيقظ نجوم السماء للسهرة، وتلمع على غير العادة فوق شوارع الخرطوم. أغلق النوافذ لأحبس رائحة البنقو. كان محمود على المقعد المجاور لي مواصلاً الغناء. يسرح بعينين لا تحدقان في شيء بعينه فيما تخرج الكلمات بعذوبة من حنجرته. يدوخ رأسه مع اللحن فأرى خلف رأسه طول خصلات شعره اللامعة والممسدة بعناية قبل أن يعيد جمجمته للخلف في الوقفات ليرتطم بمسند المقعد ويواصل إطفاء عينيه كمن يغفو. عوض أحمودي في الخلف يعزف على العود وهو يهز رأسه باستمرار بنظرة إلى السقف تغيب عن الضوء خلف نظارته المعطلة. من ورائي تماماً عازف إيقاع مغمور لا أرى وجهه. أغنية الحقيبة العتيقة التي لا أستمع إليها إلا من فم محمود تنبض مع ضربات قلبي فيما تستوحذ علي سعادة السَطل المؤقتة. مبتسماً للبيوت والدكاكين التي امتلأت بمصابيح البطارية وألسنة الشموع، والسواد يلتهم المشوار دون أن ينتهي إلى ما يفوق في حجمه الشرارة. تندلع أغنية أخرى في الوقت نفسه فيلتفتُ إلي الحوت منزعجاً من التداخل. النشاز لا يوقف عوض عن ضرب أوتار العود لكنه يشوشه. أتبين رنة هاتفي وأنا أبدل تروس السرعة في اتجاهٍ بلا هدف. أتناول الهاتف. إنها ابتهال.

– ألو ؟ أنت وين يا دين ؟!

– ويـــــــــن يا بهلولة ؟!

أشد الياء ابتهاجاً بصوتها فيما تقضمها عندما تصمني بالدين. قطعتُ من رأسي كنية لم يسبق لي أن ناديتها بها. «بهلولة» فتضحك. لم أنطق بأي جملة إضافية فعرفتْ ما يدور برأسي من سحابات البهجة، فاعترفتْ :

– مُشتهياك

– أنا كلي حقك

– طيب تعال ياخ!

– إنتِ وين ؟

– سألتني في الواتس نفس السؤال ورديت عليك لكين إنتَ اختفيت.

أردتُ أن أخبرها أن الهاتف يحتضر، وأن الحياة بلا كهرباء تليق بطريق سفر ينتهي في حقول السمسم بالقضارف. لكن اختصارها لاسم البرنامج بذكر مقطعه الأول وقف في حلقي كلقمة أكبر من قدرتي على البلع. أكره من يسمون فايس بوك بالفيس، وواتساب بالواتس، وعبد الله بالعبد، فسألتُها بعد هنة :

– الكهربا قاطعة عندكم برضو ؟

– إنت عايش وين ؟ الكهربا قاطعة من الخرطوم كلها.

تأكدتُ من ذلك ما أن لففتُ المقود وعدتُ شمالاً باتجاه شارع القيادة العامة. قدتُ من الخرطوم ٢ حتى امتداد ناصر في ظلام حالك أنقذتنا من حوادثه مصابيح السيارات. كل المباني ملثمة. حتى منشآت القوات المسلحة بامتداد الشارع الذي كان يصب في النيل. مررتُ بجوارها كشبح. مبنى القوات البرية على شكل طابية محاصرة. مبنى القوات البحرية على شكل قارب على وشك الغرق. وحده مبنى القوات الجوية وسقفه البليد الذي يبدو وكأنما حطت عليه طائرة بالفعل كان مضاءً عن آخره باستثناء غريب. الرمزية الساذجة لمعمار هذه المنشآت عديمة الجدوى ذكرتني بما قاله لي صديقي محمد حمد ذات مرة ونحن نعبر أمام المنطقة العسكرية الأخطر في البلاد:

– هنا بيبنو في مبنى على شكل عين.

– وده شنو ده كمان ؟

– مبنى الدفاع بالنظر!

يضحك محمود عبدالعزيز حتى الدموع ما أن أتذكر سخرية صديقي على تصريح وزير الدفاع السابق. الذي تفوه به في لقاء تلفزيوني مصوّر ومنقول للملأ. أعقب قصف سلاح الجو الإسرائيلي لقافلة عسكرية في شرق البلاد كانت تهرب سلاحاً لقطاع غزة. مبرراً غياب الدفاعات الأرضية ورصد الهجوم بالرادار إلى اعتماد جنوده في مراقبتهم على العين المجردة، وأنهم كانوا على استعداد لصد الهجوم الغاشم لولا أنهم كانوا يؤدون صلاة العشاء فيما كانت طائرات العدو المهاجمة قد أطفأت كشافاتها.

أضحك مع محمود وأواصل القيادة حتى شارع عبيد ختم. يعلق أحمودي من الخلف بأن قواتنا المسلحة عاجزة عن صد أي هجوم خارجي. لا الحفاظ على حلايب من المصريين، ولا على الفشقة من الأثيوبيين، ولا على بقايا السيادة الوطنية المزعومة من الإسرائيليين، ولا حتى من أي مليشيات محلية أو مجاورة. أندهش من رأي أحمودي وأوشك أن أغمز بالتساؤل عما إذا كان قادراً على قول ذلك في إحدى الحلقات الكثيرة التي يظهر من خلالها على التلفزيون. أتراجع عن ذلك في رأسي مواصلاً الضحك. أكتفي بالقول بأن الجيش بارع فقط في قصف المدنيين والعزل في الأطراف المنسية. يصمت محمود فأدرك أنه استاء من انجراف بهجة البنجو إلى السياسة. أقف في أول إشارة مرورية بلا أضواء فيما يبدأ سياج المطار في الظهور على اليمين. أتذكر كيف حطمناه يوم جنازة محمود. ألتفتُ إليه لأسأله إذا ما كان قد سمع أصوات هتافنا الساخط وكأننا نزلنا في مظاهرة غضب من الله الذي خطف منّا تسجيتنا اليتيمة في هذا العالم، مكرراً فعلته بعد أن أسقط طائرة جونق قرنق، ولم يبق إلا على من يؤدون أدوار الشر في الفيلم المسيخ. لا أجد محمود. المقعد فارغ. رأسي يتخلص من سحابة البنجو الأخيرة التي تتبخر ما أن تنطلق أبواق السيارات المزعجة من خلفي وهي تحتج على توقفي أمام مصباح الإشارة المعتم. فأستاء من السياسة التي تتسلل عفانتها حتى إلى خيالتي وحيداً.

فوضى مرورية. لا أحمر ولا أصفر ولا أخضر. مصابيح سوداء وزحام عبثي كأنه القيامة. بطارية الهاتف تقل عن ٧٪ وأنا أسابق الوقت للوصول إلى بيت ابتهال. أستعيد وعيّ تدريجياً وأتذكر طريقاً مختصرة لا أدري إلى أين ستنتهي حتى تجلس ابتهال بجواري بكامل حضورها.

لم أنتظر كثيراً أمام مطعم الموناليزا الذي لم يكن يقدم البيتزا ولا الباستا بل الكوارع. الفكرة وحدها كانت قادرة على تبديد الجوع من رأسي. كيف لأشهر لوحة في متحف اللوفر أن تكون اسماً لمطعم يقدم حساءً من حوافر المواشي ؟ كنت أرغب في طرح السؤال على ابتهال فقط لإثارة السخرية لكنها ما أن فتحت الباب.. أن أرى تلك الابتسامة مجدداً وحضنها المدبب الذي لطالما زغزغ رغبتي للغرق في حضنها حتى النوم، بذاك العطر الذي لا تحسن أن تغوي بغيره.. نسيتُ ما وددتُ قوله. لومها وسبابها كان يليق أكثر بابن عمتي لا بصديقة قديمة. لطالما رغبتُ أن تتطور علاقتنا إلى ما هو أبعد من شكوة كل منا للآخر من قصصه الغرامية الفاشلة والمآسي التي ينتهي إليها وقوعنا بالحب. ثمة فراش ما كنا نتفق ضمنياً على أن لا نتوسد كلمات الغرام فوقه والاكتفاء بالونس. في شكل من العلاقات لم يكن قد سبق لي أن اختبرته مع فتاة. أشتهيها وتشتهيني. لكننا نخشى أن نتخذ أي خطوة في اتجاه اشعال الشرارة إلى آخرها مخافة أن نحترق.

 كل شيء كان كلا شيء. الخرطوم عمياء تماماً لدرجة توقفت فيها عن الانشغال بالتهديد ونحن نعبر عن أبسط رغباتنا. قبلتُها على خدها محاولاً استطعام أحمر الشفاه في طرف فمها دون أن أراه، وكأنني أختبر منعتها. لم تكن قبلة كاملة في الفم لكنها راوحت الأطراف وهي لم تعلق، ومارسنا تنقيب الظلام.

عدتُ باتجاه شارع أفريقيا ملتفاً على المطار من جانبه الآخر عندما أدركتُ أن البقاء وسط الخرطوم يعتبر إهداراً لهذه الليلة الاستثنائية من الضياع. كان شريط الكاسيت قد انقلب إلى جانبه الآخر داخل المسجل في اللحظة التي أنهتْ فيها ابتهال آخر شعلة من اللفافة. قامت بحركة لا إرادية بأصابعها محاولة إنزال طرحة لم ترتديها أصلاً. ضحكتُ بمفردي دون أن تعلق مكتفية بإرجاع مقعدها إلى الخلف مختفية عن أنظار مارة وعابرين ما كانوا لينشغلوا بها في لجة الفوضى. لطالما أحببتُ رغبتها الدفينة في التخلص من كل شيء يعيقها. في التعريّ. رغم أنني لم أرى أبداً حدود جسدها إلا ملثمة. كانت قد وصلت أخيراً إلى حالة الغياب فيما تزداد وطأة حضورها على خاطري.

 نطقتْ بعد فسحة من الزمن لم أشعر بوطأة مروره :

– عايزة شيشة.

 دائماً ما تعبر عن رغباتها المفاجئة فور بلوغها للخاطر. قبل عامين. كنا نجلس بجوار سيدة تبيع الشاي في شارع النيل. تحديداً عند التلة في آخره قبل الالتفاف لشارع أوماك. عندما بدأ ثلاثة فتيان ممن يعملون في غسل السيارات بتشغيل أغنية من مسجل سيارة برادو كانوا يعملون عليها وفوجئوا بأن الأغنية كانت لنجاة غرزة وعازف الأورغ الربع، فرقص ثلاثتهم في وسط الشارع ببناطيلهم المشمرة ودلاقينهم المبلولة. كان مشهداً مبهجاً دفع الجميع إلى الضحك بمن فيهم صاحب السيارة. ابتهال المجنونة قفزت باتجاههم وأخذت في الرقص. اندلعت صيحات مرعبة كالتي تخرج من شاحنات نقل الجند عند أداء الجلالات، وقبل أن تصل أية سيارة نجدة كنت قد دفعت الحساب وخطفتها. لم أكن بعد قد اشتريتُ سيارتي المازدا فاستقلينا الأمجاد.

 صاحت بيأس: عايزة أرقص!

 وأخذتْ تحكي بأسى في سيارة الأجرة عن عطلتها السابقة بالقاهرة. عن النوادي الليلية التي ارتادتها، وشوقها إلى تلك الليالي التي كانت تسهر فيها حتى ساعات الصباح الأولى منهكةً من الشرب والرقص دون أن يقف على باب الفندق منتظراً رقيبٌ أو حسيب. تفحصتُ ثيابها، وسألتُها إن كانت تمتلك فستاناً للسهرة: أكيد! قالتْ، واتجهنا إلى امتداد ناصر.

بعد ساعة. كانت ابتهال في ثوب سهرة أزرق . يكشف ظهرها بشكل مثير للمشاكل والعسكر . ما جعلها تغطيه بشال خفيف من الساتان كانت نظرتي له لاتزيد عن كونه ورقة توت . لكنني اختطفتها إلى قاعة أفراح ما في حي العمارات . دخلنا . تناولنا العشاء أولاً ثم دخلنا إلي ساحة الرقيص لنسلم على العريس والعروس – لم نكن نعرف أياً منهما – مستغلين حالة الفوضى التي يمثلها حضور عشيرتين ترتبطان للتو برابطة النسب . اضافة إلى الزملاء والأصدقاء من الجانبين ، ورقصنا مع الفنان وفرقته الصاخبة دون أن يلتفت أي شخص إلى كوننا غريبيين تماماً عن حفل الزفاف . المكان الوحيد الذي كان يوفر لابتهال الشعور أنها في نادي بموسيقى حية.

 في العادة كنا نقوم بتدخين الشيشة في بيت أحد أصدقاءنا المشتركين. غامرنا مرّة أو مرتين بالتدخين في مطعم فينسيا المطل على النيل. كان يشكل قدراً من الحماية لأنه كان تابعاً بصورة ما للجيش. رغم أن تدخين الشيشة في الأماكن العامة كان ممنوعاً حتى على الذكور. أصحاب الامتيازات الأعلى في البلد. في حالة الفتيات فهن دائماً عرضة للاعتقال. خصوصاً إذا كن كابتهال. من اللاتي لا يولين اهتماماً باحترام الزي المحتشم. متجاهلات للف رؤسهن بالحجاب أو ممن يتجرأن على الخروج من منازلهن ببنطلونات الجينز. كأن أي فعل يقوم به الإنسان لعيش حياة طبيعية هنا هو خرق للقانون. للعادات والتقاليد. وحده القتل، وتشريد الآلاف من قراهم واحتكار الثروة وسرقة المال العام كان أمراً عادياً. كان سياسة الدولة.

 توقفتُ على بعد عشرات الأمتار من بوابة الوصول في المطار. تذكرتُ قرمبوز عندما قال ذات مرة ونحن نقف في شرفة بمقر السفيرة الهولندية ذات حفل : البلكونة دي مطلة على أحلى مكان في السودان.

– وين ده ؟

أشار باصبعه باتجاه مباني المطار قائلاً: صالة المغادرة.

 انتبهتْ ابتهال لتوقف السيارة. التفتت لليمين فرأت مدخل نادي التنس. سألتْ : حننزل هنا ؟

 أشرتُ للناحية الأخرى من نافذتي. كان هناك ما يشبه الحديقة في المساحة الفاصلة بين حي المطار وشارع أفريقيا. أشجار من النخيل كانت تؤوي تحتها في الهواء الطلق عشرات الكراسي البلاستيكية لسيدات يبعن الشاي وشبان يتجولون حاملين لأنابيب الشيشة المعدنية وقللها الزجاجية. لم يكن باستطاعتنا إلا أن نميز حمرة الجمر وأضواء السيارات في الخلفية. كانت دامسة تماماً :

– يلاّ!

 تجاسرنا ونزلنا. مساحة الغياب التي توفرها العتمة إضافة للتجاهل الذي عيشتنا فيه غيبوبة البنجو كافية لألا ينتبه أحد إلى أن ابتهال امرأة. رغم أن كل من يبعن الشاي كن نساء. إلا أن انحصارهن خارج مرتبة الزبون. انتمائهن لشريحة لا تُصنف هنا ضمن «بنات الناس» و«أولاد القبايل» كان يجعل من تواجدهن كخادمات مسموحاً. رغم أن كل ما كان يجعل من ابتهال ممنوعة من ارتياد مكان كهذا – لحماية سمعتها – كان متوفراً فيهن إلا مدى سواد البشرة. معيار التصنيف الأكثر عبثية في بلد نالت اسمها لسواد بشرة أهلها.

 طلبتُ لها شيشة ممتنعاً عن مشاركتها. لم يعلق الشاب على وجود ابتهال بملامحها المموهة مع انعدام الضوء. فيما أكدتْ هي عليه بحرص : “نعناع صافي!” واختفى إلى بقية شأنه ما أن وضع أمامها الشيشة. فيما طلبتُ أنا من بائعة الشاي فنجاناً من الجَبَنَة. كان الكافيين مواتياً لمزاجي ساعتها. بينما شعرتْ ابتهال أخيراً ببهجة التدخين في الشارع وسط الجموع.

 على عكس بقية العاصمة. كانت هذه المساحة مستقلة عن سلطات محلية الخرطوم وموظفيها المدججين بشرطة أمن المجتمع. مثلتْ تلك الفسحة استراحة للجنود وصغار الضباط من العاملين في جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي لم يكن مقره الرئيسي بعيداً، ورغم ما يمثله جنوده من الرعب لأي كان. كانوا هنا يجلسون بشكل مسالم بينما يدخنون الشيشة ويشربون الشاي ويتسامرون كأي بشر طبيعيين. حتى أولئك الذين يرتدون زيّ قوات الاحتياطي المركزي. كانوا هنا يرفهون عن أنفسهم ويضحكون. متخلين عن قدرتهم على التحول إلى وحوش وأشباح. بل وينقدون الباعة ثمن مشروباتهم ودخانهم. في أرخص مقهى يمكن أن يرتاده المرء في الخرطوم ٢. لأن زبائنه لم يكونوا كأي زبائن. كانوا «أسياد البلد».

 أمسكتْ ابتهال بيدي متجاوزة حدود المروءة. مواصلة إخراج الدخان من فمهما بأريحية تامة كتنين أليف. شعرتُ لأول مرة بالسعادة في الشارع. كنتُ أحدق إليها صامتاً خيفة أن ينتهي الأمر باستيقاظي في فراشي. عندما ترامى إلى أذني صوت شخص يجلس في الجوار:

– قالوا الجبهة “السَّورَّية” ضربت سد مروي!

 يبدو أن الشائعات قد انتشرت أخيراً:

– الجبهة الثورية دي مش في الغرب. الجابها الشمالية شنو ؟

– يا زول إنت نسيت ؟! قبل ستة سنين دخلوا أم درمان عديــــــــل كده!

– الله يستر ما يجو تاني!

– شكلو كده.

 تذكرتُ تلك الأيام. كانت بيانات حركة العدل والمساواة قد أسمت تلك المعركة بـ«عملية الذراع الطويل». التي انتهتْ بمجزرة قتل فيها أطفال مدججون بالسلاح على مركبات بيك أب استطاعتْ بشكل مفاجئ أن تخترق غرب العاصمة في غفلة من الجيش وأجهزة الأمن. انتهتْ المعركة فوق جسر يفصل كلية القيادة والأركان عن غابة السنط في الخرطوم بانتصار قوات جهاز الأمن، وانتشرتْ الأساطير بعدها عن أولئك المقاتلين التائهين. الذين استطاعوا أن يقطعوا المسافة الساحقة من تخوم تشاد حتى وادي النيل في ليلة واحدة هزت كيان سكان العاصمة ووهمهم الهش بأن بقاءهم في العاصمة يجعلهم بمعزل عن أهوال الحرب المستعرة في أقاليم الغرب وكأنها في دولة أخرى. حتى لكان طلبة الجامعات يهرعون إلى حملات التبرعات والتظاهرات الجماهيرية لنصرة فلسطين و«المجاهدين في غزة» متجاهلين مواطنيهم الذين يُقتلون ويتقاتلون في مكان مجهول وبعيد يدعى دارفور. انتشرتْ الصور والتقارير في اليوم التالي للمعركة. عشرات الأسرى من المراهقين الذين كانوا ينظرون للكاميرا بذهول. تاهوا عند أول شارع مرصوف ومحاط ببنايات من طوابق متعددة. بعضهم كان يسأل السكان عن مقر مبنى الإذاعة وبعضهم وصل هناك بالفعل وفوجئ بالدبابات تستقبلهم من بوابة مسرح الفنون الشعبية والمسرح القومي اللذين يعشش فيهما جنود يفوق عددهم الممثلين والمخرجين كأي ثكنة عسكرية. لم أنس بعد زوجة عمي الذي يعيش في حي العباسية وهي تحكي عن الجارات اللاتي خرجن لاستقبال “الجنجويد” – على حد تعبيرها – بالزغاريد وأطباق الطعام كأنهم المخلصون. متناسية أن من يُطلق عليهم الجنجويد هم الذين يقاتلون لحساب عشيرتها هناك.

 غرقتُ في كوابيس الماضي حتى أيقظني صوت اللاسلكي.

قفزتْ ثلاثة أشباح من كراسيها وتحركتْ ناحيتنا وتجاوزتنا. سحبتْ ابتهال يدها من فوق ذراعي وألقت بليّ الشيشة على الأرض. لكنهن غادرن في الاتجاه الآخر، وعندما عبرن الشارع من أمام سيارة توقفتْ لهن تعرفتُ على زيهم، وبدتْ سحنات الجند – وللمفارقة – من قبائل غرب البلاد، فيما لمحتُ طبنجة توجه فوهتها النائمة باتجاه مؤخرة ثالثهم. بدا أن ذلك المقبض سيستخدم أخيراً. هنا وسط الخرطوم.

 قالت ابتهال بفزع : يلا نمشي!

 مررتُ عشرة جنيهات للسيدة التي كانت هادئة بتواطئ، وكأن ما سيجري لا يعنيها. الجميع بقوا في أماكنهم. في ظرف دقائق خمس كنتُ أنطلق بالسيارة في اتجاه الشرق.

 “مســــــــــــاء الخيــــــــــر 

يــــــــــــــــــا أميــــــــــــــر

يا الحُبَك.. شَغَلَ الضميــر

الضميـــــــــــر يــــــــــــــا

غيرك ما لــــــــــــــــــــــي

سميـــــــــــــــــــــــــــــــــر”

 كان محمود عبدالعزيز يلتهم مساحة الصمت التي بيننا بأغنية عبدالعزيز أبو داوود الأثيرة لدي. كنتُ قد شغلّتُ الراديو خطأً ليلتقط موجة إذاعية من أم درمان فيما كانوا يذيعون أغنية من تراث الجعليين – أو البطاحين لا أذكر – بوصفها نشيد المذابح العرقية المفضل لجنود الجيش :

«أنا ليهم بقول كلام.. دخلوها وصقيرها حام»

 ضغطتُ الزر لتشغيل الكاسيت فوراً. كانت ابتهال غائبة عن الوعي. فيما قفز إلى ذهني تسجيل مصوّر للأغنية شاهدتُه على يوتيوب ذات أمسية مازوخية. أدتها على المسرح مجموعة من الفنانين المصاحبين للسر قدور من برنامجه «أغاني وأغاني» هذه المرة في حفلٍ بالأُبيض. كان المسرح يعج بالجمهور من سكان كردفان عندما هرع إلى الخشبة كل الجالسين المعممين في الصف الأول ملوحين بعصيهم مبتهجين بأغنية الحماسة سيئة السمعة. إلى أن رأيتُ في صدرهم والي شمال كردفان أحمد هارون، فأغلقتُ اللاب توب من الهلع!

 شيء من الضباب بدأ يغلف الأجواء. بدت الصورة أكثر عتمة مع شيوع الكتاحة. كأن انقطاع الكهرباء عن المدينة لم يكن كافياً لإثارة الفوضى لتضربها عاصفة من الرمل. جو من الخوف بدأ يتسلل متأخراً من نوافذ السيارة وأصوات أبواق السيارات تعلن غرق المدينة. رأينا ونحن نغلق النوافذ من بين الضباب الرملي دبابتين تخرجان من سياج المطار إلى اتجاه ما. فيما كانت دبابة ثالثة واقفة عند ناصية شارع جانبي أحاطتها فوضى من الركشات. قدتُ قاصداً الشوارع الجانبية في اتجاه يبعدني عن هنا. عندما وصلنا إلى شارع النيل في اتجاه برج الاتصالات الشاهق سألتني ابتهال :

– ماشين وين ؟

– حنهرب!

 دقائق أخرى وانتهينا في حيّ الجريف. عبرتُ من أمام أرض أبي فوجدتُ الخيمة فارغة. لم يكن ثمة أثر للأرملة وأبناءها سوى أقمشة مأواهم التي أخذتْ تتهاوى مع هبوب الريح. تخليتُ عن فكرتي المبطنة وقُدت باتجاه المزارع المطلة على النيل الأزرق. في حصاره الطبيعي الذي كان يطبقه على العاصمة من الشرق ملتفاً في شمالها إلى الغرب حيث يلتقي بالنيل الأبيض وهو يطبق الحصار على الخرطوم من جهة أم درمان. ليواصل في مقرن النيلين أطول قبلة في التاريخ. باتجاه بحر الهرب الأكبر. المتوسط.

 عندما توقفتُ أمام النيل كان الماء أسود. حتى القمر كان في المحاق.

 تطبق المزارع من حولنا بمزيد من الوحشة. لا يصدر منها إلا صوت جريد النخل المتراقص للريح. كمائن من الطوب كانت تحتل الضفة من أمامنا اختفى عمالها وغفيرها. غادرتُ السيارة ممسكاً بيد ابتهال ونزلنا في اتجاه الماء. الدخان الخانق في الضفة ينتشر حيث جلست نسوة من النوير ميزتهن في الغبار. كانت لهن نفس الشلوخ التي على وجه الأرملة. أكبرهن سناً كانت المعلمة. تجلس القرفصاء في اتجاه الماء وهي تدخن الشيشة مكتفية بإعطائهن التوجيهات. على قدر كبير فوق كومة من الحطب المشتعل كن يقطرن العرق. سلمتُ عليهن دون أن يشعرن بالمقاطعة. لم يلتفتن حتى لابتهال، وردين عليّ بتحية فاترة.

– داير قزازتين

– الأرقي لسه سخن

– ما مشكلة.

 كانت ابتهال غارقة في الدهشة من المشهد بشكل استشراقي. لم نكن حتى قد ابتعدنا خارج العاصمة. عندما مررتْ لي إحداهن قارورتين من العرق الساخن. نقدتها ورقة من فئة الخمسين وأمسكتُ بابتهال مبتعداً في اتجاه الجرف. البابور المعد للسقاية ظل ساكناً. نزلتُ باتجاه خرطومه الممتد إلى قاع النهر وطلبتُ منها أن تخلع حذائها وتشمر بنطلونها الذي التصق بساقيها بشكل عجزتْ فيه أن تشمره من شدة ضيقه. لم تتكبد حتى عناء النظر خلفنا أو سؤالي عن الوجهة. نشوتها بأنها تعيش وقتاً غير اعتيادي دفعتها لأقصى ما يمكنها اختباره، وكأي من فتيات الجنوب تصالحتْ مع جسدها وخلعتْ البنطلون تماماً. ابتسمتُ دون أن تصدر ضحكتي صوتاً لألا أشعرها بالحرج. قلتُ لها وأنا أحمل القارورتين وفردتي حذائي في تأهب لعبور النهر:

– حتندمي!

 سرّجتُ القارورتين حول بنطلوني الذي كنتُ لا أزال محتفظاً به في موضعه، ومدتُ ذراعي الفارغة لها. عبرنا. ما أن لامس الماء ساقيها حتى بدأت تتأوه من البرد فيما تجاسرتُ على النهر كي لا يُقلل من شأن ذكورتي التي باتت تعنيني الآن أكثر من أي وقت مضى. كان ذلك الجانب من النهر ضحلاً، فبدونا كمسيحيّن يسيران على الماء. إلى أن وطأت أقدامنا الجزيرة.

 استغرقنا نحو ثلاثين متراً. لم نكن حتى بحاجة إلى زورق. لكن وجودنا على تلك المساحة الرملية وسط النهر. تلك الجزيرة التي تغرق سنوياً في موسم الفيضان منحتنا الاحساس الكافي بأننا بعيدان عن الخرطوم. التي اختفتْ الآن خلف الضباب الرمليّ والعتمة. لم يكن على الجزيرة شيء سوانا. قطعة يسيرة من الصحراء حفرتُ في طرفها ثقبين سرعان ما غرقا بالماء الفاتر ودفنتُ فيهما القارورتين بغرض تبريدهما، وارتمينا على الرمل دون أن أُلمّح إلى احتمال وجود التماسيح في أطراف الجزيرة. لسبب ما. شعرتُ بأن النهر كان آخر مخاوفنا. وحدها ابتهال كانت صامتة من الصدمة وهي تحدق للضفة الأخرى وكأننا اجتزنا الحدود إلى أثيوبيا. حيث سنستكين بمأمن عن الأعين الحاقدة. معاً. بمفردنا، وسرعان ما ستفتح القارورة ونشعر بنشوة الماء من حولنا كأننا قوم جلوس من حولهم ماء!

 قالت ابتهال وهي لا تزال ساهمة باتجاه نساء النوير حول الحطب:

– عايزة أعيش هنا

– لما الشمس تطلع حتغيري رأيك.

 لم تعترض:

– خلاص خلينا نعيش الليلة هنا. الليلة بس. كأنوا دي آخر ليلة.

كانت المرة الأولى التي تصدر فيها قولاً رومانسياً بذلك الرخص دون أن أشعر بالاستياء:

– خلاص. نكملها للآخر

 لم يكن لتلك العاصفة الرملية أن تتبدد لولا هطول المطر. أخذتْ ابتهال تضحك بخبل. فيما بدأت ثيابنا تبتل حتى التصقتْ بجسدينا. بدتْ عاجزة عن سترنا بلا معنى. فيما سرى اتفاق ضمني بيننا بأن نبقى. تبللنا تماماً، وأخذنا دون سابق اتفاق بخلع ثيابنا. احتفظتُ بسروالي الداخلي فيما أضافت ابتهال إلى ذلك سوتيانها. سرعان ما تخلصتْ منه بوصفه قيدٌ أخير قابل للكسر. تحررنا من الأسر كليةً ونحن نشاهد الفراغ المبلل. صوت الماء المنهمر من الأعلى على الماء الجاري في الأسفل. أمسكتُ بكتفها ورميتُ جذعها على الرمل الرطب. كانت ساكنةً تماماً ومطمئنة كما يجب. لا حطب النوير ولا تلألئ النجوم كان ليفضحنا وهي تختفي خلف الغيوم. قبلتُها ودفنتُ وجهي في وجهها. تسع سنواتٍ من المراهقة العذرية المغلفة بالصداقة تبددتْ. دون أن تعوزنا الحاجة إلى التجاسر بقارورتينا الممتلئتين. أمسكنا ببعضنا أخيراً بعد أن فلتنا من الخرطوم. ما كان لأصوات الأعيرة النارية ولا الدانات والحرائق أن تشوش علينا استنشاقنا لزفير أنفاسنا المتصاعدة. كانت هنا في وسط النهر الضحل ذروة لحرب أخرى لن تنتهي بالموت. حرب جميلة خضناها أخيراً بعد ركود من الانتظار والحصار المحرّم. بغية الاستعاضة عن حياتنا التي لم يحق لنا أن نعشها كيفما نريد بلحظات ختامية مغتلسة. سنختار فيها على الأقل نهايتها كما نشتهي. عاريين لا تسترنا سوى عتمة الخرطوم.

هوامش :-
* وردت الكلمة في طبعة ٢٠٠٢ من الكتاب بوصفها “الأيام الخيرة” ورغم ما تمثله من تغير تام في المعنى إلا أنه من الواضح أن حذف الهمزة كان خطأً مطبعياً.


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

رسمة المقال من أعمال الفنان السوداني ساري أحمد