رغبة قديمة لامتطاء أخطبوط

من اللحظات النادرة التي تسبق فترة التحاقي بالمدرسة ومازلت أحتفظ بها، هي ذلك اليوم الذي اصطحبتني فيه والدتي إلى مدينة الملاهي مع بنات أم خليل جارتنا الفلسطينية. ذلك اليوم راسخ في ذاكرتي بوصفه المرة اليتيمة التي رأيت فيها والدتي وبنات أم خليل بدون عباءات خارج المنزل، لأنه كان يومًا مخصصًا للنساء والأطفال في مدينة الملاهي بالرياض -مسقط رأسي- بحيث لم يكن يحق للرجال من غير الهنود والبنغال والباكستانيين العاملين فيها بدخولها. لقد كانت مدينة مسرات محرمة على الرجال، ولا أدري إن كان العاملون فيها من الآسيويين مستثنين من ذلك بسبب بيولوجي، أم أنها مجرد عنصرية تفترض فيمن هو غير عربي رجولة منتقصة، لا تلزم نساء المسلمين بارتداء النقاب في وجودهم.

لا تزال وجوههن حاضرة بنضارتها في خيالي إلى الآن رغم سني الذي لم يتجاوز وقتها السنوات الأربع. كن يافعات وممتلئات بالحيوية. حتى والدتي كانت أكثر حماسة مني في اللعب والتنقل من تسلية لأخرى. كانت قد تخرجت لتوها من الجامعة. تتشارك جدتي فاطمة في تربيتي كضرب من المسؤولية المريحة التي لا تشكل لها أي أعباء مضنية، وهو ما لم يتطور إلى تقصير بأي شكل من الأشكال. الفعلة الشنعاء الوحيدة الماثلة من ذاكرة الطفولة والتي ارتكبتها والدتي في حقي وهو ما لن أنساه ما حييت: تركها لي مع سمر لركوب الأخطبوط.

والأخطبوط ضخم بشكل مرعب. بثماني أذرع كأي أخطبوط حقيقي مع فارق جوهري هو مقدرته على العيش فوق الماء. كان على ضخامته يحمل في كل يد كأسًا ذات مقاعد تتسع لعدد معين من البشر. ما إن يملؤها حتى يلتف بهم حول نفسه صعودًا ونزولًا مما يبعث جوًا من المتعة المرعوبة بكل ذلك الصراخ الصادر من كؤوسه، فلا تعرف إن كان ركابه خائفين، أم مستمتعين، أم الحالتين معًا. ما يعد في كل الأحوال أمرًا ممنوعًا بالنسبة لطفل لم يبلغ الخامسة. لكن تلك المسوغات ما كانت لتقنعني أبدًا بالموافقة على عدم ركوب الأخطبوط حتى بعد أن بلغت من العمر 30 عامًا وربما إلى أن أموت! رغم عشرات الخطابيط التي ركبتها بعد ذلك مجازًا وحقيقة.

كان انتقامي وقتها هو أن أبتعد عن مجال مراقبة سمر، وهو ما قصدتُ به التسبب في مشكلة لماما التي سيجن جنونها إذا ما عادت ولم تجدني. لكن خطتي البائسة سرعان ما فشلت عندما وجدتني سمر جاثمًا على أحد الأرصفة بين كل تلك الألوان المتراكضة من الأطفال السعداء أبكي بحسرة، لأن أمي خانتني لتلهو مع أخطبوط!

الخطة التعويضية التي نفذتها سمر كانت أخذي إلى مجموعة من الأراجيح الدوارة التي كانت بالكاد تتسع لمؤخرة محشورة في قماط. أخذتْ تلتفّ بي الأرجوحة دورة بعد دورة، وأنا لا أرى سوى المشاهد نفسها تتابع داخل رأسي في شكل دوار مثير للصداع بينما تكرر لي وجه سمر الواقفة قبالتي بشعر مسترسل لم يصل إليه رجال هيئة الأمر بالمعروف وراء هذه الأسوار العالية من الفرح. بتكرارٍ باعث على السأم رغم ظرافتها ومحاولاتها الدؤوبة لإضحاكي. الشيء الوحيد الذي كان يتكرر أمامها مع كل دورة للأرجوحة هو طفل أسمر بدين عابس الوجه.

لسمر ذكرى قديمة معي قد تعود لفترة أقدم من يوم مدينة الملاهي فتحت عيني للمرة الأولى على ما يمكن أن يشعر به الأمر حيال إثنيته. لكن جهلي بالمصطلحات وقتها لم يرسخ الواقعة بشكل سلبي في ذاكرتي. كنت أقضي فترة الظهيرة في بيت أبي خليل بينما كانت أمي في الجامعة. ألهو مع سمر التي كانت تحب الرسم مثلي. جاءت بدفتر تلوين وأقلام رصاص من مختلف الألوان. بدأنا نلوّن معًا، وعندما رأيت رسومًا لأولاد يلعبون في حديقة بدأت في تلوين أحدهم باللون البُني كي يبدو مثلي. جُن جنون سمر، وغضبت لأنني لوثت وجه الفتى آمرةً إياي أن ألونهم فقط باللون الزهري أو أن أتركهم بيضًا دون تلوين.

عادت أمي من الأخطبوط لكن أرجوحة كتلك ما كانت لتنسيني ما فعلته. محاولاتها التالية لتهدئتي وإثنائي عن غضبي لا أذكرها، لكنها بطبيعة الحال كانت تنجح، فمن الأمور التي ظللت أحتفظ بها منذ طفولتي هو ذاكرة سيئة أمام كل ما ينغصني. مما جعلني إنسانًا أكثر تسامحًا مع من يخطئون في حقي، وإن كانت تُكسر تلك القاعدة أحيانًا لأسباب تقتضيها قذارة البشر، لكنني بطبيعة الحال أكملت حياتي بشكل طبيعي برفقتها، وحتى مغادرتنا للرياض بعد أن أثبت صدام حسين أنه لم يكن يمزح مع اقتحامه للكويت وبدئه بتنفيذ وعوده الجهنمية بإطلاق صواريخه الروسية العمياء باتجاه مدينتنا المسالمة، فكانت جدة، وكان البحر الأحمر، ولم أر ذلك الأخطبوط في مدينة الطفل السعيد مرة أخرى.

المرة التالية التي ذهبت فيها مع والدتي إلى مدينة الملاهي لنلهو فيها سوية، لا لمجرد اكتفائها بالفرجة، كانت بعد ذلك بستة عشر عامًا. في ملاهي السندباد بالقاهرة، وعلى صغرها، والمقارنة المعدومة بينها وبين مدينة الطفل السعيد في الرياض التي لم تختف في غياهب عصبونات الذاكرة بعد كل هذه السنوات. إلا أنها قدمّت لي اللعبة التي أمكنني فيها أن أشارك والدتي اللعب عليها ندًا لند “الشواية” كما يسمونها. مجموعة من المقاعد المنقلبة أفقيًا رأسًا على عقب بزاوية 360 درجة. قدمتْ لي لحظةً نادرة اكتشفت خلالها احتفاظ والدتي بتلك الشخصية المرحة القادرة على الاستمتاع بالحياة مع من تحب. رغم ازدياد وزنها وكبر سنها بما يمثل ضعف تلك الحسناء التي تركتني لتلهو مع الأخطبوط. غياب الأخطبوط في ملاهي السندباد هو ما لم يجعلني أتنازل عن أحقادي القديمة بشكل نهائي لكن انهماكنا سويًا في عاصفة الضحك ونحن محاصران بأحزمة مقاعد “الشواية”، وهي توجه أقدامنا إلى السماء ورؤوسنا لرؤية البنايات المقلوبة، خصوصًا مع سماعنا لابنة عمها وهي تختم القرآن بجوارها خوفًا من السقوط. كل ذلك جعلني أتأكد أن بعض اللحظات المفقودة من حياة المرء قابلة للتعويض بشكل أكثر جمالًا وإسعادًا عما كان يمكن أن يحدث في الماضي إذا ما تكررت الفرصة.

لاحقًا، استطعتُ أن أرى سمر في زيارة خاطفة لعمّان مع بقية أبناء أم خليل، وأم خليل نفسها. خالتي الفلسطينية التي علمتني حُب المقلوبة وألصقتْ بأنفي رائحة لا تمُحى للمريمية كلما رأيتُ كأس شاي. لم تكن بتاتًا تلك السمر اليافعة في مدينة الملاهي وقد غطتْ شعرها المسترسل من كتفيها في حضرة شاربي الناميين بطرحة مشجرة بأزهار ياسمين باهتة، ومن نظرتها الباردة والغريبة التي لم يكن فيها أي من تلك التعبيرات المرحة التي واجهت بها طفلًا ناقمًا تأكدتُ أنني لم أعد أبدًا أشبه ذلك الطفل الأسمر البدين الذي يريد ركوب الأخطبوط.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

ضلالُ السادية ووصفُ الفصلِ الخامس

| أن تتنفسَ جمراً فتختنقَ بنْفّسِك |

يأتيك بما لا يأتيك به غيره | هذا الموقد الذي تتقلب عليه | جمرةً في ضياع سكينتها | في سفرها البريق إلى الرماد | جهنمك المتيتمة من كل من سواك | الفريدة المستفردة المستديمة المستوقدة | كأن لم تجد غيرك غنيمة فاجترتك | في التآكل المثابر المتواتر | وأنت لا تفرغ من نفسك ولا تتفتت عدما | تدمن إدمانها على شظاياك فتتناثر أكثر | لتلتهم أشلاؤك أشلاءك | يأتيك بما لا يؤتيه لغيرك | وإن أتى فأنت في عذابك أوحدُ | كأن لم يأتِ من العدم سواك | يأتيك بشعرها | أسلاك الغياب الشائكة | يأتيك بجبينها | بلآلئ الندى وما تنساه ظهيرة على وجهٍ حسبه الطقس وردة | لم تقطف من رحيقها سوى الشوك | يا نحلة تطن في أذن العمى | في بعيدك أنت | ولا يذكرك الصيف إلا حميمية إمساك بعضكما لعرق بعض | ليل يمتزج بصوتها نبيذ ارتوائك | اظمأ في جحيمك الآن | وهذا الحنين يقلبك على جمر الفقد | فصلاً خامساً لسنة في عداد النسيان | شقيق الصيف في تنفسك للجمر في طقسه | زوج الشتاء في إنجابه للكآبة | ابن الخريف في ذبوله كآلام الروماتزم | صديق الربيع في احتضانه المتلهف للغبار | لكنه يأتيك بها | في كل ابتعادك نائياً عن صهيل ما مضى | إلى الأنخاب والأصحاب وما يطفئ الأهداب | لكنك ما ليس سواك | تهفو إلى ما ليس سواها | تتوه عن النسيان | كلما ابتعدت عن الهاجس ازددت التصاقاً بكما | يمطر الفقد سواطيراً | تـ | تـ | شـ | ظـ | ـى | أكثر | صهباءً في السادسة عشر تحك الوتر الأخير من الكمان | يفتح الوجد باب سردابك الأعمق | ويسرق آنك بالذكرى | تشوي على الجمر قلبك ولا ينضب | ينبض | لا ينضب | ينبض | لا ينضب | ينبض | لا ينضب | ينبض | لا ينضب | فتيأس من استوائه | نيئاً بما سبق البتولة فلما انتهاها بدا وما نهى | فوالله إنك لفي ضلالك القديم.


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

خدش الحياة/ء

إلى أحمد ناجي في زنزانته

سبعون ملثماً فوق أحصنتهم

دخلوا قريةً وخرجوا منها رمادا

لم يخدشوكم

صقر الجديان

حلّق بجناحيه المعدنيين فوق الجبال البعيدة

خلّف مدرسةً من الجيف المتفحمة

لم يخدشكم

النهرٌ نفسه

عاد في الخريف هادراً

حمل في صحبته أسرّةً وأُسر

بعيداً عن بيوتها

لم يخدشكم

قصرٌ جديدٌ للمشير العجوز،

والمشير العجوز

لم يخدشكم

أظافرُ الصبيان السوداء

أمام نوافذ سياراتكم في إشارة المرور

لم تخدشكم

المُدية الحادة فوق فخذيّ طفلةٍ باكية

لم تحفظ بعد نشيد الصباح

لم تخدشكم

لكن كُساً مبللاً بالنشوة

حليقٌ وناعم

حريّ بأن يخدش حياءكم

هاكم قضيبي الصغير إذن

مصّوه

لعلكم تعقلون.


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

يفوح من وجهها ليلاً ماء الورد

(ألف)

النسور فوق المعركة
الحصون التي لا تسقط يحيقها الطاعون
ثمة من يبحث عن شخص قد يفتقده إذا ما رحل
يواصل السير بين الركام
قُتل قبل سبعة وعشرين عاماً
يعد الهزيمة تلو الأفدح
لا يفنى، ولا يستحدث من عدم .

(نون)

ململماً أطرافه، يخرج من مدينة الخيبة
إلى صحراء نجت بأعجوبة من الأمل
كلما رنا إلى سكون
هاج في صدره أثر طعن قديم
السكينة التي اخترقته أخيراً
كانت مغلفة في صندوق هدايا
خرجت من جوفه
وهي لا تزال في الغمد .

(ياء)

في ضجيج الظهيرة تصيبني وحدة أخرى أشد ضراوة من الزحام

(لام)

ما تبقى من النهر العجوز في اليابسة ردم بالأسفلت وأسموه “شارع الترعة”
المروج المشيدة
أنهضت ظلالاً عظيمة في العصر والضحى
ناهزتْ البساتين، ولم تعد تثمر سوى الأجنة
والمزيد من العمارة .

(ألف)

أضعتُ ثديين أرضعاني النبيذ
ذاك أسكرني بوهم الخلود

(ميم)

كم يكره السرير،
السقف الذي يحدقه في العتمة،
الذكريات غير القابلة للمحو،
الجُمل التي ود لو لم يقلها،
(لو) التي تزيد الوضع سوءاً،
والأحلام التي ينساها ما أن أستيقظ،
ولماذا نستيقظ .


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

أيام الخرطوم الأخيرة

[ كانت الأيام الأخيرة* في الخرطوم التي سبقت سقوطها عصية على أهلها، فانعدم الغذاء حتى أكل الناس الكلاب والحمير، وتفشت الأوبئة، وتناثرت جثث الموتى في الطرقات. حتى أعلن غوردون باشا عن منح عشرين قرشاً لكل من يقوم بدفن جثة، وكانت المدافع تقصف المدينة تباعاً فتبعث الرعب واليأس، وازداد تسلل الناس وانضمامهم لمعسكر المهدي، ثم بعث المهدي إنذاراً أخيراً إلى غوردون في الخامس والعشرين من يناير قال فيه : “فإن النصائح تتابعت إليك ولم تلق لها بالاً، والدلائل ترادفت عليك ولم تزدك إلا ضلالاً، لأن الحق يغشى قلوب المؤمنين ولا يزيد الطاغين إلا خسارا” ].

(محمد سعيد القدال ، تاريخ السودان الحديث)

إلى بشرى الشفيع خضر

كل شروقٍ للشمس هو بداية مبكرة لغروبها. أية ولادة هي طريق ينتهي بالموت. لكنني لم أمت بعد. كنتُ ممدداً على الفراش ليس إلا. بينما ينسحبُ الضوء تدريجياً عبر النافذة التي كانت تعُد في الخارج عتمةً جديدة. لكنها هذه الليلة كانت أكثر ضراوة.

مرّت قيلولتي بلا أحلام. توقفتْ المروحة تدريجياً وتحول السكون التام في الغرفة إلى عتمة خانقة تليق بظهيرة في ساعة كسوف. استيقظتُ وكأنني لا أزال نائماً. أشرعتُ جفنيّ عن آخرهما فعجزتُ عن رؤية أي شيء. أية محاولة لتشغيل المصباح كانت بلا جدوى. لقد نفذتْ الكهرباء.

شعرتُ بكسلِ روحٍ مغادرة تعجز عن تحريك جثتها. خلعتُ قميصي وألقيتُ به كيفما اتفق وكذلك فعلتُ بالبنطلون. مدتُ يدي في حدود الوسادة كأعمى يتحسس حدود أطرافه بحثاً عن الهاتف. كانت الساعة تشير إلى الثامنة إلا ربعاً. نمتُ فوق العادة. فتحتُ واتساب متصفحاً الرسائل الجديدة. مجموعة المحادثة التي كانت تضم أفراد عائلتي ازدحمتْ بوابلٍ من رسائل المجاملات والصور المنتشرة في مواقع التواصل الاجتماعي لفساد الرئيس وحاشيته. مجموعة ثانية كانت لزملاء دراستي في الجامعة وأخرى لزملاء العمل استغلتْ غياب الإناث منها وامتلأت بالنكت الجنسية والألفاظ التي لا يجدر بالرجل «المحترم» التلفظ بها أمام امرأة ليست زوجته. تثاءبتُ إلى أن وجدتُ رسالة من ابتهال. فاجأتني على اقتضابها بعد فترة انقطاع طويلة بيننا : “وينك؟”. كتبتُ فور قراءتي لها : “في البيت إنتي وين؟”. كان البرنامج يشير إلى أن آخر مشاهدة لها على الخط كانت قبل ساعة. أخذتُ أنتظر حتى تقرأها لأتأكد من كونها على قيد الحياة أملاً فيما يسريّ عليّ مساء هذا الخميس الرتيب إلى أن خانتني بطارية الهاتف أخيراً بإنذارها أنها تضاءلتْ إلى ١٥٪ فأطفأتُ مؤشر الإنترنت محاولاً الحفاظ على رمق البطارية الأخير.

 خلعتُ سروالي الداخلي وأنا أجر ساقيّ إلى الحمام. أخذتُ دشاً فاتراً أيقظ أطرافي ودهمني بشحنة من النشاط. استمنيت وأنا أتذكر عبوس فتاة حبشية من الوجع استطعتُ أن أخطفها قبل شهر من الطاولة التي تجلس خلفها لبيع المشروبات الساخنة في شارع الصحافة لنتضاجع بشغف مقابل مائة جنيه ووعد بأن أكون زبوناً دائماً لمقاعدها. همستُ وأنا أقذف “تقست” وتراجعتُ فوراً عن رغبتي في شرب القهوة بحي الدِيم ما أن لطخ سائلي جدار الحوض .

ساد صمتٌ أثقلَ من وطأته الليل الحالك وتوجب عليّ الذهاب لفرع شركة الكهرباء لشراء رصيدٍ منها لمواصلة الحياة المدنية المتوقفة. أمي ليست هنا. ما دفعني للاشتياق لسماع بعض الإلحاح قبل أن أُهم بالذهاب. كانت تقضي عطلتها على مسافة تفصل الجحيم عن الفردوس برفقة أختي المتزوجة من مغترب في الإمارات. من المضحك أن أصف سفر أمي بالعطلة، وكأن لها مهنة غير البقاء في المنزل والطبخ والغسيل وتبادل النميمة مع جاراتنا. منذ أن قرر والدي أن الحياة في السودان لا تستحق أن يقضيها المرء مريضاً بالسكريّ وارتفاع ضغط الدم في سنين تقاعده المملة، ففر هارباً ونزل على جانبه الأيمن في حفرة ضيقة في مقابر فاروق اختفى فيها من سأم الحياة في المرض.

فتحتُ اللاب توب أملاً في ملئ الغرفة الشاغرة بخلفية موسيقية ما. أحبطني هو الآخر ببطاريته الموشكة على النفاذ والتي كانت بالكاد ستسمعني أغنيتين أو ثلاث قبل أن ينام. تملكتني رغبة غامرة في الاستماع للموسيقى. كان الأمر ليكون مرهوناً لأي فنان قبل أن أشعر بحنين مفاجئ لصوت محمود عبد العزيز. لم تكن ذاكرة الكمبيوتر تحوي أي أغنية له. فضلاً عن نفاذ البطارية، فيما ازدحمتْ ذاكرتي أنا بأغاني عديدة له. بكلماتها وألحانها. لولا أن صوتي كان يقتصر في قدرته الطربية على مجموعة من الصُم. تذكرتُ جهاز الكاسيت القديم والشرائط المردومة بالغبار في صندوق من الكرتون يحتل مساحة شاغرة تحت سريري مع الكثير من الكراكيب والهتش ما من سبب عملي للاحتفاظ بها سوى الحنين وحب التملك. نحن نعبد الكراكيب. خصوصاً تلك التي ورثناها عن أبي. لم يترك لنا سوى بيت من خمسمائة متر في نمرة ٣ وقطعة أرض منسية في الجريف اكتشفتُ في آخر زيارة تفقدية لها أنها تعرضتْ للاحتلال من أرملة نويراوية نصبتْ فيها خيمة كانت بالكاد تؤوي أبناءها الأربعة الذين يقتاتون من ريع بيعها للعرق. كانت تصنعه وتعبئه في قوارير البيبسي والكوكاكولا التي تفقد هويتها ما أن تمتلئ بالسائل الكحولي الشفاف. بجودة قل مثيلها بعد استقلال الجنوب ونزوح أغلب الجنوبيين إلى دولتهم الجديدة الممتلئة الآن بالحانات والنوادي الليلية وخمور مستوردة من كينيا وأوغندا. ذلك الحسد الدفين كان من جملة السمات الاجتماعية التي لطالما جعلتني أتمنى لو كنتُ جنوبياً. قبل أن تندلع الحرب هناك مجدداً بين رفاق التحرر، لأقنع بهويتي التعيسة هنا في الشمال.

 مكانٌ شاغر لبطارية واحدة في أحشاء الآلة كان يفصل بين صوتها وأذني. لم أكن قد استخدمتُ المسجل منذ شرائي لأول جهاز كمبيوتر قبل عشر سنوات. واصلتْ أمي استخدامه لفترة طالت قليلاً. لكنها هي الأخرى اعتادتْ التقنية الحديثة وصارت بارعة الآن في ملاحقتي يومياً ورشقي بوابل الرسائل المجانية عبر برامج المحادثة على الإنترنت حتى بات لديها حساب في فيس بوك اضطررتُ إزاءه لإنشاء حسابٍ آخر وهمي حتى لا أقع في حرج عدم قبولها في قائمة أصدقائي، وتعريض كتاباتي وصوري لفضولها وحبها الدائم للتلصص على خصوصيتي. تحديداً علاقاتي النسائية. بعد أن صرّحتُ لها معترفاً بعدم رغبتي في الزواج قبل أن أصبح مليارديراً، أو أن تقع في حبي ابنة ملياردير.

 خرجتُ قاصداً دكان صالح وأنا أحاول تذكر آخر مرة اشتريتُ فيها بطاريات. كانت حدقتاي قد اتسعتا تدريجياً وصار بمقدوري رؤية الأبعاد. لم يكن القمر قد أشرق بعد عندما اكتشفتُ أن الحِلة بأسرها كانت تعاني من انقطاع التيار الكهربائي. رغم ما يشكّله ذلك من صعوبة. كون انقطاع التيار عن منزلي ليس بالأمر الذي يمكنني أن أنهيه بشراء الكيلووات بالمال. إلا أن إحساس المشاركة في الأزمة مع جيراني أشعرني أكثر بالتضامن وأقل بالسأم.

 كان صالح يبيع بضاعته في الدكان العتيق منذ أن كنتُ في المدرسة. يجلس على بمبر قصير من المعدن مع جمع من الجيران الذين كنت أعرفهم بالاسم. سنوات من المآتم والأعراس والسمايات والأعياد كانت كفيلة بأن يعرف أكبر شيخ في الحِلة أصغر غلام فيها، ورغم توقفي عن صلاة الجمعة في المسجد إلا أنني لا زلتُ أحتفظ بعلاقة ود مع الجميع. خاصة أن لوالدي حظية لدى أغلب الجيران بسمعة لم أبذل أي مجهود لتوارثها والحفاظ عليها في سلالته. سلمتُ عليهم واحداً واحداً بمزيد من الإجلال يناسب أعمارهم سائلاً صالح:

– بلقى عندك حجار بطارية ؟

– البركة في قطعة الكهربا الخلت الناس تتذكر البطاريات.

تدخل أستاذ خوجلي العجوز الذي درسني لعامين في مرحلة الأساس :

– قالوا الكهربا قاطعة لغاية بُريّ.

– موت الجماعة عرس!

علّق عوّض. الذي كان أصغرهم سناً وأكثرهم ثراءً لعمله في قطع غيار الركشة.

 أطلق عم صالح صيحة “يا قنديل” ووجه من مقعده فتاهُ الذي كانت تبتلعه رفوف الدكان بغبارها ليبحث عن البطاريات. كان في وقفته خلف لهب الشمعة يضاهي ظله في سواد البشرة حتى لبدا هو الآخر ظلاً لعم صالح في دكانه. ما كان يشكل مفارقة مُرّة مع اسمه المضيء بينما تختفي ملامحه تماماً في العتمة. لا أذكر أنني تبادلتُ حديثاً مع هذا القنديل تجاوز عبارات السلام الرتيبة منذ أن جاء به عمه العجوز إلى هنا. خالد. كان أحد الخدم في بيت أبي صالح، والذي ربطه حبل الرق الرمزي بعائلة مالكيه القدامى وقرر من تلقاء نفسه التحرر منهم بعد أن أسكرته مريسة اتفاقية السلام بالكثير من الأمل الكاذب، وعاد إلى قطية من القش في سفح أحد جبال النوبة التسعة والتسعين. قبل أن يعود مع اندلاع الحرب مجدداً بين عشيرته والحكومة فيما بدى لوثةً نسي الجنوبيون أن يأخذوها معهم إلى دولتهم الوليدة. عاد خالد بصحبة هذا الشاب. الصامت دوماً والمغلوب على أمره. كانت الأقاويل المتداولة تبرر عدم رضاه بنعمة الأمان في العاصمة بطموحه الطبقي الذي لم تتسع له جدران دكان صالح. يعزز ذلك حصوله على درجة البكالوريوس في تخصص ما من جامعة كادوقلي. لم أكن متأكداً إن كان في جنوب كردفان كلها جامعة أم لا، ولم أرتكن إلى سهولة أن التأكد من صحة تلك الأقاويل يرتهن فقط إلى سؤال عم صالح عنها أو حتى قنديل نفسه، فهو لم يكن يعنيني في شيء، وكل ما أردته منه هو أن يناولني ما سيفيق الحوت من أعماق بحره ليغني بصوته الجهور في غرفتي.

 سألني عن المقاس الذي أرغب في شراءه وهو ينفض الغبار عن العلبة عندما قررتُ احتياطاً أن أشتري أربعة أصابع جديدة. بدلاً من محاولات العض بالزردية على البطاريات القديمة أملاً في تنشيط شحنتها بالطرق التقليدية، وما تقتضيه في حالة عدم نفع العض أن يتم الاحتفاظ بالبطاريات لفترة من الزمن في رف الثلاجة. التي آلتْ درجة حرارتها الآن إلى ما يليق بخزانة ملابس. نقدتُه ورقة لم أتبين تحديداً فئتها قبل أن يعيد لي الباقي دون أن أعدّه. ضحك صالح على نكتة سخيفة ألقى بها عوّض فيما شيعتهم بابتسامة مقتضبة عائداً باتجاه كلابٍ استغلتْ الظلام لاحتلال الصدى بنباحها في أزقة خلت بدورها من المارة.

 أربعة شرائط بأسرها وجدتها لمحمود عبد العزيز لم يشفع شرائي للبطاريات الجديدة لكي يعمل المسجل ويوقظها. نسيانه مركوناً في تقاعده ذاك قتله كليةً. وجدتُ الكثير من الشرائط القديمة التي لطالما أطربتني في الصغر. شريطان لفرقة البلابل. الماستر: ألبوم من توزيع يوسف الموصلي لطالما قتلتني كمنجاته في أغنية «أقول أنساك» وما تذكرني به وبما يود العاشق الخائب أن ينساه. حتى مع الشخشخة الصادرة من الشريط وكأنها مؤثر صوتي مقصود لإثارة الحنين لزمن آفل. تحديداً عندما ينقلب اللحن عند الجملة الموسيقية :

“حبك عشته من أول .. من زمناً بعيد طوّل

ما بقدر أسيب حبك .. أغيب عنك بعيد وأرحل”.

الآخر المنسوخ كتب على ملصقه بقلم أزرق جاف «البلابل والكابلي». أتذكر منه عن ظهر قلب قصيدة منسوبة ليزيد بن معاوية اتسقت كلماتها الكلاسيكية بغرابة مع اللحن وهي تغنى على الإيقاع الخماسي. شرائط لألبومات مختلفة لفرقة الجلاد قبل أن ينفرط عقدها. تسجيلات لحفلات محمد الأمين في لندن والدوحة. محمد وردي بالطبع، أحدها كتب عليه بنفس القلم “طنبور رطانة”، وجلسات بالعود لزيدان إبراهيم ومصطفى سيد أحمد، وشريط نادر لأغاني بالأمهرية لحنان بلوبلو قبل أن تتزوج محمود عبد العزيز الذي صار صوته يحكني من داخل جمجمتي فيما يشبه نوبة المدمن إلى الجرعة. كنت لأستسلم للملل بصحوة المستيقظ للتو قبل أن أتذكر أن جهاز المسجل في سيارتي لا يزال يعمل، فخرجتُ.

يا روحي أنصفني

يا روحي..

لأنه..

لأنه..

لأنه قاسي عليّ

أنا يا حبيب روحي

يا روحي..

في حكمك

لأنه..

لأنه قاسي عليّ

أنا يا حبيب روحي

يا..”

أدرتُ المحرك لأقف في حالة التأهب دون أن أضيء مصابيح السيارة أو حتى جهاز التكييف المعطل. أخرجتُ عرنوس البنجو الأخير من الدرج وبعد تنظيفه من البذور لففتُ سجارة سرعان ما أشعلتُها وأنا أدوس على البنزين لأفسّح السجارة. بدأ الخدر يتسلل إلى رأسي شيئاً فشيئاً وأنا أتحرك خارجاً إلى شارع الصحافة. أقود ببطء فيما يزحف صوت محمود الشجيّ في طبقاته العليا، والرخيم كلما تراوح في المساحات الدنيا. شيئاً فشيئاً داخل رأسي. أنفثُ الدخان من النافذة في اتجاه مصابيح الرصيف النائمة. فيما تستيقظ نجوم السماء للسهرة، وتلمع على غير العادة فوق شوارع الخرطوم. أغلق النوافذ لأحبس رائحة البنقو. كان محمود على المقعد المجاور لي مواصلاً الغناء. يسرح بعينين لا تحدقان في شيء بعينه فيما تخرج الكلمات بعذوبة من حنجرته. يدوخ رأسه مع اللحن فأرى خلف رأسه طول خصلات شعره اللامعة والممسدة بعناية قبل أن يعيد جمجمته للخلف في الوقفات ليرتطم بمسند المقعد ويواصل إطفاء عينيه كمن يغفو. عوض أحمودي في الخلف يعزف على العود وهو يهز رأسه باستمرار بنظرة إلى السقف تغيب عن الضوء خلف نظارته المعطلة. من ورائي تماماً عازف إيقاع مغمور لا أرى وجهه. أغنية الحقيبة العتيقة التي لا أستمع إليها إلا من فم محمود تنبض مع ضربات قلبي فيما تستوحذ علي سعادة السَطل المؤقتة. مبتسماً للبيوت والدكاكين التي امتلأت بمصابيح البطارية وألسنة الشموع، والسواد يلتهم المشوار دون أن ينتهي إلى ما يفوق في حجمه الشرارة. تندلع أغنية أخرى في الوقت نفسه فيلتفتُ إلي الحوت منزعجاً من التداخل. النشاز لا يوقف عوض عن ضرب أوتار العود لكنه يشوشه. أتبين رنة هاتفي وأنا أبدل تروس السرعة في اتجاهٍ بلا هدف. أتناول الهاتف. إنها ابتهال.

– ألو ؟ أنت وين يا دين ؟!

– ويـــــــــن يا بهلولة ؟!

أشد الياء ابتهاجاً بصوتها فيما تقضمها عندما تصمني بالدين. قطعتُ من رأسي كنية لم يسبق لي أن ناديتها بها. «بهلولة» فتضحك. لم أنطق بأي جملة إضافية فعرفتْ ما يدور برأسي من سحابات البهجة، فاعترفتْ :

– مُشتهياك

– أنا كلي حقك

– طيب تعال ياخ!

– إنتِ وين ؟

– سألتني في الواتس نفس السؤال ورديت عليك لكين إنتَ اختفيت.

أردتُ أن أخبرها أن الهاتف يحتضر، وأن الحياة بلا كهرباء تليق بطريق سفر ينتهي في حقول السمسم بالقضارف. لكن اختصارها لاسم البرنامج بذكر مقطعه الأول وقف في حلقي كلقمة أكبر من قدرتي على البلع. أكره من يسمون فايس بوك بالفيس، وواتساب بالواتس، وعبد الله بالعبد، فسألتُها بعد هنة :

– الكهربا قاطعة عندكم برضو ؟

– إنت عايش وين ؟ الكهربا قاطعة من الخرطوم كلها.

تأكدتُ من ذلك ما أن لففتُ المقود وعدتُ شمالاً باتجاه شارع القيادة العامة. قدتُ من الخرطوم ٢ حتى امتداد ناصر في ظلام حالك أنقذتنا من حوادثه مصابيح السيارات. كل المباني ملثمة. حتى منشآت القوات المسلحة بامتداد الشارع الذي كان يصب في النيل. مررتُ بجوارها كشبح. مبنى القوات البرية على شكل طابية محاصرة. مبنى القوات البحرية على شكل قارب على وشك الغرق. وحده مبنى القوات الجوية وسقفه البليد الذي يبدو وكأنما حطت عليه طائرة بالفعل كان مضاءً عن آخره باستثناء غريب. الرمزية الساذجة لمعمار هذه المنشآت عديمة الجدوى ذكرتني بما قاله لي صديقي محمد حمد ذات مرة ونحن نعبر أمام المنطقة العسكرية الأخطر في البلاد:

– هنا بيبنو في مبنى على شكل عين.

– وده شنو ده كمان ؟

– مبنى الدفاع بالنظر!

يضحك محمود عبدالعزيز حتى الدموع ما أن أتذكر سخرية صديقي على تصريح وزير الدفاع السابق. الذي تفوه به في لقاء تلفزيوني مصوّر ومنقول للملأ. أعقب قصف سلاح الجو الإسرائيلي لقافلة عسكرية في شرق البلاد كانت تهرب سلاحاً لقطاع غزة. مبرراً غياب الدفاعات الأرضية ورصد الهجوم بالرادار إلى اعتماد جنوده في مراقبتهم على العين المجردة، وأنهم كانوا على استعداد لصد الهجوم الغاشم لولا أنهم كانوا يؤدون صلاة العشاء فيما كانت طائرات العدو المهاجمة قد أطفأت كشافاتها.

أضحك مع محمود وأواصل القيادة حتى شارع عبيد ختم. يعلق أحمودي من الخلف بأن قواتنا المسلحة عاجزة عن صد أي هجوم خارجي. لا الحفاظ على حلايب من المصريين، ولا على الفشقة من الأثيوبيين، ولا على بقايا السيادة الوطنية المزعومة من الإسرائيليين، ولا حتى من أي مليشيات محلية أو مجاورة. أندهش من رأي أحمودي وأوشك أن أغمز بالتساؤل عما إذا كان قادراً على قول ذلك في إحدى الحلقات الكثيرة التي يظهر من خلالها على التلفزيون. أتراجع عن ذلك في رأسي مواصلاً الضحك. أكتفي بالقول بأن الجيش بارع فقط في قصف المدنيين والعزل في الأطراف المنسية. يصمت محمود فأدرك أنه استاء من انجراف بهجة البنجو إلى السياسة. أقف في أول إشارة مرورية بلا أضواء فيما يبدأ سياج المطار في الظهور على اليمين. أتذكر كيف حطمناه يوم جنازة محمود. ألتفتُ إليه لأسأله إذا ما كان قد سمع أصوات هتافنا الساخط وكأننا نزلنا في مظاهرة غضب من الله الذي خطف منّا تسجيتنا اليتيمة في هذا العالم، مكرراً فعلته بعد أن أسقط طائرة جونق قرنق، ولم يبق إلا على من يؤدون أدوار الشر في الفيلم المسيخ. لا أجد محمود. المقعد فارغ. رأسي يتخلص من سحابة البنجو الأخيرة التي تتبخر ما أن تنطلق أبواق السيارات المزعجة من خلفي وهي تحتج على توقفي أمام مصباح الإشارة المعتم. فأستاء من السياسة التي تتسلل عفانتها حتى إلى خيالتي وحيداً.

فوضى مرورية. لا أحمر ولا أصفر ولا أخضر. مصابيح سوداء وزحام عبثي كأنه القيامة. بطارية الهاتف تقل عن ٧٪ وأنا أسابق الوقت للوصول إلى بيت ابتهال. أستعيد وعيّ تدريجياً وأتذكر طريقاً مختصرة لا أدري إلى أين ستنتهي حتى تجلس ابتهال بجواري بكامل حضورها.

لم أنتظر كثيراً أمام مطعم الموناليزا الذي لم يكن يقدم البيتزا ولا الباستا بل الكوارع. الفكرة وحدها كانت قادرة على تبديد الجوع من رأسي. كيف لأشهر لوحة في متحف اللوفر أن تكون اسماً لمطعم يقدم حساءً من حوافر المواشي ؟ كنت أرغب في طرح السؤال على ابتهال فقط لإثارة السخرية لكنها ما أن فتحت الباب.. أن أرى تلك الابتسامة مجدداً وحضنها المدبب الذي لطالما زغزغ رغبتي للغرق في حضنها حتى النوم، بذاك العطر الذي لا تحسن أن تغوي بغيره.. نسيتُ ما وددتُ قوله. لومها وسبابها كان يليق أكثر بابن عمتي لا بصديقة قديمة. لطالما رغبتُ أن تتطور علاقتنا إلى ما هو أبعد من شكوة كل منا للآخر من قصصه الغرامية الفاشلة والمآسي التي ينتهي إليها وقوعنا بالحب. ثمة فراش ما كنا نتفق ضمنياً على أن لا نتوسد كلمات الغرام فوقه والاكتفاء بالونس. في شكل من العلاقات لم يكن قد سبق لي أن اختبرته مع فتاة. أشتهيها وتشتهيني. لكننا نخشى أن نتخذ أي خطوة في اتجاه اشعال الشرارة إلى آخرها مخافة أن نحترق.

 كل شيء كان كلا شيء. الخرطوم عمياء تماماً لدرجة توقفت فيها عن الانشغال بالتهديد ونحن نعبر عن أبسط رغباتنا. قبلتُها على خدها محاولاً استطعام أحمر الشفاه في طرف فمها دون أن أراه، وكأنني أختبر منعتها. لم تكن قبلة كاملة في الفم لكنها راوحت الأطراف وهي لم تعلق، ومارسنا تنقيب الظلام.

عدتُ باتجاه شارع أفريقيا ملتفاً على المطار من جانبه الآخر عندما أدركتُ أن البقاء وسط الخرطوم يعتبر إهداراً لهذه الليلة الاستثنائية من الضياع. كان شريط الكاسيت قد انقلب إلى جانبه الآخر داخل المسجل في اللحظة التي أنهتْ فيها ابتهال آخر شعلة من اللفافة. قامت بحركة لا إرادية بأصابعها محاولة إنزال طرحة لم ترتديها أصلاً. ضحكتُ بمفردي دون أن تعلق مكتفية بإرجاع مقعدها إلى الخلف مختفية عن أنظار مارة وعابرين ما كانوا لينشغلوا بها في لجة الفوضى. لطالما أحببتُ رغبتها الدفينة في التخلص من كل شيء يعيقها. في التعريّ. رغم أنني لم أرى أبداً حدود جسدها إلا ملثمة. كانت قد وصلت أخيراً إلى حالة الغياب فيما تزداد وطأة حضورها على خاطري.

 نطقتْ بعد فسحة من الزمن لم أشعر بوطأة مروره :

– عايزة شيشة.

 دائماً ما تعبر عن رغباتها المفاجئة فور بلوغها للخاطر. قبل عامين. كنا نجلس بجوار سيدة تبيع الشاي في شارع النيل. تحديداً عند التلة في آخره قبل الالتفاف لشارع أوماك. عندما بدأ ثلاثة فتيان ممن يعملون في غسل السيارات بتشغيل أغنية من مسجل سيارة برادو كانوا يعملون عليها وفوجئوا بأن الأغنية كانت لنجاة غرزة وعازف الأورغ الربع، فرقص ثلاثتهم في وسط الشارع ببناطيلهم المشمرة ودلاقينهم المبلولة. كان مشهداً مبهجاً دفع الجميع إلى الضحك بمن فيهم صاحب السيارة. ابتهال المجنونة قفزت باتجاههم وأخذت في الرقص. اندلعت صيحات مرعبة كالتي تخرج من شاحنات نقل الجند عند أداء الجلالات، وقبل أن تصل أية سيارة نجدة كنت قد دفعت الحساب وخطفتها. لم أكن بعد قد اشتريتُ سيارتي المازدا فاستقلينا الأمجاد.

 صاحت بيأس: عايزة أرقص!

 وأخذتْ تحكي بأسى في سيارة الأجرة عن عطلتها السابقة بالقاهرة. عن النوادي الليلية التي ارتادتها، وشوقها إلى تلك الليالي التي كانت تسهر فيها حتى ساعات الصباح الأولى منهكةً من الشرب والرقص دون أن يقف على باب الفندق منتظراً رقيبٌ أو حسيب. تفحصتُ ثيابها، وسألتُها إن كانت تمتلك فستاناً للسهرة: أكيد! قالتْ، واتجهنا إلى امتداد ناصر.

بعد ساعة. كانت ابتهال في ثوب سهرة أزرق . يكشف ظهرها بشكل مثير للمشاكل والعسكر . ما جعلها تغطيه بشال خفيف من الساتان كانت نظرتي له لاتزيد عن كونه ورقة توت . لكنني اختطفتها إلى قاعة أفراح ما في حي العمارات . دخلنا . تناولنا العشاء أولاً ثم دخلنا إلي ساحة الرقيص لنسلم على العريس والعروس – لم نكن نعرف أياً منهما – مستغلين حالة الفوضى التي يمثلها حضور عشيرتين ترتبطان للتو برابطة النسب . اضافة إلى الزملاء والأصدقاء من الجانبين ، ورقصنا مع الفنان وفرقته الصاخبة دون أن يلتفت أي شخص إلى كوننا غريبيين تماماً عن حفل الزفاف . المكان الوحيد الذي كان يوفر لابتهال الشعور أنها في نادي بموسيقى حية.

 في العادة كنا نقوم بتدخين الشيشة في بيت أحد أصدقاءنا المشتركين. غامرنا مرّة أو مرتين بالتدخين في مطعم فينسيا المطل على النيل. كان يشكل قدراً من الحماية لأنه كان تابعاً بصورة ما للجيش. رغم أن تدخين الشيشة في الأماكن العامة كان ممنوعاً حتى على الذكور. أصحاب الامتيازات الأعلى في البلد. في حالة الفتيات فهن دائماً عرضة للاعتقال. خصوصاً إذا كن كابتهال. من اللاتي لا يولين اهتماماً باحترام الزي المحتشم. متجاهلات للف رؤسهن بالحجاب أو ممن يتجرأن على الخروج من منازلهن ببنطلونات الجينز. كأن أي فعل يقوم به الإنسان لعيش حياة طبيعية هنا هو خرق للقانون. للعادات والتقاليد. وحده القتل، وتشريد الآلاف من قراهم واحتكار الثروة وسرقة المال العام كان أمراً عادياً. كان سياسة الدولة.

 توقفتُ على بعد عشرات الأمتار من بوابة الوصول في المطار. تذكرتُ قرمبوز عندما قال ذات مرة ونحن نقف في شرفة بمقر السفيرة الهولندية ذات حفل : البلكونة دي مطلة على أحلى مكان في السودان.

– وين ده ؟

أشار باصبعه باتجاه مباني المطار قائلاً: صالة المغادرة.

 انتبهتْ ابتهال لتوقف السيارة. التفتت لليمين فرأت مدخل نادي التنس. سألتْ : حننزل هنا ؟

 أشرتُ للناحية الأخرى من نافذتي. كان هناك ما يشبه الحديقة في المساحة الفاصلة بين حي المطار وشارع أفريقيا. أشجار من النخيل كانت تؤوي تحتها في الهواء الطلق عشرات الكراسي البلاستيكية لسيدات يبعن الشاي وشبان يتجولون حاملين لأنابيب الشيشة المعدنية وقللها الزجاجية. لم يكن باستطاعتنا إلا أن نميز حمرة الجمر وأضواء السيارات في الخلفية. كانت دامسة تماماً :

– يلاّ!

 تجاسرنا ونزلنا. مساحة الغياب التي توفرها العتمة إضافة للتجاهل الذي عيشتنا فيه غيبوبة البنجو كافية لألا ينتبه أحد إلى أن ابتهال امرأة. رغم أن كل من يبعن الشاي كن نساء. إلا أن انحصارهن خارج مرتبة الزبون. انتمائهن لشريحة لا تُصنف هنا ضمن «بنات الناس» و«أولاد القبايل» كان يجعل من تواجدهن كخادمات مسموحاً. رغم أن كل ما كان يجعل من ابتهال ممنوعة من ارتياد مكان كهذا – لحماية سمعتها – كان متوفراً فيهن إلا مدى سواد البشرة. معيار التصنيف الأكثر عبثية في بلد نالت اسمها لسواد بشرة أهلها.

 طلبتُ لها شيشة ممتنعاً عن مشاركتها. لم يعلق الشاب على وجود ابتهال بملامحها المموهة مع انعدام الضوء. فيما أكدتْ هي عليه بحرص : “نعناع صافي!” واختفى إلى بقية شأنه ما أن وضع أمامها الشيشة. فيما طلبتُ أنا من بائعة الشاي فنجاناً من الجَبَنَة. كان الكافيين مواتياً لمزاجي ساعتها. بينما شعرتْ ابتهال أخيراً ببهجة التدخين في الشارع وسط الجموع.

 على عكس بقية العاصمة. كانت هذه المساحة مستقلة عن سلطات محلية الخرطوم وموظفيها المدججين بشرطة أمن المجتمع. مثلتْ تلك الفسحة استراحة للجنود وصغار الضباط من العاملين في جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي لم يكن مقره الرئيسي بعيداً، ورغم ما يمثله جنوده من الرعب لأي كان. كانوا هنا يجلسون بشكل مسالم بينما يدخنون الشيشة ويشربون الشاي ويتسامرون كأي بشر طبيعيين. حتى أولئك الذين يرتدون زيّ قوات الاحتياطي المركزي. كانوا هنا يرفهون عن أنفسهم ويضحكون. متخلين عن قدرتهم على التحول إلى وحوش وأشباح. بل وينقدون الباعة ثمن مشروباتهم ودخانهم. في أرخص مقهى يمكن أن يرتاده المرء في الخرطوم ٢. لأن زبائنه لم يكونوا كأي زبائن. كانوا «أسياد البلد».

 أمسكتْ ابتهال بيدي متجاوزة حدود المروءة. مواصلة إخراج الدخان من فمهما بأريحية تامة كتنين أليف. شعرتُ لأول مرة بالسعادة في الشارع. كنتُ أحدق إليها صامتاً خيفة أن ينتهي الأمر باستيقاظي في فراشي. عندما ترامى إلى أذني صوت شخص يجلس في الجوار:

– قالوا الجبهة “السَّورَّية” ضربت سد مروي!

 يبدو أن الشائعات قد انتشرت أخيراً:

– الجبهة الثورية دي مش في الغرب. الجابها الشمالية شنو ؟

– يا زول إنت نسيت ؟! قبل ستة سنين دخلوا أم درمان عديــــــــل كده!

– الله يستر ما يجو تاني!

– شكلو كده.

 تذكرتُ تلك الأيام. كانت بيانات حركة العدل والمساواة قد أسمت تلك المعركة بـ«عملية الذراع الطويل». التي انتهتْ بمجزرة قتل فيها أطفال مدججون بالسلاح على مركبات بيك أب استطاعتْ بشكل مفاجئ أن تخترق غرب العاصمة في غفلة من الجيش وأجهزة الأمن. انتهتْ المعركة فوق جسر يفصل كلية القيادة والأركان عن غابة السنط في الخرطوم بانتصار قوات جهاز الأمن، وانتشرتْ الأساطير بعدها عن أولئك المقاتلين التائهين. الذين استطاعوا أن يقطعوا المسافة الساحقة من تخوم تشاد حتى وادي النيل في ليلة واحدة هزت كيان سكان العاصمة ووهمهم الهش بأن بقاءهم في العاصمة يجعلهم بمعزل عن أهوال الحرب المستعرة في أقاليم الغرب وكأنها في دولة أخرى. حتى لكان طلبة الجامعات يهرعون إلى حملات التبرعات والتظاهرات الجماهيرية لنصرة فلسطين و«المجاهدين في غزة» متجاهلين مواطنيهم الذين يُقتلون ويتقاتلون في مكان مجهول وبعيد يدعى دارفور. انتشرتْ الصور والتقارير في اليوم التالي للمعركة. عشرات الأسرى من المراهقين الذين كانوا ينظرون للكاميرا بذهول. تاهوا عند أول شارع مرصوف ومحاط ببنايات من طوابق متعددة. بعضهم كان يسأل السكان عن مقر مبنى الإذاعة وبعضهم وصل هناك بالفعل وفوجئ بالدبابات تستقبلهم من بوابة مسرح الفنون الشعبية والمسرح القومي اللذين يعشش فيهما جنود يفوق عددهم الممثلين والمخرجين كأي ثكنة عسكرية. لم أنس بعد زوجة عمي الذي يعيش في حي العباسية وهي تحكي عن الجارات اللاتي خرجن لاستقبال “الجنجويد” – على حد تعبيرها – بالزغاريد وأطباق الطعام كأنهم المخلصون. متناسية أن من يُطلق عليهم الجنجويد هم الذين يقاتلون لحساب عشيرتها هناك.

 غرقتُ في كوابيس الماضي حتى أيقظني صوت اللاسلكي.

قفزتْ ثلاثة أشباح من كراسيها وتحركتْ ناحيتنا وتجاوزتنا. سحبتْ ابتهال يدها من فوق ذراعي وألقت بليّ الشيشة على الأرض. لكنهن غادرن في الاتجاه الآخر، وعندما عبرن الشارع من أمام سيارة توقفتْ لهن تعرفتُ على زيهم، وبدتْ سحنات الجند – وللمفارقة – من قبائل غرب البلاد، فيما لمحتُ طبنجة توجه فوهتها النائمة باتجاه مؤخرة ثالثهم. بدا أن ذلك المقبض سيستخدم أخيراً. هنا وسط الخرطوم.

 قالت ابتهال بفزع : يلا نمشي!

 مررتُ عشرة جنيهات للسيدة التي كانت هادئة بتواطئ، وكأن ما سيجري لا يعنيها. الجميع بقوا في أماكنهم. في ظرف دقائق خمس كنتُ أنطلق بالسيارة في اتجاه الشرق.

 “مســــــــــــاء الخيــــــــــر 

يــــــــــــــــــا أميــــــــــــــر

يا الحُبَك.. شَغَلَ الضميــر

الضميـــــــــــر يــــــــــــــا

غيرك ما لــــــــــــــــــــــي

سميـــــــــــــــــــــــــــــــــر”

 كان محمود عبدالعزيز يلتهم مساحة الصمت التي بيننا بأغنية عبدالعزيز أبو داوود الأثيرة لدي. كنتُ قد شغلّتُ الراديو خطأً ليلتقط موجة إذاعية من أم درمان فيما كانوا يذيعون أغنية من تراث الجعليين – أو البطاحين لا أذكر – بوصفها نشيد المذابح العرقية المفضل لجنود الجيش :

«أنا ليهم بقول كلام.. دخلوها وصقيرها حام»

 ضغطتُ الزر لتشغيل الكاسيت فوراً. كانت ابتهال غائبة عن الوعي. فيما قفز إلى ذهني تسجيل مصوّر للأغنية شاهدتُه على يوتيوب ذات أمسية مازوخية. أدتها على المسرح مجموعة من الفنانين المصاحبين للسر قدور من برنامجه «أغاني وأغاني» هذه المرة في حفلٍ بالأُبيض. كان المسرح يعج بالجمهور من سكان كردفان عندما هرع إلى الخشبة كل الجالسين المعممين في الصف الأول ملوحين بعصيهم مبتهجين بأغنية الحماسة سيئة السمعة. إلى أن رأيتُ في صدرهم والي شمال كردفان أحمد هارون، فأغلقتُ اللاب توب من الهلع!

 شيء من الضباب بدأ يغلف الأجواء. بدت الصورة أكثر عتمة مع شيوع الكتاحة. كأن انقطاع الكهرباء عن المدينة لم يكن كافياً لإثارة الفوضى لتضربها عاصفة من الرمل. جو من الخوف بدأ يتسلل متأخراً من نوافذ السيارة وأصوات أبواق السيارات تعلن غرق المدينة. رأينا ونحن نغلق النوافذ من بين الضباب الرملي دبابتين تخرجان من سياج المطار إلى اتجاه ما. فيما كانت دبابة ثالثة واقفة عند ناصية شارع جانبي أحاطتها فوضى من الركشات. قدتُ قاصداً الشوارع الجانبية في اتجاه يبعدني عن هنا. عندما وصلنا إلى شارع النيل في اتجاه برج الاتصالات الشاهق سألتني ابتهال :

– ماشين وين ؟

– حنهرب!

 دقائق أخرى وانتهينا في حيّ الجريف. عبرتُ من أمام أرض أبي فوجدتُ الخيمة فارغة. لم يكن ثمة أثر للأرملة وأبناءها سوى أقمشة مأواهم التي أخذتْ تتهاوى مع هبوب الريح. تخليتُ عن فكرتي المبطنة وقُدت باتجاه المزارع المطلة على النيل الأزرق. في حصاره الطبيعي الذي كان يطبقه على العاصمة من الشرق ملتفاً في شمالها إلى الغرب حيث يلتقي بالنيل الأبيض وهو يطبق الحصار على الخرطوم من جهة أم درمان. ليواصل في مقرن النيلين أطول قبلة في التاريخ. باتجاه بحر الهرب الأكبر. المتوسط.

 عندما توقفتُ أمام النيل كان الماء أسود. حتى القمر كان في المحاق.

 تطبق المزارع من حولنا بمزيد من الوحشة. لا يصدر منها إلا صوت جريد النخل المتراقص للريح. كمائن من الطوب كانت تحتل الضفة من أمامنا اختفى عمالها وغفيرها. غادرتُ السيارة ممسكاً بيد ابتهال ونزلنا في اتجاه الماء. الدخان الخانق في الضفة ينتشر حيث جلست نسوة من النوير ميزتهن في الغبار. كانت لهن نفس الشلوخ التي على وجه الأرملة. أكبرهن سناً كانت المعلمة. تجلس القرفصاء في اتجاه الماء وهي تدخن الشيشة مكتفية بإعطائهن التوجيهات. على قدر كبير فوق كومة من الحطب المشتعل كن يقطرن العرق. سلمتُ عليهن دون أن يشعرن بالمقاطعة. لم يلتفتن حتى لابتهال، وردين عليّ بتحية فاترة.

– داير قزازتين

– الأرقي لسه سخن

– ما مشكلة.

 كانت ابتهال غارقة في الدهشة من المشهد بشكل استشراقي. لم نكن حتى قد ابتعدنا خارج العاصمة. عندما مررتْ لي إحداهن قارورتين من العرق الساخن. نقدتها ورقة من فئة الخمسين وأمسكتُ بابتهال مبتعداً في اتجاه الجرف. البابور المعد للسقاية ظل ساكناً. نزلتُ باتجاه خرطومه الممتد إلى قاع النهر وطلبتُ منها أن تخلع حذائها وتشمر بنطلونها الذي التصق بساقيها بشكل عجزتْ فيه أن تشمره من شدة ضيقه. لم تتكبد حتى عناء النظر خلفنا أو سؤالي عن الوجهة. نشوتها بأنها تعيش وقتاً غير اعتيادي دفعتها لأقصى ما يمكنها اختباره، وكأي من فتيات الجنوب تصالحتْ مع جسدها وخلعتْ البنطلون تماماً. ابتسمتُ دون أن تصدر ضحكتي صوتاً لألا أشعرها بالحرج. قلتُ لها وأنا أحمل القارورتين وفردتي حذائي في تأهب لعبور النهر:

– حتندمي!

 سرّجتُ القارورتين حول بنطلوني الذي كنتُ لا أزال محتفظاً به في موضعه، ومدتُ ذراعي الفارغة لها. عبرنا. ما أن لامس الماء ساقيها حتى بدأت تتأوه من البرد فيما تجاسرتُ على النهر كي لا يُقلل من شأن ذكورتي التي باتت تعنيني الآن أكثر من أي وقت مضى. كان ذلك الجانب من النهر ضحلاً، فبدونا كمسيحيّن يسيران على الماء. إلى أن وطأت أقدامنا الجزيرة.

 استغرقنا نحو ثلاثين متراً. لم نكن حتى بحاجة إلى زورق. لكن وجودنا على تلك المساحة الرملية وسط النهر. تلك الجزيرة التي تغرق سنوياً في موسم الفيضان منحتنا الاحساس الكافي بأننا بعيدان عن الخرطوم. التي اختفتْ الآن خلف الضباب الرمليّ والعتمة. لم يكن على الجزيرة شيء سوانا. قطعة يسيرة من الصحراء حفرتُ في طرفها ثقبين سرعان ما غرقا بالماء الفاتر ودفنتُ فيهما القارورتين بغرض تبريدهما، وارتمينا على الرمل دون أن أُلمّح إلى احتمال وجود التماسيح في أطراف الجزيرة. لسبب ما. شعرتُ بأن النهر كان آخر مخاوفنا. وحدها ابتهال كانت صامتة من الصدمة وهي تحدق للضفة الأخرى وكأننا اجتزنا الحدود إلى أثيوبيا. حيث سنستكين بمأمن عن الأعين الحاقدة. معاً. بمفردنا، وسرعان ما ستفتح القارورة ونشعر بنشوة الماء من حولنا كأننا قوم جلوس من حولهم ماء!

 قالت ابتهال وهي لا تزال ساهمة باتجاه نساء النوير حول الحطب:

– عايزة أعيش هنا

– لما الشمس تطلع حتغيري رأيك.

 لم تعترض:

– خلاص خلينا نعيش الليلة هنا. الليلة بس. كأنوا دي آخر ليلة.

كانت المرة الأولى التي تصدر فيها قولاً رومانسياً بذلك الرخص دون أن أشعر بالاستياء:

– خلاص. نكملها للآخر

 لم يكن لتلك العاصفة الرملية أن تتبدد لولا هطول المطر. أخذتْ ابتهال تضحك بخبل. فيما بدأت ثيابنا تبتل حتى التصقتْ بجسدينا. بدتْ عاجزة عن سترنا بلا معنى. فيما سرى اتفاق ضمني بيننا بأن نبقى. تبللنا تماماً، وأخذنا دون سابق اتفاق بخلع ثيابنا. احتفظتُ بسروالي الداخلي فيما أضافت ابتهال إلى ذلك سوتيانها. سرعان ما تخلصتْ منه بوصفه قيدٌ أخير قابل للكسر. تحررنا من الأسر كليةً ونحن نشاهد الفراغ المبلل. صوت الماء المنهمر من الأعلى على الماء الجاري في الأسفل. أمسكتُ بكتفها ورميتُ جذعها على الرمل الرطب. كانت ساكنةً تماماً ومطمئنة كما يجب. لا حطب النوير ولا تلألئ النجوم كان ليفضحنا وهي تختفي خلف الغيوم. قبلتُها ودفنتُ وجهي في وجهها. تسع سنواتٍ من المراهقة العذرية المغلفة بالصداقة تبددتْ. دون أن تعوزنا الحاجة إلى التجاسر بقارورتينا الممتلئتين. أمسكنا ببعضنا أخيراً بعد أن فلتنا من الخرطوم. ما كان لأصوات الأعيرة النارية ولا الدانات والحرائق أن تشوش علينا استنشاقنا لزفير أنفاسنا المتصاعدة. كانت هنا في وسط النهر الضحل ذروة لحرب أخرى لن تنتهي بالموت. حرب جميلة خضناها أخيراً بعد ركود من الانتظار والحصار المحرّم. بغية الاستعاضة عن حياتنا التي لم يحق لنا أن نعشها كيفما نريد بلحظات ختامية مغتلسة. سنختار فيها على الأقل نهايتها كما نشتهي. عاريين لا تسترنا سوى عتمة الخرطوم.

هوامش :-
* وردت الكلمة في طبعة ٢٠٠٢ من الكتاب بوصفها “الأيام الخيرة” ورغم ما تمثله من تغير تام في المعنى إلا أنه من الواضح أن حذف الهمزة كان خطأً مطبعياً.


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

رسمة المقال من أعمال الفنان السوداني ساري أحمد

 

الهروب من القاهرة

“لشروق الشمس.. وغيرها”

ثَمّةَ امرأةٌ
ترقبُ شروقَ شمسٍ قديمٍ على بحرِ البلطيق
من شُرفةٍ في الزمالك.

النهارُ يتسلقُ ظِلالَ الأمكنة
لتصيرَ أمكنة
لا بحرَ في جنينةِ الأسماك،
هنالكَ أشجارُ نخيلٍ شاهقة لا تُشبه الشُعَب
وأنتَ تركض
في شوارعَ يطمسونَ مِن جُدرانِها صُورَ الشُهداء
ليعلقوا لافتاتِ المُرشّحين
إلى المجلسِ والهُتاف
وتمجيدِ الفشل

المدنُ ليستْ كخرائطها
لا كما أنتَ في زيّ المدرسة
ليست كصور الأبيض والأسود
ولا أنتَ تُشبه المرايا

المدينةُ تُغيّرُ جِلدها
تتأهبُ للدغِ الأجيالِ الجديدة
بِسُّم الهزيمة نفسه
وأنتَ تركض
تبحثُ عَمّن يُقلُّك للمطار
هرباً مِمنْ سَتربتُّ على كتفك ليلاً
مَنْ ستبتسمُ لشعرك المنكوشِ في الصباح
وتخففُ عنك الكوابيسَ ووطأةَ الأيام
مِن الواحاتِ البعيدةِ قبلَ أن تَؤول إلى سَراب
والماءِ الذي سيتلوهُ ظمأ
من الشمسِ التي تُشرقُ كي تَغرب
واللقاءِ الذي يَنتهي بوداع
هرباً من الحنين
في شُرفة بالزمالك.


نشرت المقالة الأصلية في البعيد

رسمة المقال من أعمال الفنان المصري شناوي

 

وودي آلن.. الكمّ على حساب الكيف؟

يطل وودي آلن، بفيلمه السنوي هذه المرة بعنوان Irrational Man “الرجل اللا عقلاني”، مقدمًا لنا شخصية البروفيسور آبي لوكاس، أستاذ الفلسفة المرموق الذي يؤدي دوره الممثل البورتوريكي خواكين فينكس، ليلعب مجددًا على ثيمة البطل المصاب بالاكتئاب وأزمة منتصف العمر. السمّات الشخصية التي خولّت كِت بلانشيت لنيل جائزة الأوسكار عن دورها في فيلمه ياسمين أزرق Blue Jasmine العام 2013.

يضاف إلى ذلك، العناصر المعتادة التي صبغت أغلب أفلامه التي تسخر من الإنتلجنسيا الأمريكية (النيويوركية غالبًا) من مثقفين وفنانين وأكاديميين، باعتبارها ركنًا أساسيًا من أفلامه ونصوصه القصصية والمسرحية، وهي الشريحة الاجتماعية التي يعتبر وددي آلن أحد أبرز رموزها في القرن العشرين. فيما يأخذ النقد اللاذع من العلاقات العاطفية، ومؤسسة الزواج تحديدًا، حصة كبيرة من أسلوبه الكوميدي. بشكل أسس له نمطًا خاصًا فيما يعرف بسينما المؤلف، بوصفه سينمائيًا نادرًا ما يقدم إلى الشاشة نصًا ليس من تأليفه.

وكسائر أفلامه، يبتعد وودي آلن عن أي تقنيات إخراجية مبهرة ليواصل سيره في تيار معاكس لأفلام هوليوود التقليدية كبيرة الإنتاج. معتمدًا بشكل أساسي على الحوار الساخر والحبكة المليئة بالمواقف الغرائبية لشخصياته المضطربة، وهو هنا في “الرجل اللا عقلاني” يعرض انتقال البروفيسور النابغ الذي تسبقه سمعته الأكاديمية إلى الجامعة المنقول إليها حديثًا. بشكل يرسم حوله هالة كاريزمية توقع في غرامه زميلته ريتا التي تتورط معه في خيانة زوجية يحبطها فيها بروفيسور لوكاس، بافتقاره لأي رغبة جامحة لممارسة الجنس نتيجة لاكتئابه، فيما نرى على الجانب الآخر انسحاق طالبته جِل -قامت بدورها إيما ستون- أمام شخصيته التي تسحرها في مدى عمقها والإحباط الذي يتعاطى به بروفيسور لوكاس مع العالم من حوله.

لدرجة تجعل من شخصيته ومحاضراته مادة دائمة لحديثها حتى مع أسرتها وعشيقها الذي يواجهها بدوره بفكرة وقوعها التدريجي في غرامه. الأمر الذي تواصل في إنكاره إلى أن يثبت العكس في المشهد الذي تحاول فيه تقبيله في مدينة الملاهي، في حبكة بدت مكررة ومألوفة في أفلام آلن الذي دائمًا ما يقدم أبطالًا ساحرين أيروتيكيًا كتعويض سينمائي ربما لحياته العاطفية التي يبدو أنها ليست بهذا الشغف، ربما!

تكرار تناول هذه الثيمات ليس العيب الوحيد الذي وقع فيه “الرجل اللا عقلاني”، بل هو “اللا عقلانية” غير المقنعة التي حاول آلن تداركها في عنوان الفيلم لتبرير حبكته. حيث نرى فجأة البروفيسور لوكاس وقد انقلبت حياته رأسًا على عقب بشكل يحرره من حالة الاكتئاب ليجد دافعًا وهدفًا لمواصلة حياته ما أن يسترق السمع بالمصادفة، بصحبة طالبته جِل في أحد المطاعم، لأم تحكي بمرارة لجمع من معارفها القضية التي تواجهها في المحكمة والتي ستخسر فيها حضانة أطفالها لمعرفتها المسبقة بفساد القاضي الذي يتولى سير القضية. ليقرر بعدها البروفيسور لوكاس قتل هذا القاضي بالسم في خطة محكمة يدفعه لتنفيذها انعدام أي تعارض مباشر للمصالح أو المعرفة المسبقة بالقاضي، الذي يموت بالفعل في ظروف غامضة بالنسبة للشرطة التي لا تظهر أبدًا في الفيلم.

يأتي هذا الحافز المفاجئ بعد أن نعرف مسبقًا أن وقوع بروفيسور لوكاس في حالة الاكتئاب نجم في الأصل عن مقتل صديقه المقرّب في العراق، إضافة إلى جملة اعتراضية عابرة في مجمل تعريفه بنفسه لطالبته وعشيقته اللاحقة جِل، بقضائه ستة أشهر في إقليم دارفور كضرب من ضروب التجربة الإنسانية المغايرة لرجل أبيض، رغم إحاطته المباشرة بهذه المآسي الدموية التي عاصرها، لم يتحرك ضمير لوكاس المضطرب وإحساسه الغامر بانعدام العدالة من حوله إلا من حادثة فساد قضائي بسيطة كهذه، وبمحض الصدفة، ولم تكن لتؤدي إلى توقيع عقوبة الإعدام على أحد بطبيعة الحال، متعاطفًا مع امرأة مجهولة بالنسبة له لم ير وجهها حتى في المشهد.

ضآلة المساحة الكوميدية في الحوار مقارنة بقدرة وودي آلن المعتادة على السخرية، وضعف الحبكة بشكلها غير المقنع، والاستسهال الواضح في تقديم المعالجة السينمائية للقصة، أصابت “الرجل اللا عقلاني” في مقتل باعتبار تلك العناصر هي الأرضية التي تقف عليها سينما وودي آلن، ولم يتبق هنالك إلا جودة الأداء التمثيلي الذي لن يقع فيه التقدير إلا للممثل نفسه، حتى وإن كنا على يقين أن إدارة الممثل هي مهمة تقع على عاتق المخرج بالأساس، وحتى الموسيقى التصويرية التي تميزت أفلامه بأنها نافذة سينمائية على كلاسيكيات موسيقى الجاز -التي يفضلها آلن بوصفه عازف ترومبيت محترف- بدت في هذا الفيلم كسولة باقتصارها على شريط موسيقي واحد ومكرر في معظم مشاهد الفيلم، بغض النظر عن الحالة الشعورية للشخصيات، متوترة كانت أم مرحة.

هذه الضربة غير الموفقة تعطي انطباعًا بأن وودي آلن إنما كتب هذا الفيلم وقدمه بحكم الواجب، حتى لا يمر العام دون أن يقدم فيلمًا لدور العرض، مع العلم أنه ومنذ العام 1971 لم تمر سوى ثلاثة سنوات لم ينتج فيها آلن فيلمًا، آخرها كان العام 1981، فيما كان يخرج في بعض السنوات فيلمين أو ثلاثة، ما يجعل في رصيده الآن 55 شريطًا سينمائيًا كتب معظمها بنفسه، كان “الرجل اللا عقلاني” واحدًا من أسوأها، كضحية لانحياز المخرج إلى كفة الكم في مقابل الكيف.

جوني المشاء يتسكّع في الخرطوم

هذا النزوع البليد للتمرُّد متجذر في نفسيتي ليس فقط لكوني سودانياً أنتمي بحكم النحس لدولة يحكمها نظام إسلامي.

لا أتعاطى شيئاً لدرجة الإدمان أكثر من الموسيقى. ما عدا ذلك، فهي ممارسات لإشباع الحاجة البيولوجية أو الإمتاع بغرض البهجة الآنية. هذا ليس إدعاءً بالتطهرية (البيورتانية) فالمتعة هي فضيلتي الأسمى على أيّ حال، وافتقادها في إدمان تعاطٍ ما هو أدعى إلى الإحجام. هذا ما أوقفني عن شرب الكحول بشكل شبه تام ولفترة ليست بالقصيرة، وهو ما ساعدني أيضاً أن أقرر ذات صباح التوقف عن التدخين “القانوني” فيما عدا الشيشة التي لا أزال مواظباً عليها. أما التدخين غير القانوني فيظل محدوداً وفقاً للمناسبة ونوعية الصحبة، وإن كنت قادراً على الوصول إليه دون أن أنفق فيه قرشاً لكثرة رفاق السوء، أو “نافخي الكير” وفقاً للسنة النبوية.

تمرّد

وبعيداً عن السجال حول تقنين المخدرات ثمة درس تعلمته من أمستردام “الممنوع مرغوب” ليس مجرد كليشيه. فكرة أن تدخل المقهى وتشتري الصنف الذي تريده من “النباتات” سواء كان من أفغانستان أو من جامايكا -مع خاصية شراء السجائر ملفوفة إن كنت ممّن لا يحسنون اللف- تفقد عملية تدخين المخدرات لذة الاختلاس. خصوصاً مع صرامة القانون الهولندي المبتذلة التي تسمح لك بتدخين المخدرات داخل المقاهي أو المنازل فقط. في حين يدفعك قانون منع تدخين التبغ في الأماكن المغلقة إلى الخروج بالسيجارة “العادية” للشارع. حتى لو كان المكان مقهى لبيع المخدرات إبان شتاء جليدي عاصف. هنا أتيحتْ لي فرصة اللذة. أن ندخن الحشيش في الشارع، فبالنسبة إليّ تُكسِب أبعاد المخاطرة ولا قانونية تعاطي “المُكيّف” متعته الحسية الأصلية متعة مضاعفة يوفرها جريان هرمون الأدرينالين في الدم. وجدتُ أجمل تفسيرٍ لهذه الحالة عند أبي شهاب الأبشيهي في “المُستطرَف” وإن كان قد أورد نادرته تلك في باب عنونه بـ”في ذكر الأشرار والفُجّار وما يرتكبون من الفواحش والوقاحة والسفاهة” حين ذكر “قيل لأعرابيّ كان يتعشق قينة: ما يضُرّك لو اشتريتها ببعض ما تنفق عليها؟ قال: فمن لي إذ ذاك بلذة الخِلسة، ولقاء المُسارقة، وانتظار الموعد؟”.

هذا النزوع البليد للتمرُّد متجذر في نفسيتي ليس فقط لكوني سودانياً أنتمي بحكم النحس لدولة يحكمها نظام إسلامي. بل يُضاف إليه أنني سعودي المولد والنشأة. لكنه لحسن الحظ تمرُّد لعبتْ فيه العوامل الوراثية دوراً بارزاً. كون أبي شيوعياً سِكيراً. مع حقيقة أنه أفنى العقود الثلاثة الأخيرة من حياته موظفاً لحساب الحكومة السعودية. لذا كان تمرّدي على “سُلطة الأب” في فترة مراهقتي هو أن أكون مسلماً صالحاً. لدرجة دفعتني خلال المرحلة المتوسطة (الإعدادية) لأن أُصبح ميّالاً للتيار السلفي الوهابي. لولا أن أبي كان ماهراً بالشكل الكافي لإفشال هذا المخطط بطرق بسيطة. عندما قرر أن ننتقل أنا ووالدتي وأخواتي الثلاث للعيش في مصر فيما كنا نتبادل الزيارات في العطلات. بدأ هذا “المخطط” يجني ثماره في خطوات بسيطة ومتدرجة. ففي واحدة من زيارات والدي للقاهرة التقيتُ بالشاعر السوداني عاطف خيري مصادفة في المسجد بعد صلاة الجمعة وقدمتُ له دعوة لزيارة منزلنا كونه جارنا، فإذا بأبي يدعو صحبه ويقيم مجلس سُكر على شرف الشاعر في الليلة ذاتها.

أبي هو أول من “أدار لي راحاً” قبل حتى أن تتساوى الأكتاف ويصبح هو خير جليس لي في البار. كان ذلك في التسعينات مع أحد “بلدياتنا” النوبيين من خدم القصور الملكية يدعى فتحي فلاح. تحديداً في قصر الملك الراحل فيصل بن عبدالعزيز. حيث لا وجود للشرطة إلا في محيط القصر. كنتُ لا أزال في الخامسة أو أقل. طفلاً مزعجاً بالنسبة إلى أبي الذي كان بالكاد قد وجد ملاذاً آمناً لاحتساء الخمر، فما كان منه عندما أخبرته بعطشي إلا أن ملأ كأساً شفافا من العرق ومده لي بوصفه ماءً، وبعد بكاء وبصاق استسلمتُ لنوم عميق وفّرَ له سهرة هادئة وقصة مسلية عن طفولتي البائسة.

“ابنك لو كبر خاويه”

انتقالي للدراسة مع أخواتي ووالدتي إلى القاهرة مطلع هذا القرن كان فرصة رائعة لأبي للخروج -من حين إلى آخر- من تزمّت قوانين الشريعة في السعودية والسودان، وما هي إلا سنوات قلائل حتى صرتُ أرافق أبي لمقهى الحرية في باب اللوق. بحيث صار ذلك مدعاة للافتخار بالنسبة إليّ كون أبي “راجل cool”، ولكن لذلك حدود، فالرجل شيوعي سوداني. مما يعني أن التزامه باللائحة الداخلية للحزب يجعل منه محارباً لدوداً لكل أنواع المخدرات التي قد يُفصل بسببها من الحزب إذا أُثبت تعاطيها، وهو الدرس الذي لم يستوعبه صديقي أحمد ندا في المرة الوحيدة التي دعوته إلى رفقتنا على سطح فندق بمصر الجديدة استطعنا فتح باره خصيصاً لنا وبأعجوبة أثناء حظر التجوال المفروض عشية الإطاحة بالرئيس محمد مرسي العام 2013، فمن فرط عجزه عن تصديق مدى كون هذا الرجل الأشيب “كوولاً” استرسل ندا في سؤال أبي إن كان أيضاً محباً للحشيش. مما جعل أبي ينفي متجهماً ويلغي بذلك أحمد ندا من لائحة المدعوين.

لم يكن الأمر كذلك طوال الوقت، فحتى بعد أن بدأتُ في الشرب -متأخراً قياساً لمتوسط عمر الصعلكة في عائلتنا- كنت لا أستلطف أن أشارك والدي الشرب وإن كان مجلسه مسلياً لي. لأسباب كلاسيكية لها علاقة بالاحترام والاحتفاظ بالهيبة وهذا الكلام الفارغ. حتى جاءت تلك اللحظة البائسة مع انتهاء الجولة الأولى من الانتخابات المصرية في 2012 وخسر حمدين صباحي بفارق بسيط لتصبح الجولة الثانية حكراً على مرشحي الإخوان وفلول نظام مبارك. كنت يومها أزور والدي في السعودية للمرة الأخيرة في حياتي -بإلغائي لإقامتي هناك- ويوم أُعلن فوز محمد مرسي. مددتُ يدي أسفل سرير أبي حيث زجاجة مياه معدنية من ماركة “مكة” كانت تحوي لتراً من العرق. جلبتُ من المطبخ كأسين وشاركتُ أبي الشراب للمرة الأولى ونحن نشاهد قناة الجزيرة صامتين في كامل التعاسة حتى أدركنا النعاس.

لم يكن إحباطنا من فوز مرسي نابعاً من أيّ استبصار أو قدرة طبيب على التشخيص السليم، ولكنها خبرة المُجرّب الذي سبق له أن أُصيب بنفس المرض، لكننا على الجانب الآخر ولاستسلامنا لربع قرن من حكم الإسلاميين في السودان لم نتوقع أن يحل الثلاثين من يونيو بتلك السرعة.

ومع الأسف، لم يجعل إخفاء الإخوان المسلمين “الحالي” من المشهد السياسي من مصر فردوساً للعلمانية، فقانون الجهر بالإفطار -مثلاً- لم يُشرّعه برلمان 2012 بل هو سابق له. هنا يكمن عمق المهزلة بالنسبة إلى حال الصعاليك من أمثالنا، فبدلاً من أن يتم استغلال الانتفاضة -المدعومة من الجيش- ضد الحكم الإسلامي لإرساء نظام علماني، نجد في مصر خطاباً سُلطوياً أخلاقياً مُتجذراً، وميلاً مائعاً للمحافظة -مثلاً برضو- على المادة الثانية لدستور السادات “الشريعة الإسلامية مصدراً رئيساً للتشريع″ والتي غازل بها الرئيس الراحل الحركات الإسلامية التي اغتالته لاحقاً. لتصبح هذه المادة فوق دستورية بحكم العُرف حتى مع خروج جماهير هذا الشعب “المتديّن بطبعه” لإسقاط الجماعة التي تتخذ من الشريعة الإسلامية نفسها أيديولوجية سياسية. هذه الميوعة المسماة “بالوسطية”. هذا الفصام هو ما يدفع إلى الجدال الزائف حول “مدنية الدولة” والتستر خلفها ككود يرمز للعلمانية التي يُعد الإشارة الصريحة إليها أمراً مُعيباً يجب نكران الإيمان به. لنجد أن التستر خلف المدنية بعد 30 يونيو ووصول مشير إلى سدة الحكم أمر مضحك مع السيطرة الخالصة للجيش على مقاليد الأمور في الدولة، ونكتشف بغباء أن مدنية الدولة هي مقابل للعسكرية لا الدولة الدينية، وهي في الحالتين معدومة.

هذه الميوعة هي ما يجعلنا نرى صوراً كتلك التي انتشرت في 30 رمضان عام 2013 على فايسبوك لجمهرة من الناس تصطف أمام وفوق وتحت محل درينكيز للمشروبات الكحولية ليلة العيد، والتي تتسق تماماً مع الذهنية التي تدفع شاعر “نهج البُردة” أحمد شوقي لينظم في قافيَّته الشهيرة التي لطالما حسبتها إحدى هرطقات أبي نواس:

رَمَضانُ وَلّى هاتِها يا ساقي * مُشتاقَةً تَسعى إِلى مُشتاقِ

ما كانَ أَكثَرَهُ عَلى أُلّافِها * وَأَقَلَّهُ في طاعَةِ الخَلّاقِ

اللَهُ غَفّارُ الذُنوبِ جَميعِها * إِن كانَ ثَمَّ مِنَ الذُنوبِ بَواقي

بِالأَمسِ قَد كُنّا سَجينَي طاعَةٍ * وَاليَومَ مَنَّ العيدُ بِالإِطلاقِ.

منع بيع الكحول أثناء المناسبات الإسلامية كان أكبر صدمات أبي في “مدنية” مصر. كان ذلك على ما أذكر العام 2003 عندما قرر أن يستغل العطلة الطويلة التي تُمنح لموظفي الحكومة أثناء شعائر الحج وحتى انتهاء عيد الأضحى ليهرب من بطش الحجاز إلى مجون القاهرة. أيقظني أبي ثاني أيام وصوله مبكراً وقال لي بلهفة “يلا الحرية!”، وكان أمراً باعثاً على الحماس أن تذهب إلى ذلك المقهى قبل أن يستلم النادل ميلاد الوردية. جلس أبي بأريحية على الكرسي الخشبي وطلب بكل طلاقة زجاجة استلا من النادل القبطي الذي رد عليه بابتسامة حزينة:

النادل: آسفين يا باشا.. ممكن تطلب بيرل أو فيروز لو تحب.

أبي: أنا بقول ليك استلا تقول لي فيروز؟ ليه ؟ خلصت؟ (قالها بفزع).

النادل: كل سنة وإنت طيب.. النهارده وقفة عرفة!

هنا بلغ الغضب من أبي كل مبلغ وصرخ في النادل: عرفة مين؟! أنا سايب جبل عرفة وراي وجاي هنا عشان أسكر تقول لي وقفة عرفة؟!

لذا، عندما قرر أبي القدوم للقاهرة خلال شهر رمضان 2013 لم تكن مسألة سوء التوقيت مفاجئة له. “ثلاثين وقفة عرفة” كاملة كانت في انتظاره. مطبقاً بشكل عمليّ طرفته المفضلة التي يحكيها لنا في كل شعبان عندما قيل لأعرابي إن رمضان أقبل، فقال “والله لأبدّدنه بالأسفار!” لكن قراره بالسفر كان مفاجئاً بالنسبة إليّ ومتعارضاً مع خططي. ما اضطرني للعودة من مصيف دهب لتعذر انتقال العائلة برمتها لجنوب سيناء، فكان التساؤل الأكبر لأبي في الهاتف قبل أن يصل إلى مطار القاهرة: السوق الحُرة مفتوحة في رمضان يا حسام؟

وليس من قبيل المصادفة أن يرتبط احتساء الكحول بالتحرر: “مقهى الحرية” و”السوق الحرة”!

كانت الاحتفالات مُرجأة للعيد وفقاً لقصيدة “أمير الشعراء”. بينما ظلتْ لديّ خطط بمعزل عن أبي. أهمها أنني كنت أنوي منذ أشهر السفر إلى الخرطوم خلال شهر رمضان “طالما إنها بايظة بايظة” ولم يكن وصوله للقاهرة دافعاً كافياً لإلغائها. عرّفته على بعض الأصدقاء، وتواصل هو مع أصدقاء قدامى. رسموا له في وسط البلد خارطة طريق للبارات التي تقدم الكحول في رمضان، وبعيداً عن صخب النادي اليوناني -بفرعيه- وبارات الفنادق الصديقة التي قد تقدم الكحول للجميع بحكم فهلوة العاملين عليها. كان ثمة ثغرة في قانون منع تقديم الكحول في المناسبات الإسلامية. ألا وهي “جواز السفر الأجنبي”.

أفريكيا

فأثناء لقائي لتناول الغداء مع صديقتي غيدا نوري في الزمالك اقترحتْ أن نذهب لشرب البيرة إن كان ثمة سانحة لذلك، ولوجودنا في شارع البرازيل اقترحتُ سطح فندق يحمل إطلالة لطيفة على النيل. استُقبلنا في البار استقبال الفاتحين كوننا الزبائن الوحيدين في ذلك النهار الرمضاني المشمس. لولا شرط جزائي من النادل -الذي كان قبطياً أيضاً- بأن نكون حاملين لجوازات سفر أجنبية. جاءت إجاباتنا قاطعة وواثقة. لكوني سودانياً وكون غيدا لبنانية، وعندما طلب منا النادل بصرامة ضابط شرطة إخراج جوازاتنا اكتشف حقيقة أننا “عرب” وأن السودان ولبنان ليسا من الدول الأجنبية!

بعيداً عن المفارقة المضحكة التي تجعل نوبياً أسود مثلي يوضع في نفس فئة التصنيف العرقي مع لبنانية شقراء. انخرطتُ في نقاش محموم مع النادل لأقنعه بأن كلينا لسنا عرباً، وأنه حتى لو كانت بلداننا أعضاء في الجامعة العربية فإن هذا لا يعني أننا مصريون، لأن القانون يجب أن يطبق على المسلمين والمصريين منهم فقط لا العرب. “العربي مش لازم يكون مسلم يا مينا!” لكن النادل لم يقتنع بتاتاً. لا لشيء إلا لأن مبرراتنا ما كانت لتقنع ضابط شرطة السياحة -لاحظ، ليست هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!- التي سيحق لها حينها أن تغلق البار ويُقطع رزق العاملين في الفندق.

هنا خدمتني الذاكرة. وتذكرتُ المفارقة الأكبر لهذه القصة، أن صديقتي اللبنانية ولدتْ لأم ولدتْ بدورها في غامبيا. مما جعل صديقتي مستحقة للحصول على الجنسية الغامبية. سألتها عن جواز السفر الآخر فقالت إنه في منزلها القريب لكنها لم يسبق لها أن استخدمته لأنها دائماً ما تسافر بجوازها اللبناني، وهنا أتيح لها أن تستخدم جوازها “الأفريقي” للمرة الأولى.

كانت نظرة النادل معبرة وهو يفتح الجواز، فقد كان يقف أمام فتاة بيضاء بشعر أشقر وعيون ملونة تحمل جوازاً لدولة أفريقية لم يسمع عنها من قبل حتى في كأس الأمم الأفريقية (الرابطة الشعبية الوحيدة للمصريين بأفريقيا)، فغامبيا ليست أكثر من شريط رسمه الإنكليز حول نهر يخترق السنغال المستعمرة من قبل فرنسا وأسسوا على ضفتيه دولة يبلغ أقصى عرض لها 48 كيلومتراً. كل ذلك لم يكن مهماً. المهم أنه كان بحوزة صديقتي جواز سفر “أجنبي” يجعلها مُخوّلة للجلوس في البار لاحتساء البيرة فيما كنت أنا ممنوعاً من ذلك (لذلك طلبت مع الشيشة منتجاً آخر لشركة الأهرام خالي من الكحول: بيرل)، وهكذا أنقذنا جواز أفريقي لم أحمله أنا الزنجي وحملته لبنانية كان أقصى نقطة وصلتها غرباً في أفريقيا هي مدينة الإنتاج الإعلامي.

دليلك إلى: كيف تهرّب زجاجة ويسكي من مطار الخرطوم؟

سفري إلى الخرطوم وترك أبي في القاهرة كان مُحبِطاً بقدر ما لكلينا. لكن أبي كان مُتفهماً بشكل كبير، كبير جداً. لدرجة أنني ما إن أخبرته أن “علاقات” زوج خالتي بسلطات مطار الخرطوم تسمح لنا بالخروج من الصالة دون التوقف عند ضباط الجمارك قدّم لي عرضاً مغرياً طالما أننا سنقضي العيد في مدينتين مختلفتين، وعرض عليّ أخذ زجاجة واحدة من زجاجات الويسكي الأربعة التي اشتراها من السوق الحرة: “ما عدا الشيفاز!”. كانت تلك ملاحظة مهمة منه لأنه لولاها لكانت من نصيبي، وسافرتُ إلى الخرطوم بزجاجة جوني ووكر “ريد ليبول”.

لم أكن يوماً من عشاق “مصر للطيران” التي تبيع الكحول في الأسواق الحرة وتمنعها على متن طائراتها. لكنها كانت في أبسط مقارنة مع الخطوط السودانية خياراً موفقاً جداً، والأهم أن اختياري لهذه الرحلة في هذا التوقيت تحديداً كان متزامناً مع رحلة صديقتي رغدان القادمة من مانشستر إلى الخرطوم على متن مصر للطيران، وبدلاً من لقائها أثناء الترانزيت في القاهرة كما فعلتْ في رحلة الذهاب انضممتُ إلى الرحلة رفيقاً. وصلنا بكامل وعينا لمطار الخرطوم الذي تحوّل مع تقلص حجم السودان إلى مطار إقليمي فاقداً صفة “الدولي” مع ازدياد وتيرة الضغوط السياسية على النظام، ليتناسب بذلك طردياً مع حجمه الطبيعي كواحد من أصغر المطارات الدولية في العالم. كل ذلك لم يكن مهماً، طالما أنني أستطيع الدخول لهذا المطار دون تأشيرة دخول. المهم: أن أنجو بزجاجتي.

لم أكن طامعاً في الريد ليبول على أيّ حال، ففوق عزوفي عن شرب الكحول لم يكن ذلك نوعي المفضل من الويسكي. لكنها كانت محاولتي لمفاجأة صديقي مأمون التلب في جحيم الخرطوم بوصفها أفضل هدية زواج لشاعر سكير. إضافة إلى أنها المرة الأولى التي لا أحضر فيها زفافه -بوصفي الشاهد الثاني على زيجته السابقة بالقاهرة- تملكتني رغبة جامحة لرؤيته يسكر ويشاركني الضحك الهستيري دون أن يضربه بسبب العرق المحلي الصنع إعصار “الكيتوك” صباح اليوم التالي (الكيتوك هو الـ Hang over باللغة السودانية).

إذا كان هنالك صفة غير الكسل ترسم الصورة النمطية العربية عن السودانيين فهي إدمان الكحول، وهو ما يدلل على سوء حظ السودانيين الذين يتمتعون بطقس ينغص حياة أيّ كسلان، وقانون مناهض لكل أشكال البهجة، فخلال التحولات التي أصابت سياسة أنور السادات في مصر وانتهاجه لسياسة الانفتاح وتراجعه عن الاشتراكية الناصرية، كانت عدوى مماثلة تصيب -لأسباب محلية- الرئيس جعفر نميري في الخرطوم. الذي تطرف في مغازلة الإسلاميين بما يفوق المادة الثانية من الدستور المصري وقرر أن يهب الدستور كاملاً عام 1983 للنائب العام حسن الترابي طالب السوربون الذي انشق عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين والخارج لتوه من سبع سنوات قضاها في سجون النميري متحالفاً معه ضد الشيوعيين، وطُبقتْ في السودان مذ ذاك قوانين الشريعة الإسلامية الشهيرة بـ “قوانين سبتمبر”.

لم تكن النتيجة المباشرة لتطبيق هذه القوانين هي فقط إغلاق البارات والنوادي الليلية ومنع تقديم الكحول في الفنادق والمطاعم وإغلاق مصانعها. بل اجتثاث ثقافة شعبية كاملة تقوم التسلية فيها بشكل أساسي على الخمر والجنس في مجتمع “الإنداية”، وهي أندية لصنع وتقديم الكحول محلية الصنع من المحاصيل المتوفرة محلياً في قرى السودان. وثّق لها بشكل أكاديمي الطيب محمد الطيب في كتاب حمل الاسم نفسه، وقدم له بروفيسور عون الشريف قاسم الذي كتب في المقدمة “فالإنداية كما يذكر الطيب في بداية كتابه من الأمور التي لا يصح الحديث عنها في عرف المجتمع السوداني إلا في مقام الذمّ وهي من أجل ذلك لا تجاور سكناهم بل تُقصى إلى أطراف القرى والمدن وقد تُضرب في الخلاء، ويطلق عليها ‘الجو’… ولكنك بمجرد تصفح الكتاب وسبر غوره تجد أنه يدهشك أن المخبر غير المظهر وسرعان ما يكتشف القارئ أن الإنداية التي يتحدث عنها الكتاب ما هي إلا مظهر من مظاهر الحياة السودانية وهي ككل المؤسسات الاجتماعية لها نظمها وتقاليدها وقيمها التي يلتزم بها من يرتادونها ويذمّون من يخرج منها”.

ملاحظة اعتراضية: شغل بروفيسور عون الشريف قاسم الذي قدم لهذا الكتاب منصب وزير الأوقاف والشؤون الدينية أوائل السبعينات خلال حكم الرئيس نميري بعد عمله كأستاذ في جامعة لندن.

قامتْ انتفاضة شعبية بعد إقرار قوانين سبتمبر بعامين وأطاح وزير الدفاع المشير سوار الذهب برئيسه نميري في 6 أبريل (يا للمفارقة!) 1985 وبعد أن سلّم الجيش السلطة للأحزاب عبر إقامة الانتخابات النيابية قفز الإسلاميون إلى السلطة عبر صندوق الاقتراع. لم يكتف الإسلاميون بالاحتفاظ بقوانين الشريعة والمشاركة بنسبة جيدة في الحكومة الائتلافية. لكنهم قرروا التخلص من الحياة النيابية برمتها وتحالفوا مع الجيش في انقلاب عسكري في 30 يونيو (يا للمفارقة برضو!) 1989 أطاح بعده بعشر سنوات المشير عمر البشير بعرّابه حسن الترابي. ليعود الأخير إلى صفوف المعارضة مجدداً وهو يراقب النظام الذي أرسى دعائمه وهو يحوّل السودان إلى مسخ متهلهل.

هل كنتُ أفكر في كل هذا وأنا أقف أمام صف انتظار الحقائب في مطار الخرطوم؟ بالطبع لا. هذا التداعي الحر للأفكار هو من نصيب الكتابة. أما آنية اللحظة فقد استحوذ عليّ فيها الأدرينالين بشكل طاغٍ كما كنت أتشدق أعلاه. ليس فقط لأن زوج خالتي “المسؤول” قرر أن ينتظرني في الخارج دون أن يصحبني في رحلة الخروج أمام ضباط الجمارك. بل لأن رغدان أخبرتني بأمر كان غائباً عن خطتي الارتجالية البلهاء تماماً. عندما سألتها عن السبب الذي تخرج فيه بعض الحقائب إلى السير وهي ملطخة بطباشير ترسم علامة (X). الإجابة ببساطة أن الحقائب وقبل أن تسلم لأصحابها تمر أولاً بجهاز أشعة (X) وأن هذه الطباشير هي رسالة لضباط الجمارك كي يفتشوا الحقائب المعلمة و”يجمركوا” ما فيها. كانت الزجاجة لتظهر على أيّ حال في أي جهاز، فقبل أن أركب الطائرة. حاول أمين شرطة في مطار القاهرة ابتزازي أثناء دخولي للصالة قائلاً : هو إيه اللي في الشنطة ده؟

(للحظة أصابني الرعب قبل أن أتذكر أنني لم أقلع بعد وأن القانون المصري في صالحي)

أنا: قزازة ويسكي.

أمين الشرطة: طب ينفع كده؟

أنا: أنا جبتها من السوق الحرة من هنا على فكرة. لسه من 4 تيام.

أمين الشرطة : طب كل سنة وإنت طيب.

وانتهى الحوار بعشرة جنيهات. لكن أضعاف هذا المبلغ ما كانت لتنقذني في مطار الخرطوم مع زجاجة البلاك ليبول الملفوفة داخل عدد من الألبسة الداخلية والمحشورة جيداً في حقيبتي السوداء التي كان لرغدان نفسها أن اصطحبتها من نيروبي إلى الخرطوم قبل أشهر لكثرة وزن أغراضي، وكان ذلك سبب تعارفنا، ولخوفها ممّن هم على شاكلتي طلبتْ مني يومها أن تفتش الحقيبة قبل أن توافق على اصطحابها لتجد أنها مليئة بالثياب والكتب فقط. لم أخبرها تلك الليلة في مطار الخرطوم بأمر الزجاجة حتى جاءت الحقيبة أخيراً. أمسكتُ بها وقلبتها على بلاط الصالة، واكتشفتُ أن حظي لا يزال يعمل وأن الحقيبة نظيفة تماماً. مع الأسف. كانت العادة السودانية الشائعة في حمل حقائب الغير عاملاً متوفراً في هذه القصة أيضاً. حيث خرجتْ حقيبة كانت قد أعطتها لي أمي لصالح خالتي -التي يرفض زوجها الآن انتظاري- محملةً بعدد غريب من أطقم الكؤوس الزجاجية، ومزينة من عدة زوايا بعلامة (X) بطبشور وردي.

تلك كانت المرة الأولى التي أمر فيها بطمأنينة من أمام ضباط جهاز الأمن والمخابرات ويكون باعث قلقي هم رجال الشرطة. عبرتُ بثقة مفتعلة من أمام أول شرطيين. سألتهم عن الجمارك وأنا عالم تماماً بمكانها فسألوني إن كانت حقائبي ملطخة بالطباشير:

كذبتُ: لأ.

الضابط : طيب بتسأل من الجمارك ليه ؟ أمشي طوالي كده! (وأشار إلى مخرج الصالة).

كان يقف هناك ضابط آخر أرفع رتبة. الحقيبة النظيفة من الخارج والملوثة من الداخل ظلت في المقدمة كونها الأكبر حجماً. أما حقيبة أمي الصغيرة ذات الطباشير فكنتُ أسحبها خلفي في الجانب الأعمى من وقفة الضابط. لم يرها الضابط الذي قدمتُ له جوازي على سبيل التضليل فسمح لي بالمرور فوراً.

بدا الأمر لي كلعبة فيديو. ينتقل فيها اللاعب من مرحلة إلى مرحلة ومن مقاتل إلى مقاتل. إلى أن وصلتُ إلى الحاجز الأخير حيث مرحلة الوحش. كان عقيد من شرطة الجمارك يقف أمام المخرج الصغير يتحدث عبر مكالمة في الهاتف. مما جعلني أتفاءل خيراً بانشغاله، وما إن مررتُ من أمامه حتى ركل بحذائه حقيبة أمي مشيراً إلى علامة (X) اللعينة. أخبرته أنها لا تحوي شيئاً فقال مقاطعاً مكالمته بانزعاج “لو ما فيها شي ما كان شخبطوها ليك! أمشي خليهم يفتحوها هناك!”، وأشار إلى حيث تدور رحى معركة من الفتح والإغلاق مع بعض المسافرين المحظوظين. لم أكن أخشى شيئاً من فتح حقيبة أمّي وكنت على استعداد كامل للتخلص منها في الجمارك مقابل الخروج بحقيبتي المفخخة التي خشيتُ أن تفتش من باب “ما إنت كده كده جيت فخلينا نشوف شنطتك التانية”.

اتصلتُ بزوج خالتي مجدداً الذي كان مستمتعاً بتورطي في هذا القلق وهو مُصّر على معرفة ما في حقيبتي. قررتُ تجاهل ضحكه المستهتر في الهاتف وخوض المعركة بنفسي، وتركتُ حقيبتي ذات الريد ليبول عند المخرج وسرتُ صوب الجمارك بحقيبة الكؤوس الزجاجية الفارغة من أي ويسكي. لحسن الحظ. فتشها الضابط، وضحك عندما رأى شكل الكؤوس الفارغة متخيلاً كيف بدت في شاشة جهاز أشعة (X) وألصق لي ملصقاً يشير إلى سلامة محتويات الحقيبة، بينما أسترق النظر من لحظة لأخرى لحقيبتي الواقفة بجوار العقيد المتحدث في التلفون. لم يعلق أحد على حقيبتي الأخرى النظيفة، فعبرتُ من مرحلة الوحش آمناً بزجاجتي إلى شوارع مدينة تحكمها الشريعة.

“قالي الرُخص قلت لو معيش”

شوارع الخرطوم كان لها طريقتها في احتوائي بثغراتها الأمنية المحاطة بقيم أخلاقية عجيبة. كنت قد دعيتُ مع زميل دراستي وصديقي العزيز مانديلا (واسمه الحقيقي : محمد علي) إلى زفاف ابنة عم زوجته، وكأيّ حفل زفاف سوداني أصيل خرجتْ زجاجات العرق من تحت الطاولات أمام كل شخص يدعي شرب الـ”سفن أب”، وبينما كان عم العروس يتذمر من كيفية احتمال العيش في بلد يصل فيها سعر زجاجة الويسكي إلى المئة دولار تذكرتُ كم كنت محظوظاً في المطار، ولاحتْ لي فكرة أن أتاجر في تهريب الكحول إذا لم أوفق في الحصول على وظيفة جيدة في السودان، وبعد أن صعد أحد مسؤولي الصالة عند الواحدة صباحاً لخطف المايكروفون من “ندى القلعة” الفنانة التي أحيتْ الفقرة الأخيرة معلناً انتهاء الحفل وفقاً لقوانين ولاية الخرطوم الموروثة من حقبة حظر التجول، استعد صديقي مانديلا للمغادرة ليجد نفسه ثملاً تماماً، ومع وجود زوجته وابنيه عرضتُ عليه أن أقود سيارته حتى أم درمان في مقابل أن يوفر لي سريراً للمبيت. كان العرض موفقاً بالنسبة إلى كلينا رغم كرهي الصادق لأم درمان، فقد أتيح لي أمر لطالما أحببته، القيادة في شارع النيل ليلاً بعيداً عن الزحام المروري. متجاهلين أنني لا أمتلك رخصة قيادة.

كما توقعتْ. مررنا بحاجز أمني قبل العبور إلى جسر النيل الأبيض الواصل بين الخرطوم وأم درمان. كانت لديّ دائماً 20 جنيهاً جاهزة في كل مرة أقود فيها سيارة في الخرطوم لعدم امتلاكي لرخصة. لكن الشرطي الذي أوقفني كان في ثياب زرقاء لا بيضاء. مما يعني أنه ليس من شرطة المرور، وبعد رؤيتنا للحيته الطويلة تأكدتُ أنه لن يكون ممن يتقبلون الرشاوى خصوصاً إذا كانت مبلغاً تافهاً كهذا. سألني بصرامة: السلام عليكم، الرخصة يا أخ!

كان لفريق أوتوستراد الأردني أغنية أعزها جداً يقول مطلعها “قالي الرخص قلت لو معيش” كان دائماً ما يشغلها صديقي ووكمان ونحن نتسكع في كورنيش المعادي بسيارة يقودها برخص منتهية. للمرة الأولى أتذكر الأغنية وأنا من يقود. اعترفتُ منذ أول سؤال: أنا ما عندي رخصة ولا بطاقة رقم وطني ولا حتى جواز سفر!

الشرطي: قيف على جنب!

كان المهم أنه مهما بلغ سوء الموقف مع الشرطي هو أن أتحمل المسئولية كاملة، فقيادة السيارة بلا رخصة في الخرطوم أمر أقل وطأة من اكتشاف الشرطي لاصطحابي لرجل مخمور، وقبل أن أضغط على دواسة البنزين أحدثتْ زوجة مانديلا حركة لافتة من المقعد الخلفي وهي تقوم بتعديل حجابها، وهنا كانت ابتسامة القدر:

الشرطي: أنا آسف جداً. نحنا ما بنوقف عربيات فيها نسوان. أنا آسف يا أستاذة ما شفتك.

أنا: يعني أعمل شنو؟

الشرطي: اتفضل أمشي!بعد لحظة صمت عمّها عدم التصديق ونحن نعبر الجسر إلى أم درمان. أجبتُ على دكتورة رحاب التي عبرتْ عن سعادتها بإنقاذنا من الموقف بقولي: اوعى أسمعك تاني بتقولي لي Feminism!

المادة 78: شرب الخمر والإزعاج

عادتْ بي الذاكرة فوراً إلى أيام جدة عندما كان لا يحلو لأبي أن يتورط في شرب الكحول إلا برفقة والدتي له في السيارة عند العودة إلى البيت. مسألة عدم إيقاف النساء في الحواجز الأمنية كانت من المحامد النادرة في المجتمعات الذكورية. في حالة مأمون التلب صار الأمر أفضل بكثير. ليس فقط لأن زوجته نانسي عجاج هي من تقود السيارة دائماً، بل لأنها أيضاً مغنية مشهورة في السودان.

قصصتُ على مأمون ونانسي قصة تهريبي لزجاجة الويسكي من المطار وأضفتُ بذلك سرداً جديداً لتاريخنا المخزي المشترك من قصص السُكر، فمأمون من أكثر الرجال خوفاً من شرطة النظام العام رغم كونه أكثر من خرق المادة (78) من القانون الجنائي “شرب الخمر والإزعاج”. لذا ظلت القاهرة ونيروبي ملاذيه الآمنين، لدرجة أنه كان من المرجح دوماً أن تجده في البار مع زوجته الأميركية السابقة عند منتصف الظهيرة، وعندما جاء والدها من أميركا لحضور حفل زفافهما في القاهرة صادر مأمون حقيبته السياحية التي كان يتدلى من داخلها خرطوم بلاستيكي متصل بحاوية تحتفظ بدرجة حرارة الماء.

اتصل بي عشية أنه صادرها وهو بصحبة صديقنا الشاعر هرمس وطلبا مني التوقف في طريق عودتي من الجامعة في 6 أكتوبر عند ساقية الصاوي بالزمالك. كنتُ مصدوماً من كون مأمون وهرمس قد وافقا على المشاركة في أمسية شعرية في مكان “مُتزمت” كهذا، وعندما انضممتُ إليهما تبددتْ مفاجأتي ما إن مد لي مأمون خرطوم الحقيبة. شربتُ شفطة صدمتْ رأسي بجرعة قوية من الفودكا. هنا ضحكا، وعرفتُ أنهما يخططان للنيل من هيبة عبدالمنعم الصاوي، وبهذا انضممتُ أنا أيضاً للقراءات، وتلوتُ الشعر ثملاً في الساقية.

كان مظهر مأمون المهذب في سيارة نانسي بلا جدائل راستا. مرتدياً قميصاً مكوياً وحذاءً بجوارب غريباً عليّ حقاً، ويليق فعلاً بزوج فنانة شهيرة. المثير للريبة أن مأمون لم يفقد حس فكاهته مع زوجته الجديدة بل بدا أكثر “روقاناً”. كانت صورتنا ونحن نركض معاً بعد منتصف الليل في حيه السكني الخرطومي الذي أسماه “الواقعية السحرية” هرباً من رجال شرطة السواري (الخيالة) ماثلاً وأنا معه في السيارة. تذكرتُ كيف تسللنا كمقاتلين في حرب شوارع من زقاق إلى آخر حتى نصل لـ”ست العرقي” النائمة داخل كوخها المهلهل عند أطراف مقابر المسيحيين لنأخذ منها زجاجة عرق بالدّين.

إرثٌ ثقيل من الصعلكة كان قد اجتاحني مع نشوة الرجوع للخرطوم، وبعد سماعه لقصة المطار التفتَ مأمون فجأة بعد أن هدأ من نوبة الضحك وسأل: بالمناسبة، وين قزازة الريد ليبول؟! فأخرجتها من حقيبة ظهري التي لم يكن فيها أيّ خراطيم قائلاً “إنت ما بتتزوج كل يوم. دي هديتي!”. ضحكنا مجدداً ونانسي تجري بنا في شوارع الخرطوم “المدينة”، ولم يتردد مأمون للحظة وقرر أن يخرج جوني “المشاء” ليشاركنا الجولة وأصداء بهجتنا تتردد في سكون مدينتنا الفاضلة الغارقة في الكآبة.

ملاحظة ختامية: عند فراغي من كتابة هذا المقال اتصل بي والدي من جدة. لا لشيء إلا لأنه نسي أن يخبرني أنه ترك زجاجة الشيفاز في دولاب غرفتي بالقاهرة، لأنه مع غيابي في الخرطوم لم تكن تتوفر له صحبة السكر التي تلائم جودة ذلك النوع من الويسكي. إنني حقاً لا أبالغ حين أقول إن أبي هو أعز أصدقائي.

حوار مع نانسي عجاج

عندما اقترحتُ على نانسي عجاج إجراء هذه المقابلة ذات سهرة من شهر أيّار/ مايو الماضي بعد إحدى حفلاتها في الخرطوم كانت لا تزال مقيمة في دولة الإمارات. مر شهران قبل أن نجلس سويةً ونتفرّغ للحوار، سافرتُ خلالها إلى القاهرة وبذلتُ مجهوداً مضاعفاً لاختصار الوقت والمسافة عبر مراسلتها في دبي بالإنترنت. تواصلنا بالفايس بوك وواتساب ولم ينجح الأمر حتى عُدت. على الجانب الآخر كانت هي قد اتخذت القرار أخيراً بالاستقرار في السودان بشكل نهائي بعد مسيرة فنية تجاوزت العقد، أقامت خلالها العديد من الحفلات في السودان وخارجه بعد سنوات طويلة من الإقامة في هولندا – بلدها الثاني – التي درستْ فيها التاريخ الاجتماعي بجامعة روتردام قبل أن تتفرغ تماماً للموسيقى وتُصدر ثلاثة ألبومات غنائية 1جعلتْ منها واحدة من أشهر الفنانات في السودان إن لم تكن أكثرهن شعبية.

التقيتُ بها أخيراً في شقتها الجديدة وأجرينا المقابلة في زيارتين. بدت نانسي أكثر استقراراً وتركيزاً على مشروعها، بفرقة مكتملة، وأفكار كثيرة لإنجاز أغانٍ جديدة، وبالتأكيد بروفات متواصلة. لكنها لم تتخلص من حالة التوتر التي دائماً ما أراها فيها قبل الحفلات. اقترحتْ أن نجلس في مطبخها حيث يمكنني أن أدخن وأشرب فناجين متواصلة من القهوة بينما أسجّل ردودها على أسئلة أعددتها مسبقاً منذ أسابيع.

زرتها مرة أخرى للوقوف على بعض الردود غير الواضحة في التسجيل وكان عليها مع انقطاع التيار الكهربائي – أحد سمات الخرطوم – أن تجيبني على ضوء الشموع. لم أشعر خلال تلك المهمة بالإرهاق بقدر ما أحسستُ أثناء الحوار وبعده أنني أتعرف على نانسي عجاج للمرة الأولى منذ ٢٠٠٩، لأنني فقط عندما طرقتُ بابها في هيئة الصحفي المحاور تجرأتُ على أن أتجاوز عفوية العلاقة الأُسريّة/ الإنسانية لأتناقش معها بصفتها النجمة الشهيرة، وهي لم تخيّب ظني على الإطلاق، وأبدت قدراً شاسعاً من الشغف والمثابرة والوعي بالأسئلة التي يجب أن يطرحها الفنان قبل أن يقدم إبداعه إلى الملأ.

حسام: ولدتِ كابنة لملحّن وموسيقي سوداني هو بدر الدين عجاج، فكان من الطبيعي أن تصبحي مغنية، بل مطربة بالمفهوم الشعبي، اعتمدتْ اعتماداً أساسياً على امتلاكها لخامة صوت متفردة. في رأيك، وبغض النظر عن عوامل التنشأة والوراثة. ما هو الدافع الذي جعلك تتجهين إلى الغناء أول مرة ومن ثم اختياره كمهنة؟

نانسي: طيب [تتنهد] كويس أنك قلت بغض النظر عن عوامل التنشأة لأنه عوامل التنشأة لا تقود الناس بالضرورة لمصائر واحدة. أعتقد أنك إذا كنت فنان حقيقي لن تكون الموسيقى مجرد مهنة أو هواية. بتكون نداء داخلي. أنا حتى قبل ما أبتدي أغني دائماً كانت علاقتي بالموسيقى أو بالناس اللي بيشتغلوا في الموسيقى قريبة. يعني بتذكر لما كنت في الثانوية – في الوقت اللي أنا ما بغني ولا عارفة نفسي حأبقى مطربة – كنت دائماً قريبة من أي نشاط موسيقي في محيطي لدرجة إني بحضر بروفات الكورال في المدرسة. كنت قريبة بشكل أو بآخر. بسمع كتير. في فترات ما، كان بعض الناس متخيلين أنه راسي ما أوكي2 لأني بقعد ستة وسبعة ساعات في الكرسي وأسمع. في رغبة داخلية بتخليك دائماً بتفكر في الموضوع ده ولك علاقة به. دي الحاجة الأولى والأساسية: أنه الموسيقى أمرها بيهمك وانت عندك علاقة به وعايز تكون جزء منه. بتحس أنه في فكرة ما في رأسك عايز تعملها، كل العليك إنك تكون موهوب وتمتلك الأدوات. يعني ما ينفع تديها وقت ومجهود بس. دي مسئولية كبيرة، غير وجود الفكرة برضو وجود آخرين وخيال وأفكار وتراكم موسيقي وحاجات كتيرة جداً جداً. كده إنت يا دوب ابتديت.

حسام: وهل هذا هو نفس الدافع الآن؟

نانسي: آي. حسه3 الحاجات وضحت لي. عرفت أنا عايزة شنو وعارفة أعمله كيف. بقيت أدرى وأكثر خبرة. زمان ما كنت فاهمة أنا مفروض أعمل شنو بالضبط وكيف أطور نفسي. هل أنا المفروض بكون بحفظ مزيكا كتيرة؟ هل المفروض أكون بعزف؟ لأنه بابا كان عايزني، أو متوقع أني أكون موسيقية. كان حريص أنه يعلمني مزيكا. أنا ما كنت عارفة مساهمتي حتكون شنو ولا أنا حيكون عندي إضافة أو لا. لكن دائماً كنت حاسة إني معنيّة بالموسيقى لسبب أو لآخر. أنا حاسة أنه عندي مسؤوليّة تجاه الحاجات دي4 زي مسؤوليتي تجاه أركماني5 يعني قرار إني أبقى مطربة ما لأنه جو ظريف أنا عايزة أكون فيه، ولا لأنه ما عندي شي تاني بجيده. دا موضوع بهمني وما من شيء يهمني أكثر منه.

حسام: قلة تمرّدوا على الطريق التقليدي للغناء في السودان وأصبحوا نجوماً من الدرجة الأولى دون المرور بأم درمان6: مصطفى سيد أحمد ومحمود عبد العزيز مثلاً، استطاعوا الوصول للناس بطريقتهم. فيما كان على محمد وردي ومحمد الأمين والكثير غيرهما أن يحققوا أنفسهم عبر المنافذ الإعلامية الرسمية. كيف وصلتِ أنتِ؟

نانسي: في ناس بيعملوا في موسيقي وتجارب مختلفة وما بالضرورة مروا بنفس الطريق ده، وفي نفس الوقت في ناس مروا بالطريق ده وقدروا يتدرجوا لمرحلة تانية. محمود عبد العزيز نفسه، وأنا واحدة من الناس، وفي سن محددة لما بدأت علاقتي بالموسيقى تتطور بشكل واعي وبقيت أسمع وأفتش، أغاني كثيرة سمعتها لأول مرة بصوته. أغاني cover. ومش هو بس، أنا كمان عملت حاجة مشابهة. ما كنت بغني في حفلات ومناسبات اجتماعية. لكن الكاسيت الأول (7 كان كله عبارة عن أغاني cover. لكن في الكاسيت اللي بعده أضفت فيهو أغاني خاصة تطرح لأول مرة، وهكذا. وعليه ما في مانع أنه الواحد يمر بمحطة الأغنيات المسموعة، لكن السؤال كيف يتم الاستفادة من المحطة دي والمحطات التانية. يعني تناول مدروس ومحسوب. كيف تتم صناعة الفنان في السودان؟ الغالبية العظمى بتتم بطريقة عشوائية. زول يسمعك ويقول لك صوتك جميل وتبتدي تغني في المناسبات لغاية ما تبقى “مطرب مجاز”، وفي آخيرين – ولكنهم أقلية – بمروا في الموسيقى بمحطات مختلفة. الأكيد في حراك كبير، وفي مزيكا جديدة. في جرأة أكبر مختلفة عن الغناء السابق أو غناء الحقيبة 8 إنت قلت وردي ومحمد الأمين، وغيرهم من جيل الرواد، كانت ظروف صناعة الأغنية مختلفة في زمنهم، وتعامل الناس مع الأغنية مختلف. بياخدوا زمنهم، وبيعملوا ورش. السرعة والبزنس بقوا ضلع أصيل في عملية صناعة الفنون.

فلق الصباح من ألبوم سحر النغم

زمان كانت الموسيقى من أجل الموسيقى والفن من أجل الفن. حسه العملية بقت تجارية، ودخول العوامل دي  براها9 ما بالضرورة هو المشكلة. المشكلة عملية القفز على المراحل البتحصل دي، لأنه ببساطة بسببها ما بيتاح للفنان الشاب جو طبيعي للتأهيل والتراكم والخبرة المطلوبة للتطور وتجاوز مرحلة الـ cover songs. حتي حصص التربية الموسيقية في المدارس ذاتها بقت حسه ما موجودة اللي هي واحدة من الحاجات البتديك الأساسيات من البداية، يعني في اللحظة اللي إنت حسيت فيها إنك ممكن تكون فنان أو إنك تغني حتعمل شنو يعني؟ غير إنك تغني في مناسبات الحلة 10 وتسمع ليك كلام ظريف وبعداك تمشي تجيز صوتك.

حسام: بناءً على هذا يمكن أن نقول أن ثمة مركزية تحاول احتكار ذائقة الجمهور. في دولة تتركز فيها صناعة القرار في العاصمة وتُحرس إذاعتها القومية بالدبابات حماية لها من أي محاولة لتغيير النظام، وتقرر ما يصل للجمهور وما لا يصل، وطالما أننا لسنا بصدد أغاني الكتمة ومشهدها الـ Underground11، إلى أي مدى تعتقدين أن المشهد الموسيقي السوداني بشكله الحالي سيحتمل هذه المنظومة الاحتكارية التقليدية؟

نانسي: لحد ما يتولى أمر الإعلام من يعتقد فعلاً بأهميه التنوع الثقافي، وتبذل أفكار وجهد وأموال لانتاج مواد تعبر عن التنوع دا بشكل عادل وكافي. القصة ليست لجنة الإجازة، لأنه الآن في ناس كتير بيغنوا، إذا الناس ديل مروا على لجنة إجازة أصوات حتكون كارثة طبيعية [تضحك] ياخي أنا ليه الكلام ده بقولوا لمجلة عربية 12 منو يغني ومنو لأ دي حاجة ما مسيطرة عليها لجان، على الأقل ما بشكل كامل. ممكن تكون مسيطرة على فئة من الفنانين من أعضاء اتحاد المهن الموسيقية أو المطربين اللي بيعملوا حفلات جماهيرية، حفل معلن عنه في مكان معلوم. ممكن تجي المصنفات تقول ليهم: وين تصريحكم  ولا وين إجازتكم ولا غيرو 13 لكن ما مسيطرة على الحلة والأعراس أو انتاج أعمال جديدة، فالموضوع ما اللجنة الموضوع أنه – وحرجع لسؤالك – الإعلام فارض على الناس نوعية محددة من الموسيقى. حسه مافي براح. ببساطة لحد ما تتغيير سياسات التوجيه والإقصاء، ويكون في أفق أكبر، ولما يكون في البراح البخلي الناس تشوف مواد مختلفة في التلفزيون وتكون الحاجات طبيعية، حتجي تاني مزيكا غير.

حسام: ولماذا ينتظر الفنان أن يتاح له هذا البراح؟ لماذا لا يخاطر هو ويساهم في صناعة التغيير؟

نانسي: البراح دا ما مقصود بيه الفنان عشان ينتج – نحن نتحدث هنا عن السيطرة على الذائقة وغيرها – في فنانين إلى الآن ودائماً حيكونوا – وبعتبر نفسي واحدة منهم – بيعملوا في حاجات مختلفة. لكن عشان يكون التنوع دا موجود فعلاً وياخد فرصه الطبيعية للانتشار.  شنو هي السيطرة؟ إنك تكرر نفس المزيكا وتحاصر الناس وما تدي فرصة للآخر المختلف أنه يكون موجود، ما بيكون في أي مدخل.

حسام: يتضح من إجابتك أنك لا ترين أن هذا مساراً طبيعياً، ولكن هل الفنانين داخل هذه المنظومة يفضلون هذا المسار؟ أم أنهم يسعون لتغيير المنظومة؟

نانسي: ياخي ده بيعتمد على كل فنان، لأنه عدم وجود المنظومة بشكلها ده أو السياسات المتبعة المفترض ما يتعارض معاك او يعطلك إنت كفنان حقيقي عندك مشروع وخط سير واضح. الكسل موجود، وفي اللي أنا بسميهم “أنصاف موهوبين” المستفيدين من الوضع، فعلى حسب.

حسام: شيء يمكن للمقربين منك أن يلاحظوه بسهولة. كل حفلة لك هي حفلة أولى تستدعي منك الكثير من التدريب والتحضير وتدفعك إلى التوتر والقلق كأنك تصعدين لخشبة المسرح لأول مرة. هل تعتقدين أن حالة التوتر هذه ستختفي عندما تصلين لمرحلة معينة من تجربتك؟

نانسي: لا، ما حتختفي وما عاوزاها تختفي. أول حاجة القلق عموماً جزء من شخصيتي. وتختفي ليه؟ أنا أي عرض بالنسبة لي فعلاً أول عرض. ما لأني ما واثقة، لكن أنا بسعى للكمال وما همي أنه أطلع أحسن من منو، ولا منو أحسن مني، أنا عندي موضوع في راسي دا و دايراه يصل 14 وبكون متنشنة. بكون مرات غريبة في المسرح، فالتوتر ده ما حينتهي ولا دايراه ينتهي لأنه عرفت أنه جزء مني.

حسام: أنت من قلة محظيّة في المجتمع السوداني توفرت لها الفرصة للهجرة على مشارف سن البلوغ وفي مرحلة بائسة من تاريخ السودان – التسعينيّات15 – وصارت قادرة على الخروج والدخول في أي وقت إلى أي مكان. هل هذه هي الحالة الأسمى التي يمكن فيها للإنسان السوداني أن يتقبل الحياة في السودان بظروفه الحالية؟ حيث يمكن أن تشتاقي للخرطوم؟

نانسي: لأ. بس أحياناً الواحد بيكون مرتبط بحاجات كتيرة16 أنا ما بفتكر أنه بالضرورة إنه سفري المتواصل أو استقراري خارج السودان هو الخيار الأفضل لسبب بسيط أنه المفترض ما تركب طيارة ما بين مكان شغلك وبيتك، على الأقل. لكن مرات ارتباطات أخرى مختلفة بتجبرك تكون في أماكن كتيرة تانية.

حسام: ألم تؤثر اقامتك في الخارج على وضعك المحلي هنا في السوق؟

نانسي: أبداً. يعني أنا من ما بديت أغني وأعمل حفلات في السودان كنت هناك في مكان ما17 وبالعكس ومع مرور الزمن بقيت برجع للسودان كتير ونشاطي بقى أكتر لدرجة إني في سنة واحدة جيت ثمانية مرات.

حسام: قبل حلول الألفية الجديدة كان هنالك سوق سوداء كبيرة لا تحترم حقوق الملكية الفكرية. ما الذي قد يدفع مغني سوداني في ٢٠١٥ لإصدار ألبوم غنائي سينتشر مجاناً على الانترنت بعد أيام من تسجيل الأغاني في الاستديو؟

نانسي: عموماً لما ظهرت شركات الانتاج الفني على حداثة عمرها وتجربتها في السودان، ما كان في مشاكل بتاعت قرصنة كثيرة. القرصنة تطورت مع تطور سوق الكاسيت وتعدد الشركات – أنا بحاول أسرد ليك سرد تاريخي – ما الذي يدفع المغني السوداني في ٢٠١٥ لإصدار ألبوم غنائي؟ أنا حسه مثلاً عندي أغاني جديدة، حدخلها استديو، الـعملية البيمر بيها أي عمل جديد : من نص ولحن وموسيقي وتوزيع،  كويس؟ بصل لغاية المرحلة دي وعملية طبع الألبوم هي اللي ما حعملها لأنه أنا ذاتي تصوري لانتشار الأغنية اختلف مما كان عليه قبل أربعة أو خمسة سنوات. مثلاً في جمهور متابعني بيخليني عارفة أنه الأغنية دي أنا لمن أفكها 18 حيسمعها، وعملية التوزيع والتسجيل أنا حعملها كلها ليه؟ لأنه أنا مقتنعة أنه إنت عشان تطلع الأغنية بشكل متقن في CD وتعمل mastring ليها، دي أحسن فرصة ممكن تديها للأغنية عشان تتسمع كويس. التفاعل الجماهيري الحي دي حاجة ظريفة، لكن عملية التسجيل دي أحسن فرصة للسماع الأول للأغنية. فإنت لازم تسجل عشان تكون بس على الأقل منصف مع الأغنية اللي إنت بتقدمها لأول مرة. أنا مقتنعة أنه عملية طباعة الأغنيات في كاسيت أو سي دي ما مجدية. الشي الإيجابي أنه الجمهور بيعرف وين يلقى موسيقتي ويتداولها 19 وبعداك عندي حفلات بقدر أقدم فيها الأعمال دي. يعني أنا أو أي فنان آخر ما بيقدر يتجاوز عملية التسجيل، أما مسألة الطبع دي ممكن يتم تجاوزها لأنه الإنترنت بقى مفيد ومساعد لأنه عالم مفتوح.

حسام: المستمع للغناء السوداني سيكتشف احتكار آلة الأورغ للتوزيع الموسيقي المدفوع بأسباب اقتصادية بحتة على الأغلب. مؤخراً استبدلتِ عازف الأورغ العادي في فرقتك بآلة Synthesizer. هل تعتبرين استخدام الآلات الموسيقية الإلكترونية هو معالجة لمعضلة غياب آلات النفخ والوتريات التقليدية في فرقتك أثناء عملية التوزيع؟

نانسي: هي ما معضلة إنتاجية. بختلف معاك في النقطة دي. المشكلة إنه السمع المتاح للناس في الحفلات وغيره بيتقلص في شكل واحد وموسيقى فقيرة وما فيها الحياة والديناميكية المطلوبة. آلة الأورغ هي ألة واحدة ولا يمكن تحل محل الفرقة المنتوعة الآلات. دي عندها آثارها بالتاكيد. يعني إنت بتكون بتسمع في موسيقى محنطة ومافيها أي روح. ده شيء مؤذي. إذن دي مشكلة عرض حي. ما مشكلة بتاعة إنتاج أغاني لأن ما بالضرورة الأورغ مُعتَمد عليه بشكل فردي في توزيع جميع الموسيقى داخل الاستديوهات . معظم الغناء التقليدي بيتم تنفيذه بواسطة موسيقيين حقيقيين. في حالات استثنائية في فنانين نفذوا بيه موسيقى جيدة، الخيال في الموسيقى بقى مفتوح جداً وليس مقتصراً على الآلة، في ناس بستخدموا التصوير في الأغنية، بأصوات ومؤثرات هي أصلا ما أصوات آلات عادية. يعني لا غنى عن الأورغ. المحك الحقيقي ببقي كيف توظفه صح. أنا مثلاً كان لي معاهُ تجربة ما بفتكر إنها سيئة، وبرغم إني ما حصل اعتمدت عليه فقط في العرض الحي. عندي ألبوم كامل فيهو أغنيات حققت انتشار واسع كله كان منفذ بالأورغ. زمان كنت بمتعض من الطريقة اللي بيشتغلو بيها الأورغن والتأثير بتاعه على الناس. لكن في النهاية اتصالحت مع الموضوع، لأنه ببساطة دي آلة. المشكلة ما فيها المشكلة كيف توظفا، والمشكلة الثانية اقتصادية اللي بتخليه هو الآلة المتاح فيها أصوات آلات كثير ممكن تأدي كم غرض.

حسام: طيب. خوفك من تأثير استخدام الأورغ على الناس، خصوصاً في أنماط الموسيقى الشعبية المعتمدة بشكل أساسي على الأورغ [أغاني الكتمة] وبروز موسيقيين مثل أيمن الربع شكلوا نسقاً جديداً يعتبر فيه عازف الكي بورد هو النجم لا المغني، هل يشير إلى أنك تحملين رأياً سلبياً إزاء هذا النمط الموسيقي؟

نانسي: آيوا- وبدون ذكر أسماء – عندي مشكلة لأنه دي نفس النقطة اللي أنا بتكلم فيهامن قبيل. الفكرة كالتالي: الشيء الطبيعي إنك تستمع لموسيقى فيها حركة وفيها ديناميكية فيها لحظات ذروة وفيها لحظات هدوء. ناس المزيكا بيعرفوا الكلام ده. في النوع ده من الموسيقى اللي بيتم فيها الاعتماد على الأورغ بشكل أساسي 20 الأورغ بيكون مدوّر بـمتواليات واحدة والصوت عالي جداً والحاجة دي مكررة مكررة مكررة مكررة. أنا بفتكر أنه على المدى البعيد حتأثر على تطور الاستماع، لأنه الذوق بيتطور بالسمع الكثير المتنوع. لما تحصره في مزيكا مافيها ديناميكية ومافيها أي شي، دي ما حاجة كويسة.

أيمن الربع

حسام: عن أي ذوق تتحدثين تحديداً؟ إذا كان هنالك ذوق سيتغير فعلى الأقل هنالك ذائقة تقبلت منذ البداية هذه الأنماط الموسيقية.

نانسي: [مقاطعة] أنا ما بتكلم عن نوع الأغاني اللي بتتغنى. أنا بتكلم عن الآلة نفسها. يعني خلي الرُبع يشتغل نفس المزيكا دي ذاتها لكن بآلات مختلفة.

حسام: يعني أنت ليس لديك مشكلة مع موسيقى الرُبع بقدر ما لديك أزمة مع التوزيع الموسيقي؟

نانسي: بصراحة أنا ما سمعت موسيقته كثير عشان أكون رأي تجاهها. أنا بتكلم عن التوظيف بتاع الأورغ.

حسام: وفقاً لذلك، وفي مصنع نانسي عجاج للموسيقى. كيف يتم إنتاج الأغنية؟ ما هي العملية؟

نانسي: كل أغنية بيكون عندها ظروف مختلفة. سواء ان كانت أغنية جاهزة ومكتملة أو لحنتها أنا. بتدخل في بروفات مكثفة حتى تكتمل. مرات بتكون موزعة منها-وفيها، ومرات ملحنة، وفي نصوص أخدتها وكانت قاعدة معاي وحتى الآن معاي غير ملحنة على أمل انها تتلحن، وفي أغاني سمعتها بس كده كأغاني كاملة، على حسب. زمان كنت بلهث وأنا بفتش عن أغانيي الخاصة، لكن حسه عرفت أنه أنا والأغنية في الآخر بنتلاقى. بتجيني وأجيها.

بكون عارفة مثلاً أنه عندي فكرة محددة للأغنية. الفكرة دي ممكن تكون فكرة نص أو فكرة لحن وموسيقى. يحصل شنو بعد ده بعتمد دايماً على إنها وصلتك في ياتوا مرحلة. أحياناً كتيرة بلقاها مسجلة بالعود مثلاً. أنا بفضل آخد المادة خام. بفضل أسمعها خام، كلمات بس أو كلمات مغناة على عود مثلاً، لأنه كتير جداً بتجيك الأغنية موزعة حتى لو كانت جديدة. دي حاجة ما مفيدة بالنسبة لي، ولا محبذة. حتى الأغاني المسموعة21

لا أفضل سماعها مغناة عبر فنانين آخرين وبحاول أسمع الأغنية الأصلية. ده بالنسبة للأغاني. بالنسبة للألبوم بعمله كيف ؟ أنا طبعاً متطرفة في مسألة أنه الحاجة البتتقدم للناس سواءً لو كانت على وسيط صوتي أو حتى في عرض. الحاجة دي لما تتقدم للجمهور – عشان تكون بتعبر عني فعلاً – لازم أكون مشرفة عليها إشراف كامل. لأنه بتسأل السؤال ده كتير : من الذي يختار لك أغانيكِ؟ أو من الذي يقرر لك ما تغنيه ؟ الحاجة دي ما عندها أي علاقة لا بقانون لا بنصيحة ولا بأي حاجة تانية. الحاجة دي بس بقررها أنا. أنه الألبوم يكون كم غنية وياتوا أغاني …الخ. وكذلك الحال في العرض وكذلك الموسيقى والتوزيع. بحاول ألقى صوت وجو موسيقي أغني فيه ببراح أكبر، ومزيكا جميلة عندها خصوصيتها ونكهتها، تنوع، تجديد، أصالة وعمق في نفس الوقت. المهم تكون مرضية لكل الأطراف.

حسام: الأغنية السودانية اتجهت ببطء خجول وتدريجي إلى نمط البوب المنتشر لدى جيراننا المصريين بشكل سائد وتجاري. لكن هذا يحدث في السودان على أيدي فنانين شباب لا زالوا تحت الأرض – إذا صحت ترجمة [The Underground scene] – هذا يجعل الأغنية السودانية السائدة محتفظة برونقها القديم والكلاسيكي. أحد مظاهر هذا الرونق هو الطول النسبي للأغنية رغم كونها ذات لحن واحد وإيقاع غير متنوع – إلا في حالات خاصة كفرقة عقد الجلاد أو الفنان محمد الأمين مثلاً – في ألبومك موجة، المكون من سبعة مسارات، ثمة أربعة مسارات يتجاوز طولها الست دقائق [أغنية مرحبتين طولها ثماني دقائق] في حين أن أغنية أندريا الأوسع انتشاراً هي إحدى الأغاني الأقصر. ألا تشعرين أن الأغنية السودانية في طولها الزائد عن الحد وجملتها الموسيقية المكررة قد تدفع المستمع – خصوصاً غير السوداني – إلى الملل؟

نانسي: أنا حجيك للمستمع غير السوداني اللي ممكن يشعر بالملل بعدين. الأغنية السودانية عموما بتمر بمراحل تطور مختلفة بطبيعة الحال. يعني من زمن الطمبارة22 إلى الأوركسترا الحديثة واللحن المختلف غير الدائري – ودي بالمناسبة ظهرت من إبراهيم الكاشف وما بعده – هي كل مرة قاعد يحصل لها تحول ولا أستطيع القول طبعاً إنها وصلت لمرحلة نهائية، لأنه الكل بيضيف. الأغنية، وخلينا نسميها أغنية الوسط 23 ) اللي هي متاحة وموجودة في الإعلام والراديو والتلفزيون ومعظم الناس حتى غير الموجودين في العاصمة سامعنها وحافظنها. أغنية الوسط معتمدة على النص. في نص شعري بتلحن، والنص ده بالضرورة بيكون فيهو قصة أو فكرة المفترض تكتمل وعليه بيتم تحديد طول المسار الموسيقي. نحن ما ممكن نغير الحاجة دي بين يوم وليلة. إلا مزاج السمع نفسه يتغير. ده مزاج جيل كامل عايز يسمع شعر بطريقة محددة، وأأكد ليك الكلام ده بشي : ونحن اتكلمنا عن أندريا، لأنه النسخة اللي اتنفذت بيها أندريا في الشريط واللي طولها أربعة دقائق وشوية دي هي النسخة الوحيدة للعمل دا بالطريقة دي. في الحفلات، إيقاعها بينقص وبتدخل فيها إضافات تانية وبتدخل زيادة أبيات على الأغنية أم أربع دقائق اللي منتشرة، وبسبب تصويرها وبثها المتكرر في التلفزيون وفي الحفلات الجماهيرية، الجمهور حفظها وحباها بالطريقة دي وهي من أكتر الأغنيات المطلوبة في الحفلات. مافي زول توقف عن سماعها لأنها بقت أطول من الأول مثلاً. أنا أضفت عليها أبيات جديدة غير موجودة في الأغنية الأصل. الـنسخة اللي من أربع دقائق في الأغنية الأصلية فيها خمسة أو ستة أبيات – ما متأكدة – وحسه الأغنية تحولت لثمانية أو تسعة أبيات. فيها نمات24ومؤثرات بتجي وترجع. اتحولت لأغنية طويلة والناس برضو بتحبها وبتطلبها. يعني في مزاج بتاع سمع زي دا. لسه في ناس بتسمتع بالغنا الهادي الطويل .

والنقطة التانية المهمة بتاعت المستمع غير السوداني وشعوره بالملل لطول الأغنية وجملتها الموسيقية المكررة. المستمع اللي جاي من برا ده عايز شنو أصلاً؟ انت مش عايز تسمع موسيقى آخرين وبالضرورة هي مختلفة كما هي؟ ولا عايز حاجة على تصورك انت؟ أهو نحن مثلاً بنسمع مزيكا من أي بلد ومكان : جاز، ريغي Desert Blues وغيرها. بنسمعها زي ما هي. لا نضع لها تصور عشان تسمعها. ده شكلها ودا الـمود بتاعها وانت إذا مهتم، وعايز فعلاً بتسمع.

حسام: “الجمهور عايز كده“.

نانسي: لا طبعاً بدون شك. أنا ضد المقولة دي تماماً.  الفنان لازم ما ينصاع للمزاج العام ان وجد. الفنان مفروض بنحاز للفكرة اللي عنده أصلاً وعايز يقدما. إلا إذا كان الفن وسيلة ترفيه بس، فممكن يخضع لي شروط السوق وغيره. الفنان مفروض يساعد في تطوير الذوق وليس العكس بحجة أنه الجمهور عايز كدا. كيف يعني يكون الجمهور مسئول عن اخفاقك في إنك تقدم أعمال ذات محتوى وعمق ؟ كيف يكون الجمهور هو المسؤول عن استسهالك لعملية ودور الفن؟

حسام: نرجع لأندريا. عندما تم إطلاق ألبومك الثالث “موجة” كانت الأغنية الضاربة هي أندريا: أغنية البنات الكردفانية25 البسيطة والأخاذة بإيقاع الجراري وتوزيعها الذي لم يمح طابعها الفلكلوري. أخذ السودانيون يبحثون عن هذا الخواجة الذي تغنت به بنات كردفان. الآن هنالك مجلة إلكترونية تحمل اسم الأغنية، وقال لي صديق قبل فترة بينما نتجول بين قرى الريف أنك إذا ما سافرت إلى منطقة خمّاس، وهي خمسة حلّال26 متجاورة، سيقول لك القرويين بفخر لقد غنت لنا الفنانة المشهورة نانسي عجاج. “لو ما كلام الناس، أندريا، برحل معاك خمّاس“. كيف بدأ كل هذا؟

نانسي: [تصحح لي] أندريا ما خواجة. في روايات كثيرة للأغنية لكن في إشارات لكتابات اتكتبت لناس مهتمين أصلاً بتراث المنطقة بتشير إلى أنه الرواية الأغلب أنه سوداني جنوبي، واشتغل في المنطقة ديك. دي الرواية الأرجح. أنه شخصية موجودة وتوفى قبل كم سنة.

حسام: متى كتبت الأغنية الأصليّة؟

نانسي: الأغنية في الجزء الموسيقي موجودة أصلاً 27. يعني اللحن موجود. لكن تعاقبت عليه أبيات مختلفة. النص بشكله القدمته أنا في الألبوم هو لسيدة موجودة إلى الآن اسمها بلدوسة بت منداس. يعني الأغنية موجودة لكن بكلمات ثانية. في ناس بيقولوا اللفظة المكررة هي مندريا وليست اندريا٫ روايات كتيرة ومختلفة.

حسام: كيف وجدتِ هذه الأغنية؟ أو وفقاً لتعبيرك، كيف وجدتك الأغنية؟

نانسي: لقيتها عن طريق صديقة اسمها آمنة ناجي. كنا في جلساتنا بنغني وبطلب منها تغنيها لينا. هي عاشت في الأُبيِّض قبل ما تجي هولندا . سمعت الأغنية منها ولما استفسرت منها عنها كان ردها أنها سمعتها من والدتها. سمعتها منها في  ٢٠٠٥ أو ٢٠٠٦ و نزلت في الألبوم في  ٢٠١١. آمنة كانت بتغنيها بطريقة أهل منطقتهم. أنا اتعلقت بالاغنية جداً من أول سمع، وهي بسيطة وأخاذة زي ما قلت. لقيتها ولقتني. من ما سمعتها والأغنية دي في راسي. في تفاصيل محددة خلتني أشتغل عليها لكن هي كانت في راسي لمدة ستة سنين، وبمجرد ما كان ممكن أغنيها – لأنه كان في زميل تاني كان من المفترض يغنيها – أول ما حانت الفرصة نزلتها في ٢٠١١. سهل وممتنع. جميلة ومختلفة، وبسيطة بصوت المرأة المحبة، وتراث.

حسام: ألم تسبب لك الأغنية مشاكل على مستوى حقوق الملكية الفكرية؟

نانسي: أبداً. لأنه مصدري الوحيد ليها كان صديقتي دي، وبعدين بحثت عنها عبر المهتمين وما لقيت حاجة تفيدني وصديقتي ما عارفة المصدر لأنه سمعتها من والدتها كما ذكرت. أنا افترضت إنها أغنية تراثية وما بتنطبق عليها قوانين الملكية الفكرية، لكن بعد ما ظهرت صاحبتها. المفترض أدبياً على الأقل لازم يشار ليها. أنا ما أُتيحت لي الفرصة أقابلها لأني كنت ما مقيمة هنا وهي ذاتها ما قاعدة هنا28 فما تلاقينا.

حسام: باستثناء طريقة ارتدائك للملابس، واختيارك لعدم ارتداء الحجاب، إلا أن المستمع لغنائك، حتى مع امتلاكك لأسلوبك الخاص، والمعتمد تماماً على خامة صوتك المختلفة في المشهد، سيدرك تماماً أنك سودانية خالصة. لَم تؤثر دراستك في هولندا ولا حياتك في كندا والولايات المتحدة على أدائك للأغنية السودانية إلا بمقدار معقول. كيف حدث ذلك؟ وهل هو محمدة أم لا؟

نانسي: اختياري لعدم ارتداء الحجاب لم يحدث لأي أسباب لها علاقة بالشهرة أو الانتشار أو أي حسابات تانية. رأيي في القصة دي ببساطة شديدة إنها فكرة متكاملة وقناعة في المقام الأول. إذا أنا أصلاً ما بلبس حجاب. ليه ألبسه وأنا قدام الكاميرا؟ ليه أنا أضطر أمثل؟ أنا عايزة أكون أنا دائماً وبالتأكيد لما أكون بغني  ما عايزة أكون زول تاني، لأنه دي لحظة حرية بالنسبة لي. الغناء لحظة حرية. ما عايزة أكون مقيدة بحاجات ما بتخصني. ده كان رأيي ومُصرّة عليه. لحد ما أقرر أي حاجة ثانية أو أقرر أواصل كده، وما احتميت بشهرتي بل بالعكس. إنك تختلف ده بيحصل لأسباب كثيرة . ما بحصل بمجرد اختلاف شكلك عن السائد.

السؤال الأساسي بتاع “إنك سودانية” أنا طبعاً [تصحح لي] الفترة الأطول عشتها في هولندا، وقعدت في كندا وأميركا لفترات وجيزة. أدائي للأغنية السودانية لم يختلف إلا بمقدار معقول، وأما مسألة كون ذلك محمدة أم لا، فهو محمدة، لأنه حدث بمقدار معقول. أنا في حالة جدل دائم: “هل الحاجة البشوفا حلوة  الناس حتتشوفا حلوة؟” بتخيل نفسي الآخر اللي بيسمع الأغنية دي. عندي حاجات زي دي. أنا عايزة أعمل فكرة. لكن الفكرة دي ما ضد المتلقي. نهائي. بالعكس نحن الاثنين ماشين في نفس الخط. فهمتني؟ إنت عايز تحتفظ بخصوصيتك وخصوصية غناك، وأنا عايزة أحتفظ بخصوصيتي . ليك علي أحتفظ ليك بكل الأساسيات البتخص الموسيقى: نص، لحن أو سلم موسيقي. النص البسيط، أو حتى لو كان رمزي. الموسيقى واللحن الأساسي المنسجم مع مزاج النص – لأنه النص هو اللي بيحكمك في التلحين وأسلوب الأداء – في عناصر تانية زي المزيكا مثلاً، التوزيع. الآلات والأصوات المستخدمة. طريقة الآداء. خلينا نقول التوزيع عموماً. بقدر أعبر بيه عن شخصيتي الفنية أو خصوصيتي. نعم استفدت من أنه أنا سمعت مزيكا مختلفة وسامعة أصلاً الغناء السوداني اللي هو الـخلفية بتاعتي وعايزا أعمل حاجة وسط تكون مُرضية بالنسبة لي أنا وما منفرة ومقبولة للزول التاني.

حسام: هل جربتِ الغناء بلغة غير العربية؟

نانسي: آي، جربت. مع نفسي أو مرات بسيطة جداً جداً في عروض، في مناسبات محدودة. جربت أول ما مشيت هولندا جربت حفظت أغنية بالهولندي اسمها Hou Me Vast. القصة ما مسألة حفظ النص. يعني انت ممكن تحفظ النص حتى لو كنت ما فاهم معناه لكن في حاجات صغيرة جداً بتقرر إنك تقدر تغني غنا تاني ولا لا. استيعابك ومرونة صوتك أنه يغني بالتطريب والاحساس الصحيح في سلم تاني أو موسيقى تانية. لو قدرت تحسن إدارة النقطة دي والتعامل معاها ما بكون في إشكال. أعتقد أنه عندي القدرة أغني في السباعي أو في المقامات الشرقية -يمكن بغني الغربي أفضل – لكن أصلاً مسألة إني أغني بلغة ثانية ما كانت هَم أساسي بالنسبة لي، بل بالعكس كنت بشوف أنه ده ترف ما ليهُ داعي حسه. أنا عندي هم تاني.

حسام: من هم فنانوك المفضلون الذين تأثرتِ بهم؟

نانسي: حسه دايرة أقول ليك29 ما اتأثرت بقصد بزول محدد في طريقة الأداء وده اللي أنا أصلاً معنية بيهُ في المقام الأول. لكن أنا أي أغنية ولا مزيكا بسمعها بتديني أفكار٫ يعني بستفيد وبتاثر ولو بشكل غير مباشر. فكرة ما. صوت ما. جو ما مثلاً، مش استنساخها. لكن تجريبها بشكل مختلف أو مشابهه في حاجة جديدة، وكله بغرض التجديد والهروب من التكرار الممل. بلقى فكرة في حاجة هي أصلاً ما عندها أي علاقة بالحاجة اللي أنا شغالة عليها، أو تسمع نوعية أغاني محددة – زي ما بعمل مؤخراً – توحي لي بألحان يكون ليها نكهة مختلفة، فأي موسيقى أنا سمعتها وعجبتني هي بتضيف لي بطريقة أو بأخرى. لكن بالنسبة للتأثير في الغناء، ده بيحصل بشكل ما. لكن زي ما قلت ليك أنا استفدت من الناس اللي أنا حبيتهم بشدة، وكنت مهمومة بمسألة الأداء وأنا بسمع ليهم.

حسام: أعطيني أمثلة.

نانسي: ويتني هيوستن، محمد وردي. يعني هو السمع ذاته مختلف. مرات انت بتسمع عشان تسمع الأداء، ومرات عشان اللحن. على حسب مزاجك ذاته. أنا علاقتي بالغناء أو بالسمع غريبة ومختلفة من المستمع العادي. يعني مثلاً أنا كنت عايشة في بيت موسيقي. لما كنت صغيرة في السن ما كان عندي اهتمام شخصي إني أفتش موسيقى وأسمعها ويكون عندي مختاراتي الموسيقية الخاصة. الموسيقى اللي كانت موجودة ومسموعة بشكل مستمر ويومي في البيت هي ألحان خاصة ما كانت مسموعة بالنسبة للناس أو عندها أسلوب أداء محدد، وفي سن  ١٥ سنة أو حاجة بالشكل ده بديت أسمع الموسيقى السودانية زي كأني أعدت اكتشافها وبنهم شديد. دي الفترة اللي بقول ليك عنها أنه كنت بقعد بالسبعة والثمانية ساعات بقفل نفسي وبقعد أسمع بس. بالإضافة لموسيقى متنوعة لأنه بابا ذاته بيعزف موسيقى مختلفة، وكان في مكتبة في البيت فيها أسطوانات كتيرة. إضافة للموسيقى اليومية اللي بتسمعها في الراديو وفي أي حتة تانية. يعني كان متاح لي تنوع موسيقي كبير. في فترات لاحقة ملت أكتر للموسيقي الغربية، ويتني هيوستن وستيفي وندر.. الخ. يعني يمكن تقسيم مراحل السمع كالآتي: مزيكا أبويّ كمرحلة أولى، بعديها مزيكا سودانية كثيرة جداً من الإذاعة السودانية في الصباح وبرنامج الإذاعة الموسيقي وشرايط الكاسيت بشكل غير متوقف إلا الشريط يبوظ ولا الجهاز يبوظ. أنا بوظت كمية هائلة من المسجلات والراديوهات [تضحك]، بعديها ومرحلة ثالثة حالية وطويلة نسبياً هي الموسيقى الأفريقية .كل مرة تفصيلة صغيرة توحي ليك بفكرة جديدة، وكده يعني.

حسام: قبل فترة كنت أستمع في سيارة وبشكل عشوائي لأغنية حمد الريّح بين اليقظة والأحلام يؤديها الفنان الراحل محمود عبد العزيز. استطعتُ أن أخمن من التسجيل وأداء الكورس وتحديداً شكل التوزيع الموسيقي الهزيل والأقرب للهمجي بأنها من برنامج أغاني وأغاني التلفزيوني الشهير، والذي شارك فيه محمود عبد العزيز في سنوات انهياره الصحي الأخيرة بشكل استغلالي مثير للشفقة. أدركتُ لحظتها لحالة غريبة قد تكون منتشرة لدى الكثير من المستمعين، وهي أنني – ورغم حبي لصوت الحوت محمود عبدالعزيز الذي دائماً ما يحول أي أغنية سابقة إلى أغنيته بطابعه الغنائي الخاص – إلا أنني وأثناء استماعي لـبين اليقظة والأحلام كنت أستعيد من ذاكرتي أداء هادية طلسم المميز للأغنية، وأخذت أغني كل مقطع مستعيداً التسجيل القديم في ذهني ومنطرباً بذلك. لدي سؤالان بعد هذه القصة الطويلة. الأول: كيف يمكن للفنان أن يمتلك أغنية مستعادة بحيث تصبح له بدون حقوق ملكيتها. كأن يعتقد الشباب أن أغنية الوسيم هي لمحمود عبد العزيز لا لأحمد المصطفى. الذي سبق المصري محمد منير – كعادته مع الغناء السوداني – أن غنى له البعدو يجنن من دون الإشارة إليه؟

نانسي: لازم يكون عندك فكرة للأغنية ذاتها. اخترتها ليه؟ أو عايز تغنيها ليه؟ اتخيّليّ يعني. أنا يمكن إجابة السؤال ده ذاته ما عندي [تضحك]. لكن لازم يكون عندك هدف من اختيار الأغنية. ما هي أصلا موجودة! انت بتغنيها ليه وعايز توصل منها لشنو؟ فكرة ؟ مرات الحاجات اللي عايز توصلها بتكون لأنه اللحن جميل وانت عايز تعيد تقديمه في أجمل ما يمكن. مرات لأنه لقيت نفسك في حاجة معينة في اللحن ذاته أو في الكلمات أو أي شي آخر. إيقاع جديد. إيقاع لم يتكرر، فتشعر وكأن الأغنية غريبة مثلاً. لو عارف إجابة السؤال وكانت الإجابة صحيحة، غالباً حتصبح الأغنية القديمة دي جديدة وملكك.

بين اليقظة والأحلام، محمود عبدالعزيز، أغاني وأغاني

بين اليقظة والأحلام، هادية طلسم

حسام: الشق الثاني من السؤال: هل يمكن للمشاهد السوداني أن يراك يوماً على شاشة النيل الأزرق في رمضان تتقاسمين مع فناني الصف الأول مجلس المؤرخ الموسيقي العجوز السر قدور قبل أن يموت هو الآخر؟

نانسي: طبعاً لا. لأسباب كثيرة جداً. إجابتي على السؤال ده – جاوبتها من الموسم الأول أو الثاني – بأني غير راغبة في المشاركة في البرنامج لأسباب كتيرة. أهمها أنه ما حأضيف شي للبرنامج ولا هو حيضيف لي جديد. أما الانتشار، فأنا ما عايزة الانتشار بالشكل ده. ما عايزاه كده. أنا ما عايزة أنتشر أصلاً. أنا موضوعي في الغناء ما كان في يوم من الأيام أنه أكون مشهورة كله كله30. أنا عندي هم شاغلني. بنوم وبصحى بيهُ وعايزة أعمله. أكون مشهورة أو لا بعداك ما مهم. مهم في حالة إنه إذا أصبحت مشهورة وجاء الناس بعد كده وقالوا لي : “انت مزعجة. ورينا عرض كتافك”. لكن طول ما الحاجة دي لقت قبولهم، حأكون مواصلة فيها. الشهرة بعد كده حتبقى أثر جانبي [تضحك].

حسام: طيب. أوحيتي لي بسؤال. لو لم تكوني موسيقيةً، ما هي المهنة التي كنت تودين ممارستها؟

نانسي: والله أنا كان عندي أمنيات كثيرة جداً. واحدة منهم والأساسية – وما زالت عندي بالمناسبة – أنه أبقى أستاذة. في فترات سابقة كنت بختار مواد معينة. في مواد من أول ما بدأت أدرس كنت بحبها: اللغة الإنجليزية، الكيمياء، الأحياء. أنا المواد دي كنت بحبها. أنا امتحنت علمي أحياء أصلاً.

حسام: [بفخر] زيي.

نانسي: لكن من اليوم الأوّل أنا كنت متخيلة نفسي ممكن أبقى أستاذة. ممكن يكون في خيار كالمادة الفلانية مثلاً. لكن أنا عموماً مهمة التدريس عاجباني وأقدرها جداً لأنه دي حاجة بتدخل جوا عصب كل حاجة. يعني الأستاذ ده هو الزول القاعد مع أطفالك واللي بيربي معاك وأكثر منك كمان. ممكن يتحول دوره لمجرد زول يلقن معلومات بطريقة صحيحة أو خطأ. أو ممكن يتحول إلى مُربيّ حقيقي. يعني التدريس بشمل التربية، فأنا بحبه. غير كونه تربية ومهمة خطيرة لأنك كأستاذ بتتعامل مع ناس متفتحين وشرهين للمعرفة وللأسئلة وللاكتشاف ولغيره. سواءً الأطفال أو الباحث عن المعرفة عموماً. في إيدك تحببهم المادة أو تنفرهم منها. بالنسبة للأطفال فانت مشارك أساسي في عملية التربية وممكن تزرع قيم كتيرة وجميلة في التلاميذ ديل. أشياء ما موجودة في المنهج المدرسي. دي حاجة محتاجة وعي وإبداع وخيال وطولة بال. يعني أنا بتذكر أنه في فترات دراسية محددة كرهت مواد، وحبيتها وجبت فيها أعلى الدرجات في مرحلة تانية ببساطة لأنه الأستاذ مختلف. يعني ممكن مستقبلك كله يضيع عشان الأستاذ [تضحك]. الأستاذ ده ما حاجة ساهلة. بدون ترديد الشعر والكلام الجميل بتاع “قم للمعلم وفه التبجيلا…” وإيه وإيه، دي حاجة خطرة فأنا أحبها وأحب إبداعها وأحب تحدياتها. حأحب أفكر كيف أوصل معلومة. زي ما بحب أوصل أغنية.

قبل نشر هذه المقابلة أصدرت نانسي أغنية جديدة من ألحانها : حنين