“دبي السينمائي يحتفي “بهوامش مصر السينمائية

في الليلة التالية لحفل افتتاح مهرجان دبي السينمائي غيّر علي صبحّي، المهرج وممثل الشارع القادم من حواري عين شمس، صورة حسابه الشخصي على فيسبوك لأخرى بالزي الرسمي، بوصفه بطلًا لفيلم «علي معزة وإبراهيم»، كأي نجم معروف من السائرين حوله على السجادة الحمراء، ولكن مع تعديل بسيط اقتطع فيه رأسه وكتب: «محدش عارفني. كله كان عايز يتصور مع البدلة».

***

لم ينحصر شغفي لحضور فعاليات مهرجان دبي السينمائي فقط في مشاهدة الأفلام القادمة من أنحاء العالم والتي لا يتسنى للمرء حضورها حصريًا في «كان» و«برلين» و«تورونتو»، بل بشكل أساسي للقاء أصدقائي من المخرجين والممثلين والاطلاع على تجاربهم الجديدة، أشخاص كعلي صبحيّ، ممن يكسرون إحساسك بالغربة في مدينة مترفة كدبيّ ويعيدونك بنكتة خليعة إلى قهاوي وسط البلد في القاهرة، بعيدًا عن دبي كسوق دولية مزدهرة خاضعة لمعايير رأس المال المتبدية في كامل نشاطاتها، حتى الفنية منها، لدرجة أن عروض أفلام المهرجان المتاحة للجمهور تستضيفها صالات سينما «فوكس» بمول الإمارات، ما يجعل دبي مقصدًا لعدد هائل من المشتغلين في هذه الصناعة من أبناء المنطقة العربية، حيث يختلط السينمائيون ومشاهدو الأفلام بالمتسوقين في مدينة كوزموبولتانية تفاجئك بقدرتها على استقطاب هذا القدر من النجوم في مكان واحد رغم تاريخها القصير.

الحضور المصري، الذي غالبًا ما يتفوق بعامل العدد والإنتاج الأكبر لم يكن استثناءً، فطوال دوراته الـ١٣ كان المنتجون والمخرجون المصريون يتسابقون لعرض أفلامهم أولًا في مهرجان دبي أو أبوظبي قبل إلغاء الأخير واحتكار دبي للمشهد السينمائي الإماراتي لكن الأزمة التي ألقت بثقلها على جودة النصوص في الأفلام المصرية خلال السنوات الأخيرة، وحتى على مخرجيها الطليعيين، كانت أمرًا باعثًا على الكآبة وخيبة الأمل في واحدة من أعرق صناعات السينما في العالم، وهو ما اختلف بصورة تدعو للتفاؤل في ٢٠١٦. ليس فقط لأن فيلمين مصريين روائيين طويلين حصدا جائزتي «المهر العربي» لأفضل مخرج، محمد حمّاد، وأفضل ممثل، علي صبحي، في تجربتين هما الأوليان لمخرجيهما، بل لأن بعض الأفلام جاء بروح سينمائية مغايرة تماماً للسائد في شاشات العرض المصرية.

سبق الإعلان الرسمي من المهرجان الكثير من الاحتفاء الجانبي، بدءًا من فيلم «مولانا»، المأخوذ عن رواية الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى وأخرجه مجدي محمد علي، وأشارت الدعاية المصاحبة له لكونه يعالج، بصورة مثيرة للجدل، العلاقة دائمة الالتباس في مصر بين المؤسسة الدينية والسلطة، في حقبة سياسية لا تزال تعاني من تبعات وصول الإسلاميين للسلطة بعد الثورة، وذلك عبر شخصية داعية ديني قام بدوره عمرو سعد، يتسلق السلم سريعًا إلى الشهرة.

على الجانب الآخر جاء فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» ليسرى نصر الله الذي خرجت تجربته أخيرًا من هذه الحقبة بفيلم اجتماعي عادي، شارك خارج المسابقة الرسمية للمهرجان مع وجود نصر الله عضوًا في إحدى لجان التحكيم بالمهرجان، وأخيرًا فيلم كاملة أبو ذكري «يوم للستات»، وجمعت بطولته بين عدد كبير من النجوم، من بينهم إلهام شاهين ونيللي كريم وأحمد الفيشاوي جنبًا إلى جنب والده فاروق الفيشاوي مع ظهور محمود حميدة وهالة صدقي، في قصة تدّور حول حمام سباحة في مركز شباب بحي شعبي.

وبعيدًا عن السجادة الحمراء وفساتين النجمات في حفل الافتتاح، فقد جاءت المشاركة المصرية في فئة «الفيلم القصير» بالكثير من الصخب داخل أروقة مدينة جميرا. فباستثناء فيلم «البنانوة» لناجي إسماعيل، كان الفيلمان الآخران لافتين للانتباه، ففي ٢٠ دقيقة يروي «أسبوع ويومين» للمخرجة السودانية مروى زين قصة امرأة وشريك حياتها خلال الأيام التسعة التي يطاردهما فيها شبح الإنجاب. يأتي الفيلم الذي شارك في بطولته عمرو صالح وياسمين رئيس، بعد ثلاث دورات من نيل الأخيرة جائزة «المهر العربي» لأفضل ممثلة عن دورها في «فتاة المصنع» للراحل محمد خان ما جعل غيابها عن هذه الدورة مستغربًا بعد تأكيد الصحافة حضورها من على لسانها.

فيما كان الغياب الأبرز من نصيب فيلم التحريك المنتظر «بائع البطاطا المجهول»، رغم حضور بطله خالد أبو النجا، والذي جرى تنفيذه بتقنية rotoscope وتطرق لجريمة قتل طفل في محيط ميدان التحرير وجهت أصابع الاتهام فيها للمجلس العسكري أثناء فترة إدارته للبلاد. وهو ما رجّح التكهنات حول وجود ضغوط دبلوماسية وسياسية تسببت في منع عرضه في دبي، خصوصًا أنه جاء بعد طرح دليل العروض. ما دفع إدارة المهرجان للإعلان بخجل في بيان خاص بالواقعة أن المنع جاء «لظروف طارئة خارجة عن إرادة الطرفين»، وهو ما قابله أبو النجا بدبلوماسية مشابهة لم يخسر فيها رصيده في المهرجان.

لم يكن الحضور السياسي القوي مقتصرًا على هذه الأشرطة السينمائية وحدها. ففي فئة الفيلم الوثائقي، سجل محمد رشاد حضورًا قويًا ضمن فئة الفيلم الطويل بفيلمه الوثائقي «النسور الصغيرة» الذي سجل عبره شهادة شخصية تتقاطع مع علاقته بوالده ومدينته الإسكندرية، خالقًا شكلًا من أشكال المقارنة بين صراع جيل والده ضد نظام السادات، والصراع السياسي الحالي بين جيل المخرج نفسه وجيل نظام مبارك القائم حاليًا بوجهه الجديد، وطارحًا، في خضم السرد الذاتي، العديد من الإشكالات السياسية التي تحيط بالحراك الثوري في مراحل مصر المختلفة.

أخضر يابس

قادمًا من مهرجان لوكارنو، قدم محمّد حماد تجربته الروائية الثالثة «أخضر يابس» بعد فيلمين روائيين قصيرين، هما «سنترال» و«أحمر باهت».

حمّاد الذي يبدي اهتمامًا أساسيًا في أفلامه بالمرأة المصرية والجوانب الخفية في حياتها استعرض هنا حياة فتاة ثلاثينية عزباء (عانس، حسب التصنيف الشائع)، تصاب بعرض فجائي يتسبب بانقطاع دورتها الشهرية. وفي الفترة الزمنية الفاصلة بين زيارتها الأولى للطبيب والزيارة الثانية بعد ظهور نتيجة التحاليل، يستعرض الفيلم الحياة اليومية لإيمان (هبة علي) في الشقة التي تعيش فيها مع أختها نهى (أسماء فوزي) كيتيمتين.

تدور أجواء الفيلم بدقائقه السبعين في إيقاع بطيء يناسب الحياة الرتيبة لإيمان التي تعمل في محل لبيع الحلويات. استغل حمّاد، بشكل غير مألوف في السينما المصرية، وقوفه الأول وراء الكاميرا لإنجاز فيلم طويل، وذلك لعرض أدق التفاصيل دون الاهتمام بالدراما، ولإيصال حالة الكآبة التي تعيش فيها البطلة في خضم هذه الرتابة، التي تبدت حتى في تنقلات الشخصية داخل القاهرة عبر الترام، وسيلة المواصلات التي انقرضت منذ عامين، ليمثل «أخضر يابس» المادة السينمائية الأخيرة التي وثقت لترام القاهرة.

هذه الحركة البطيئة لإيمان، والأجواء العتيقة لعربات الترام وكمساريه العجوز تلاقت مع ثيمة الصراع بين البوار والخصوبة، ففي الوقت الذي نكتشف فيه فقدان إيمان العزباء لقدرتها على الإنجاب، وبالتوازي مع الخط الدرامي الثاني المتمثل في تقدم عريس لخطبة أختها، تنتقل إيمان بين أعمامها الثلاثة، في سلسلة من التعقيدات الأسرية لاستعارة أب مؤقت لحضور طقوس الخطبة، وهو ما لا يتحقق في نهاية المطاف.

رغم الرتابة المفترضة، استطاع حمّاد بخياراته الفنية المعاصرة تحقيق المعادلة الصعبة، بنقل رتابة الحياة الخالية من الأحداث العظيمة دون إصابة المتفرج المتمرّس بالملل. لكن العامل الأهم الذي أعطى لفوزه بجائزة «أفضل مخرج» بعدًا أعمق هو الإنتاج قليل التكلفة، بل والذاتي من قبل حمّاد وزوجته خلود سعد التي شاركت في الإنتاج كذلك مع مصّور الفيلم محمد شرقاوي. وباستثناء الكاتب أحمد العايدي (الذي قام بدور الطبيب) فلم يكن أي من ممثلي الفيلم من الوجوه المعروفة، بل كانوا جميعًا يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى، وكان الكائن الوحيد الذي استطعتُ التعرف عليه على الشاشة هو كيكي، سلحفاة شقيق المصور الذي صوّر الفيلم في بيته.

هذا المجهود الذاتي لفريق العمل في إنتاج الفيلم صحبه العديد من العقبات، كان أبرزها تعرض فريق العمل للإيقاف من قبل الأجهزة الأمنية لما يزيد عن ثلاث مرات، خصوصًا أن التصوير الخارجي حول قضبان الترام كان بين منشية البكري ومحطة كلية التربية، أي في المنطقة الفاصلة بين القصر الجمهوري ووزارة الدفاع. كللتْ جائزة «المُهر العربي» هذا المجهود المضني، فيما يشبه الرسالة الضمنية للأفلام ذات الإنتاج العالي والتمويل المتعدد في المسابقة، بأن الفيلم الجيد ليس هو بالضرورة الفيلم الأكثر تكلفة.

علي معزة وإبراهيم

الفيلم المصري الآخر الذي أحيط عرضه بالكثير من الدلالات هو «علي معزة وإبراهيم»، والذي كان أيضًا الفيلم الطويل الأول لمخرجه شريف البنداري، بعد أربع تجارب أخرى كان آخرها «حار جاف صيفًا» والذي أرسى بشكل واضح صوت البنداري في السينما التي تمزج بين الواقعية الكئيبة والفانتازيا ذات الطابع الكوميدي. الفيلم قصة إبراهيم البطوط، وكان سبق وأن عرضها قبل خمسة أعوام على السيناريست والمخرج أحمد عامر، قبل أن يتخلى عنها الأخير للبنداري والمنتج النشط محمد حفظي.

يجمع الفيلم في طابعه بين واقعية الحال المأساوي لمصر ما بعد الثورة وحالة الإحباط الجمعي، والسخرية المرّة التي يجابه بها المصريون حياتهم، كضرب من المقاومة. ليحكي قصة شابين من نفس الحارة، علي الذي يصاب بحالة صدمة نفسية إثر حادثة أودت بحياة خطيبته، ليقع في غرام عنزة صغيرة يجدها في مكان الحادث ويعاملها بوصفها خطيبته المتوفية، ما يضعه بالضرورة موضع السخرية في مجتمعه وسخط والدته الدائم من جنونه، التي تحاول عرضه على أحد المعالجين الروحانيين، فيلتقي هناك بإبراهيم، مهندس الصوت النابغة الذي يعاني مرضًا عصبيًا يهدد مهنته في استديو موسيقى المهرجانات، حيث يستمع لأصوات صاخبة وهو بمفرده، المرض الذي دفع جده العواد لإصابة نفسه بالصمم للتخلص من هذه الأصوات القاتلة. وفي محاولتهما اليائسة وغير الجادة للعلاج يتبع علي وإبراهيم نصيحة المعالج الروحاني، ويسافران لإغراق ثلاث حصوات في المسطحات المائية الرئيسية في مصر (النيل، البحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط) ويقومان بجولة بلهاء بين سيناء والإسكندرية والقاهرة. توقعهما في الكثير من المواقف المضحكة، مع اصطحاب عليّ لخطيبته «المعزة هدى»، لكن الجولة في الوقت نفسه هي ما تخلق صداقتهما. وهذا في فيلم قدّم كوميديا عفوية دون الوقوع في فخ الابتذال، الذي يعاني منه شباك التذاكر لسنوات طوال في أفلام المواسم.

الفيلم الذي شارك في بطولته بتميّز أحمد مجدي، في دور إبراهيم بعد مشاركة ثانوية في فيلم والده «مولانا» – كان بصورة أساسية الانطلاقة الذهبية لعليّ صبحي في الشاشة الكبيرة، وأهّله لنيل جائزة أفضل ممثل مخالفًا التوقعات، فكل من يعرف علي صبحي يدرك أنه لم يكن متكلفًا في أدائه، بل كان بشكل ما يلعب شخصيته هو نفسه، بملامحه الكادحة ولغته الشعبية كممثل شارع في فرقة «قوطة حمرا». ما ذكر أغلب مهنّئيه باعتقاله المرير من قبل الشرطة العسكرية في محيط ميدان التحرير في شهر مارس ٢٠١١ بوصفه بلطجيًا، وبتعرضه للتعذيب داخل أروقة المتحف المصري. هذا الميراث الثقيل أعطى للجائزة بعدًا تكريميًا أعمق يعترف بممثل قادم من هامش النجومية والأضواء، أشهر وسطاه وسبابته من على صهوة مهره: «لكل المرفوضين من مجتمعاتهم ومن يملك الشجاعة أن يكون مختلفًا»، كما كتب لاحقًا بعد حفل الختام بصورة بروفايل جديدة في فيسبوك كاملة الرأس.

ضمن هذه الأفلام المختارة والتي تتأهب القاهرة لعرضها في ٢٠١٧، سلّط «المهر العربي» الضوء على تجربتين سينمائيتين مغايرتين أتيتا من خارج حسابات السوق واهتمامات المشهد الرسمي المصري. ليكون مهرجان دبي السينمائي، بمركزيته الدولية كنافذة لصناعة السينما في الشرق الأوسط، هو ما يمثل مساحةً للاحتفاء بالفن الهامشي المنجز بأبسط الموارد والأنماط، في مفارقة غير متوقعة قد تنعش السينما المصرية وتتغلب قليلًا على أفولها الفني.


نشرت المقالة الأصلية في مدى مصر

الزموا بيوتكم: خمسة عوامل جديدة في العصيان المدني السوداني

ثمة فكرة شائعة يعرفها مرتادو النوادي الرياضية بـ«التدرج في التحميل»، وهي إحدى المبادئ الأساسية في فسيولوجيا الجهد البدني Exercise Physiology والتي تقضي بأن يتدرج الرياضي في تمريناته على زيادة الأثقال على فترات زمنية متتابعة، مما يعطي فرصة لعضلاته للتكيّف الوظيفي، كي يعتاد الجسم على التدريب ويصبح أقدر على حمل أثقال أكبر. هذا المبدأ مستخدم على نحو ما في الاقتصاد، حيث تقرر الحكومات في فترات الانهيار الاقتصادي سحب يدها من السوق عبر رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية تدريجيًا وتقليص دور القطاع العام عبر سياسات الخصخصة حتى يجد المواطن نفسه وحيدًا في مواجهة وحش الأسعار المرتفعة، في الوقت الذي يتوقف فيه الدخل عن النمو أمام هذا الوحش المستفحل.

في اجتماعه مطلع نوفمبر الماضي صادق مجلس الوزراء السوداني على «حزمة السياسات الاقتصادية»، وهو المصطلح المنمق الذي يخفي مباشرة القول الصريح: خفض سعر العملة الوطنية وزيادة أسعار الكهرباء والمحروقات. الصدمة التي أحدثتها هذه الحزمة الجديدة المتكررة جاءت عبر ادعاء الحكومة بتعويم الجنيه السوداني. في الواقع فإن ما رمت إليه هذه الحزمة هو تقليل الفارق بين السعر الرسمي في بنك السودان المركزي للجنيه مقابل الدولار وبين سعره الفعلي في السوق السوداء، وهو ١٨ جنيهًا تقريبًا، الأمر الذي مثل قفزة صادمة، خصوصًا أن سعر الدولار في السوق البديلة يصل إلى ضعف مثيله في السوق الرسمي، ما جعل أسعار السلع تقفز إلى ١٠٠٪ في أفضل الأحوال.

ومع ميزان تجاري مختل وسوق تستورد غالبية السلع، خصوصًا الأساسية منها كالأدوية، أدت هذه السياسة إلى كارثة ليست اقتصادية فقط بل صحية أيضًا، وقعت بعد فترة وجيزة من تعليق نقابة الأطباء لإضرابها الذي حقق بعض مطالبه بعد أن صار الأطباء عرضة للاشتباك مع المرضى وذويهم الذين يصلون دائمًا إلى مستشفيات خالية من المواد الطبية والأدوية.

لم يحقق الإضراب أي تغييرات جذرية في سياسات وزارة الصحة الرامية إلى خصخصة المستشفيات العامة، في بلد يمتلك وزير الصحة لعاصمتها مجموعة من المستشفيات والكليات الخاصة، في تضارب واضح للمصالح يعطي صورة عن مدى الفساد المستشري في الدولة، وتمارَس السياسات فيه بشكل عشوائي، فعندما تشيع الأنباء عن انتشار الكوليرا في شرق البلاد تمتنع وزارة الصحة عن الاعتراف بانتشار الوباء، فيما تقوم الأجهزة الأمنية بمصادرة رواية جابرييل جارثيا ماركيز «الحب في زمن الكوليرا»، من معرض الخرطوم للكتاب لحيلولة دون انتشار هذه «الشائعة»!

في الحالات السابقة كانت المعارضة السياسية تلجأ إلى الوسائل التقليدية التي اعتادها النظام وطوّر أدوات قمعها منذ وصول الجبهة الإسلامية للسلطة عبر انقلاب عسكري في ١٩٨٩؛ الاعتصامات، الإضرابات، الوقفات السلمية، التظاهرات الاحتجاجية، والمخاطبات الجماهيرية في الجامعات والأماكن العامة، أو عبر الوسائل العسكرية، مثل المحاولات الانقلابية والتمرد العسكري لقطاعات في الجيش أو المليشيات في جنوب وغرب البلاد، وهو ما كانت تتبعه حملة من الاعتقالات في صفوف النقابيين والسياسيين في أحزاب المعارضة والناشطين المدنيين أو القصف الجوي وحرق القرى في مناطق النزاع.

هذه المرة كان جهاز الأمن والمخابرات الوطني الجهاز السيادي والتنفيذي في آن واحد معًا جاهزًا بشكل مسبق قبل إعلان مجلس الوزراء، وقام بحملة متوقعة من الاعتقالات لناشطين معروفين سبق له اعتقالهم في مناسبات سابقة. لكن المفاجأة التي وقعت أفشلت الحملة الأمنية الاستباقية، فبدلًا من الاحتجاج المباشر قرر السودانيون إخلاء العاصمة، وبدلًا من تكرر سيناريو سبتمبر ٢٠١٣ حين خرج الآلاف من الشباب للتظاهر في الشوارع ضد إعلان الحكومة لرفع الدعم عن السلع الأساسية، وهي الحملة التي وُئدت بعد مقتل أكثر من ٢٠٠ متظاهر في شوارع الخرطوم، قرر سكان الخرطوم عدم الخروج من بيوتهم.

العصيان المدني الذي استمر من ٢٦ وحتى ٢٨ نوفمبر مثّل نقطة تحول في الحراك الاجتماعي ضد السلطة الحاكمة في السودان. حيث استخدم المشاركون أدوات جديدة ومختلفة تبدت فيها الكثير من علامات النضج التي افتقدت إليها الموجات الاحتجاجية السابقة منذ انتخابات ٢٠١٠، التي سبقت استفتاء انفصال الجنوب واحتفاظ عمر البشير بالسلطة، مرورًا بالمحاولات الفاشلة للشباب السوداني لمواكبة الربيع العربي في ٢٠١١ و٢٠١٢، وبالطبع انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣ التي كانت الأكبر والأكثر دموية، فما الذي تغير في نوفمبر ٢٠١٦؟

١الدعوة: من أنتم؟

خلال محادثة مع والدي في أول أيام العصيان سألني بريبة: «من دعا للعصيان؟ زمان كانت النقابات والأحزاب ولكن هذه المرة الجهة الداعية غير معروفة». والدي نموذج للشيوعي السوداني التقليدي، المرتاب دومًا من كل من هو ليس عضوًا في الحزب. في وسط سياسي تشيع فيه نظريات المؤامرة والتخوين واتهام الخصوم السياسيين بالأمنجية والتحالف مع النظام، لم يستطع الكثيرون من جيل والديّ تحديد مصدر الدعوة للعصيان، وبالتالي لم يكوّنوا رأيًا واضحًا تجاهه، فالدعوة إليه كُتبت ونُشرت عبر موقع فيسبوك وتوزعتْ في شقيقه الأصغر الأثير لدى السودانيين: واتسآب.

لم تكن الدعوة صادرة عن أحزب المعارضة التقليدية ولا الحركات المسلحة بكل تجسيداتها ومجسماتها العديدة؛ قوى الإجماع الوطني، نداء السودان، الجبهة الثورية، الفجر الجديد…إلخ. لم يكن هنالك أي عنوان أو اسم أو شعار صيغ بشكل أدبي ليحمل في خطابه النخبوي مدلولًا سياسيًا وطنيًا. كل ما هنالك كان وسم [هاش تاج] من النوع الذي دُرج على استخدامه في موقع تويتر واستعير لاحقًا في فيسبوك لتوحيد وربط المنشورات المتعلقة بالموضوع «#العصيان_المدني_السوداني_27_نوفمبر».

لم يكن هذا الأمر جديدًا، فقد كانت حركات التغيير الاجتماعي السلمية غير الأيديولوجية من قبيل «التغيير الآن»، و«قرفنا»، هي المنوط بها القيام بذلك في السنوات الست الماضية. حيث أسهمت بشكل فاعل في خلق زخم مواكب للتطورات السياسية، باستقطاب العديد من السياسيين الأصغر سنًا من مختلف الانتماءات والطلاب للانخراط في العمل الجماهيري بعيدًا عن منظومة المعارضة التقليدية غير المتاحة لهم من جيل «القيادات التاريخية» في الأحزاب. لكن الجديد هنا هو أن هؤلاء أيضًا لم يكونوا من الداعين. لكن ولخبرتهم في الوسائل الجديدة، فقد انضموا للدعوة إلى الحشد وانساقوا مع التيار دون السقوط في مهاترات من قبيل «من صاحب الدعوة الأولى للعصيان؟» فالإنترنت بقدرته الواسعة على الانتشار مثّل الوسيط الأمثل لهذا الحراك المتسم بالأناركية والمفتقد تمامًا لمركزية القرار.

٢المطالب: لا شيء!

انتفاء المركزية في الحشد للعصيان كان عيبًا وميزة في الوقت ذاته. العيب هو غياب مصدر ذي أهلية في العمل السياسي يمتلك قدرًا من المصداقية للاستقطاب، وقادر على تنظيم هذا الحشد عبر جسم موّحد يتألف من شبكة من الأعضاء مخوّلة بتنفيذ قرارات محددة لتحقيق أهداف العمل التنظيمي. أما الميزة فهي أن غياب كل هذه العوامل التنظيمية شكل مانعًا أمام أجهزة الأمن من الإمساك بالمحركين الفعليين لهذه الموجة، التي كانت في لا مركزيتها أقرب لشبح ضبابي لا يمكن الإمساك به، شيء أقرب لهيكلية التنظيمات الإرهابية.

في الموجات الاحتجاجية السابقة كانت استراتيجية جهاز الأمن منصبة على توسيع دائرة اعتقالات الناشطين المعروفين، أو أولئك المحركين للتظاهرات في الأحياء، وبعد أن تمتلئ السجون بالناشطين يتوقف الدينامو المنظم للتظاهرات، فتفقد فعاليتها وتهتز ثقة المحتجين في قدراتهم عبر وسائل التعذيب والإرهاب الممارسة مع المعتقلين، فتفقد الموجة زخمها وتتوقف المظاهرات تدريجيًا، وبعد أشهر من انتهاء الموجة يفرج النظام عن المعتقلين بدون أحكام قضائية كون عمل جهاز الأمن والمخابرات يقع خارج دائرة النظام القضائي ليصبحوا مجموعة من الشباب المنهكين نفسيًا وجسديًا من أثر التعذيب والاعتقال، وغير مؤهلين للعمل بفعالية في الموجات اللاحقة ومصابين بالإحباط الكامل من فشل قيام الثورة.

في العصيان المدني لم يكن لهؤلاء الناشطين وجود فعلي. ظهر بعضهم لاحقًا في صور وفيديوهات مسجلة، وهم يحشدون الناس عبر مخاطبات في المواصلات العامة. لكن اعتقال بعضهم لم يشكل ضربة لموجة الاحتجاج، لأن الأمر ببساطة لم يكن دعوةً للخروج في مظاهرات، بل على العكس كان دعوة لعدم القيام بشيء سوى البقاء بالمنزل وعدم الخروج للعمل أو الدراسة، ومع وجود شريحة هائلة من الخريجين والعاطلين عن العمل، كانت الدعوة للقيام بعمل مماثل أمرًا سهل الحدوث. على الجانب الآخر لم تنتشر بيانات كثيرة من مجموعات سياسية محددة تضع خارطة لما يجب القيام به. منشورات وصور عبر فيسبوك بشعار واحد بسيط: «العصيان المدني ٢٧ نوفمبر»، بمطلب واحد محدد، وهو البقاء في البيت لثلاثة أيام فقط. لا وجود لنداءات باستقالة الحكومة أو إسقاط النظام. بل القيام بعمل سلبي يبرز مدى السخط والسأم لدى الحشود التي حققت انتصارها، لا باصطفافها والخروج إلى الشارع بل على العكس، بغيابها.

٣المشاركة الواسعة

بدأ العصيان المدني يوم الأحد، أول أيام الأسبوع المتسم دائماً بالازدحام المروري في مدن العاصمة الثلاث؛ الخرطوم، بحري، أم درمان. اختفى الاكتظاظ المعتاد في مواقف الحافلات والميادين الرئيسية، وسارت الحافلات بمقاعد فارغة على غير العادة في الشوارع، في حين خلت الطرقات من المارة وانحسرت حركة المرور إلى النصف. انتشرت الصور لشوارع الخرطوم الرئيسية وهي خالية أو خفيفة الحركة؛ شارع الجمهورية، شارع الجامعة، والسوق العربي في المركز التجاري للمدينة حيث تنتشر المقرات الحكومية والوزارات، وارتفعت نسبة الغياب في المدارس والجامعات لنسب تسببت في توقف العمل في تلك المؤسسات. إضافة إلى إغلاق المحلات والمتاجر لأبوابها. هذه المشاركة الواسعة أربكت أجهزة الدولة وحققت الغرض الأساسي للعصيان المدني، تأكيد حالة السخط العام من أداء الحكومة.

أسهم عاملان أساسيان في نجاح هذا الاختراق؛ الأول هو ضآلة نسبة الخطر في عمليات العصيان، فالخروج إلى المظاهرات يحتاج إلى مقدار كبير من الشجاعة مقارنة بالمخاطر المحتملة، مثل الاعتقال، الإصابات الناتجة عن الاشتباك مع الشرطة، أو حتى الموت بالرصاص الحي، وهي أمور متكررة في كل الموجات السابقة. انخفضت الخطورة هذه المرة لتتقلص إلى خسائر معقولة تتلخص في العقاب الإداري الذي يصحب الغياب عن العمل أو الخسارة التجارية الناجمة في كل الأحوال جراء الكساد، فبالنسبة إلى مواطن غير قادر على تحمّل أجرة المواصلات الزائدة أو البنزين مع العجز التام عن شراء الأدوية في بلد يعج بالمرضى من مختلف الأوبئة والأمراض المزمنة، يجد المواطن نفسه في وضع «ليس لديّ ما أخسره».

العامل الثاني هو انتفاء الخبرة لدى قطاع واسع من المواطنين حول ماهية العصيان المدني، فآخر ثورتين حققتا نتائج ناجحة بإسقاط النظام العسكري في السودان كانتا في الستينات والثمانينات. أي أننا هنا أمام أجيال جديدة لم يسبق لها القيام بعمل مماثل. خصوصًا أن كل الذاكرة الجمعية لسودانيي الخرطوم تتلخص في المظاهرات والإضرابات، فعندما اتصلتُ بخالتي في صباح أول أيام الاعتصام سألتها عما فعلته مع ابنتيها اللتين تدرسان في المرحلة الابتدائية، فأجابتني بارتياح أنها غيّبتهما عن المدرسة لخوفها من «الاعتصام». هذه السلبية التي تتسم بها الأمهات غالبًا في المشاركة السياسية، والناجمة عن الخوف على حياة الأبناء، كانت عاملًا غير مقصود في نجاح العصيان المدني القائم أساسًا على فكرة العمل السلبي: لا تخرج من البيت!

٤الأصالة والتجديد: لايف دا شنو؟

ما قالته خالتي في الهاتف لم يكن اعتقادًا مقتصرًا على ربات المنازل، وإنما تجاوزهن إلى الكثير من رجال الأمن الذين لم يكونوا أيضًا على دراية بمفهوم العصيان المدني. في إحدى صفحات حركة «قرفنا» نشر أحد مناصري النظام صورة لجنود بالزي العسكري وهم يحفرون قبورًا في إحدى المقابر مع نصيحة «إلى كل أم سودانية» تُهدَّد فيها الأمهات بأنهن إن لم يقمن بمنع أبناءهن من المشاركة في «العصيان» الذي تقف خلفه الحركة الشعبية الحركة المسلحة الأكبر التي تقاتل النظام في غرب وجنوب شرق البلاد فإن المقابر جاهزة لجثث أبنائهن. على صفاقة هذا التهديد ووحشيته إلا أن جانبًا مضحكًا تمثل في عجز قطاع كبير من المنتسبين للنظام عن فهم ماهية العصيان المدني، وبالتالي اكتسب الحراك الجماهيري نقطة تفوق، بامتلاكه أداة جديدة ومفاجئة لكل استعدادات النظام اللوجستية، وفي مشهد بائس وقفت عشرات السيارات المصفحة وناقلات الجند في شوارع فارغة من المارة لا تجد من تعتقله أو تطارده.

هذا التجديد كان نتيجة لدخول جيل جديد من الشباب الساخطين على الوضع العام، ممن نشأوا بعد طفرة وسائل الاتصال الحديثة وتعاملوا مع المكتسبات التكنولوجية لثورة المعلوماتية والوسائط المتعددة بوصفها من البديهيات المسلم بها، وهو الجيل نفسه الذي طالما اتُهم بافتقاره للوعي السياسي، لنشأته بينما كان النظام الحالي قد وصل بالفعل إلى السلطة، وبالتالي تربى وحصل على التعليم في مناهج وضعها النظام، متعرضًا بشكل كامل لكل بروباجاندا الإسلام السياسي التي تحّرم الخروج على الحاكم.

حطّمت فعالية مواليد التسعينات والألفينيات الصورة النمطية لجيل «ثورة الإنقاذ» الذي لم يعاصر أي رئيس للسودان غير عمر البشير، وأزاح بهذا قطاعًا كبيرًا من جيل الثمانينات الذي شكل النواة الأساسية لكل الموجات الاحتجاجية السابقة ممن اكتسبوا شيئاً من الميراث الثوري والنوستالجيا لجيل انتفاضة أبريل ١٩٨٥ التي أسقطت نظام الرئيس جعفر نميري، واتسم كثيرٌ منهم بخلل محوري في الموجات التي تلت العام ٢٠١٠، تمثل في الانجرار وراء «سلسلة أحجار الدومينو المتساقطة» التي اتسم بها الربيع العربي على مستوى التكتيكات والأدبيات. يُسقط التونسيون بن علي في يناير ويخرج المصريون في الخامس والعشرين من الشهر نفسه فتنطلق الدعوات في الخرطوم في اليوم الثلاثين.

حجمت هذه المحاكاة التي سهلتها وسائل التواصل الاجتماعي الخارقة للحدود من قدرة الشباب السوداني بشكل ما على استخدام الخيال الخاص بهم، ووضعتهم في صورة المقلدين لدول الجوار العربي، وكأنما افتقد السودان لأسبابه الموضوعية للانتفاضة ضد نظام يسيطر على مقدرات البلاد ويشعل الحرب الأهلية فيها لثلاثة عقود. على العكس هذه المرة، انطلقت دعوات مماثلة في مصر بعد نجاح العصيان السوداني، ومثّل السودانيون نموذجًا يحتذى به لأول مرة منذ الثمانينات.

هذا الخيال هو نفسه ما افتقده النظام، ففي أحد الفيديوهات المنتشرة قام طالب سوداني من أبناء المغتربين يدعى محمود صادق بتسجيل فيديو حيّ عبر تطبيق فيسبوك بينما كان يسير أمام جامعة العلوم الطبية المملوكة لوزير الصحة بولاية الخرطوم د. مأمون حميدة وأوقفته سيارة لرجال أمن في الزي المدني وطاردوه أثناء التسجيل. ظهر أحد هؤلاء الجنود لأقل من ثانيتين وهو يسأل الطالب المنفعل: ماذا تفعل؟ فأجابه بالعربية التي لم يكن يتحدث بها في أول الفيديو: ده لايف! فسأله رجل الأمن قبل أن ينتهي الفيديو بالقبض على محمود: لايف دا شنو؟!

٥ العامل النسائي: مهيرة

العامل الأخطر بالنسبة لي في هذا العصيان المدني والأكثر خرقًا للمألوف كان المشاركة الأنثوية الفاعلة والواسعة بشكل فاق المشاركة الذكورية المعتادة. لم يتمثل ذلك فقط في المشاركة بالعصيان ولكن في الدعوة إليه، فوجود المرأة في العمل العام ليس بالأمر الجديد في السودان الذي كان رائدًا في تعليم البنات منذ أوائل القرن العشرين، وكانت المرأة فيه شريكًا أساسيًا في المطالبة بالاستقلال عن بريطانيا ومصر في الخمسينات، وتواجدت عبر الحقب السياسية المختلفة خصوصًا في اليسار عبر الاتحاد النسائي بقيادة الناشطة الشيوعية فاطمة أحمد إبراهيم ضد الأنظمة العسكرية المتلاحقة. لكن العمل النسوي انحسر في السنوات الأخيرة مع عملية النكوص المجتمعي عبر الذكورية التي تتسم بها الأنظمة الإسلامية للنضال فقط في قطاع حقوق المرأة. بحيث نشطت النسويات أكثر في الأحداث التي مست المرأة بالذات، كحادثة اغتصاب أفراد من الأجهزة الأمنية للفنانة التشكيلية صفية اسحق، فيما انتشرت مبادرات مثل «لا لقهر النساء» المناهضة بالأساس لقانون النظام العام سيء الصيت، والذي يضم في طياته قيودًا غير محددة على زي المرأة المحتشم، ويفرض الحجاب في الأماكن العامة، خصوصًا في القضية المشهورة بـ«محاكمة البنطلون» والتي انطلقت بعد اعتقال الصحفية لبنى أحمد حسين من قبل الشرطة لارتداءها بنطلونًا قماشيًا واسعًا أثناء وجودها في مطعم.

هذه المرة كان النشاط الأنثوي كبيرًا في قضية غير مطلبية بل شاملة، ولكن حتى الدعوة كانت من أجسام من خارج منظمات المجتمع المدني النسوية، بل من موقع فيسبوك. حيث انتشرت في الآونة الأخيرة مجموعات مغلقة تضم عضوات بأعداد كبيرة متخصصة في مواضيع اجتماعية ونسائية بحتة، كمجموعة «مهيرة» المتسمة بقدر من الخطاب السياسي والمجتمعي.

ولكن النشاط الأبرز في هذا العصيان جاء من مجموعة «فسخ وجلخ» التي يشير اسمها إلى عمليات تبيض البشرة عبر مستحضرات التجميل، إحدى أكثر الظواهر انتشارًا لدى المرأة السودانية التي تعيش في مجتمع يرى في البشرة البيضاء وحدها مؤشرًا للجمال. لم يكن هنالك أي سبب منطقي يدفع المرء للتوقع بأن مجموعة تواصل اجتماعي، تهدف لاستعراض أحدث صرعات الموضة والتباهي بالكريمات المبيّضة للبشرة ومستحضرات التجميل ومقتصرة فقط على النساء، قد تمتلك أداة للحشد السياسي. هذا العامل كان العدد، فعضوات هذه المجموعة وحدها من النساء السودانيات فقن المائتين ألف امرأة من مختلف الأعمار، وهو عدد نادر في وسائل التواصل الاجتماعي السودانية، بالنسبة لمجموعة سرية واحدة، فما أن أعلنت الحكومة عن رفع زيادة الأسعار وخفض قيمة الجنيه والتأثير الفادح لذلك على أسعار الأدوية حتى انتشر الإعلان عن العصيان المدني عبر هذه المجموعات المهتمة بالكماليات، في انقلاب تام على أدوات العمل الجماهيري في مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يقتصر الأمر في ذلك على الدعوة، فالجيل الجديد الذي أشرت إليه في النقطة السابقة لم يكتف بالدعوة إلى العصيان، وإنما خرجت في يوم الخميس السابق لأسبوع الاعتصام عشرات الطالبات من المرحلة الثانوية والمرحلة الأساسية في شارع المدارس بالخرطوم بحري في تظاهرات مباغتة وضعت الشرطة في موقف حرج أمام محتجات، لسن فقط من الإناث بل من الأحداث ممن هن دون السن القانونية. وهو ما طرح العديد من التساؤلات عن أخلاقية الحشد بين صغيرات السن، وتعريضهن لخطر الاصطدام مع الشرطة، رغم أن هذه التظاهرات كانت عفوية تمامًا ولم تجر الدعوة إليها من أي فصيل مدني، وحتى عندما خرجت مسيرة سلمية في أم درمان خلال أيام العصيان المدني كانت كل المعتقلات من الناشطات.

استمر الاختراق خلال العصيان المدني، فبعد أنباء اعتقال الطالب محمد صادق الذي ساعده خيار النشر التلقائي للفيدوهات الحية، استطاعت بعض مستخدمات فيسبوك التعرف على ضابط الأمن مرتضى باشري والحصول على عنوانه من لقطة screen shot للفيديو المنشور أثناء اعتقاله، وذلك عبر مجموعة “منبرشات” والتي كانت أيضًا إحدى وسائل الحشد النسائي، وهي للمفارقة مجموعة ينحسر نشاطها في النميمة وإنزال المشتركات لصور رجال يرغبن في التعرف على هويتهن أو التشهير بهن لقيامهم بالتحرش الجنسي.

خلاصة:

يمكن الجزم وبعد انتهاء أيام الاعتصام المدني الثلاثة، بأنه وعلى الرغم من عدم تحقيق الاعتصام لأي مطالب جذرية تغير من قرارات الحكومة، إلا أنه استطاع إعادة ثقة المجتمع المدني في نفسه وإعادة الاعتبار لما يمكن أن تحققه الجماهير المناهضة للسلطة الحاكمة في السودان بعد سلسلة من الموجات الاحتجاجية الموؤودة، التي لطالما عززت ثقة النظام في أدواته ودفعت صانعي القرار فيه إلى الاستمرار في نفس السياسات التي تقع عواقبها على المواطن السوداني وحده.

لم يسقط النظام، ولم تستقل الحكومة. لكن الحراك المجتمعي في السودان انتصر في جولة أعادت الاعتبار إلى فعالية الحشد الجماهيري الفعّال، ما أدى إلى انطلاق الدعوة مجددًا للعصيان المدني في ١٩ ديسمبر المقبل ذكرى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان عام ١٩٥٥ مع تعدد مجموعات التنسيق للعصيان في وسائل التواصل وانتشار ظاهرة الدعوة للعصيان في التاريخ المحدد عبر الكتابة في أوراق العملة. ليحقق العصيان المدني بذلك مكسبًا في مسيرة التراكم وتحقيق الزخم المنشود لأي انتفاضة شعبية مقبلة لا ندري بعد كيف سيطور النظام آلياتٍ جديدة لمجابهتها وما سيسفر عنه ذلك في المستقبل القريب.


نشرت المقالة الأصلية في مدى مصر

صورة المقال من أعمال المصمم السوداني عمار حجر