“دبي السينمائي يحتفي “بهوامش مصر السينمائية

في الليلة التالية لحفل افتتاح مهرجان دبي السينمائي غيّر علي صبحّي، المهرج وممثل الشارع القادم من حواري عين شمس، صورة حسابه الشخصي على فيسبوك لأخرى بالزي الرسمي، بوصفه بطلًا لفيلم «علي معزة وإبراهيم»، كأي نجم معروف من السائرين حوله على السجادة الحمراء، ولكن مع تعديل بسيط اقتطع فيه رأسه وكتب: «محدش عارفني. كله كان عايز يتصور مع البدلة».

***

لم ينحصر شغفي لحضور فعاليات مهرجان دبي السينمائي فقط في مشاهدة الأفلام القادمة من أنحاء العالم والتي لا يتسنى للمرء حضورها حصريًا في «كان» و«برلين» و«تورونتو»، بل بشكل أساسي للقاء أصدقائي من المخرجين والممثلين والاطلاع على تجاربهم الجديدة، أشخاص كعلي صبحيّ، ممن يكسرون إحساسك بالغربة في مدينة مترفة كدبيّ ويعيدونك بنكتة خليعة إلى قهاوي وسط البلد في القاهرة، بعيدًا عن دبي كسوق دولية مزدهرة خاضعة لمعايير رأس المال المتبدية في كامل نشاطاتها، حتى الفنية منها، لدرجة أن عروض أفلام المهرجان المتاحة للجمهور تستضيفها صالات سينما «فوكس» بمول الإمارات، ما يجعل دبي مقصدًا لعدد هائل من المشتغلين في هذه الصناعة من أبناء المنطقة العربية، حيث يختلط السينمائيون ومشاهدو الأفلام بالمتسوقين في مدينة كوزموبولتانية تفاجئك بقدرتها على استقطاب هذا القدر من النجوم في مكان واحد رغم تاريخها القصير.

الحضور المصري، الذي غالبًا ما يتفوق بعامل العدد والإنتاج الأكبر لم يكن استثناءً، فطوال دوراته الـ١٣ كان المنتجون والمخرجون المصريون يتسابقون لعرض أفلامهم أولًا في مهرجان دبي أو أبوظبي قبل إلغاء الأخير واحتكار دبي للمشهد السينمائي الإماراتي لكن الأزمة التي ألقت بثقلها على جودة النصوص في الأفلام المصرية خلال السنوات الأخيرة، وحتى على مخرجيها الطليعيين، كانت أمرًا باعثًا على الكآبة وخيبة الأمل في واحدة من أعرق صناعات السينما في العالم، وهو ما اختلف بصورة تدعو للتفاؤل في ٢٠١٦. ليس فقط لأن فيلمين مصريين روائيين طويلين حصدا جائزتي «المهر العربي» لأفضل مخرج، محمد حمّاد، وأفضل ممثل، علي صبحي، في تجربتين هما الأوليان لمخرجيهما، بل لأن بعض الأفلام جاء بروح سينمائية مغايرة تماماً للسائد في شاشات العرض المصرية.

سبق الإعلان الرسمي من المهرجان الكثير من الاحتفاء الجانبي، بدءًا من فيلم «مولانا»، المأخوذ عن رواية الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى وأخرجه مجدي محمد علي، وأشارت الدعاية المصاحبة له لكونه يعالج، بصورة مثيرة للجدل، العلاقة دائمة الالتباس في مصر بين المؤسسة الدينية والسلطة، في حقبة سياسية لا تزال تعاني من تبعات وصول الإسلاميين للسلطة بعد الثورة، وذلك عبر شخصية داعية ديني قام بدوره عمرو سعد، يتسلق السلم سريعًا إلى الشهرة.

على الجانب الآخر جاء فيلم «الماء والخضرة والوجه الحسن» ليسرى نصر الله الذي خرجت تجربته أخيرًا من هذه الحقبة بفيلم اجتماعي عادي، شارك خارج المسابقة الرسمية للمهرجان مع وجود نصر الله عضوًا في إحدى لجان التحكيم بالمهرجان، وأخيرًا فيلم كاملة أبو ذكري «يوم للستات»، وجمعت بطولته بين عدد كبير من النجوم، من بينهم إلهام شاهين ونيللي كريم وأحمد الفيشاوي جنبًا إلى جنب والده فاروق الفيشاوي مع ظهور محمود حميدة وهالة صدقي، في قصة تدّور حول حمام سباحة في مركز شباب بحي شعبي.

وبعيدًا عن السجادة الحمراء وفساتين النجمات في حفل الافتتاح، فقد جاءت المشاركة المصرية في فئة «الفيلم القصير» بالكثير من الصخب داخل أروقة مدينة جميرا. فباستثناء فيلم «البنانوة» لناجي إسماعيل، كان الفيلمان الآخران لافتين للانتباه، ففي ٢٠ دقيقة يروي «أسبوع ويومين» للمخرجة السودانية مروى زين قصة امرأة وشريك حياتها خلال الأيام التسعة التي يطاردهما فيها شبح الإنجاب. يأتي الفيلم الذي شارك في بطولته عمرو صالح وياسمين رئيس، بعد ثلاث دورات من نيل الأخيرة جائزة «المهر العربي» لأفضل ممثلة عن دورها في «فتاة المصنع» للراحل محمد خان ما جعل غيابها عن هذه الدورة مستغربًا بعد تأكيد الصحافة حضورها من على لسانها.

فيما كان الغياب الأبرز من نصيب فيلم التحريك المنتظر «بائع البطاطا المجهول»، رغم حضور بطله خالد أبو النجا، والذي جرى تنفيذه بتقنية rotoscope وتطرق لجريمة قتل طفل في محيط ميدان التحرير وجهت أصابع الاتهام فيها للمجلس العسكري أثناء فترة إدارته للبلاد. وهو ما رجّح التكهنات حول وجود ضغوط دبلوماسية وسياسية تسببت في منع عرضه في دبي، خصوصًا أنه جاء بعد طرح دليل العروض. ما دفع إدارة المهرجان للإعلان بخجل في بيان خاص بالواقعة أن المنع جاء «لظروف طارئة خارجة عن إرادة الطرفين»، وهو ما قابله أبو النجا بدبلوماسية مشابهة لم يخسر فيها رصيده في المهرجان.

لم يكن الحضور السياسي القوي مقتصرًا على هذه الأشرطة السينمائية وحدها. ففي فئة الفيلم الوثائقي، سجل محمد رشاد حضورًا قويًا ضمن فئة الفيلم الطويل بفيلمه الوثائقي «النسور الصغيرة» الذي سجل عبره شهادة شخصية تتقاطع مع علاقته بوالده ومدينته الإسكندرية، خالقًا شكلًا من أشكال المقارنة بين صراع جيل والده ضد نظام السادات، والصراع السياسي الحالي بين جيل المخرج نفسه وجيل نظام مبارك القائم حاليًا بوجهه الجديد، وطارحًا، في خضم السرد الذاتي، العديد من الإشكالات السياسية التي تحيط بالحراك الثوري في مراحل مصر المختلفة.

أخضر يابس

قادمًا من مهرجان لوكارنو، قدم محمّد حماد تجربته الروائية الثالثة «أخضر يابس» بعد فيلمين روائيين قصيرين، هما «سنترال» و«أحمر باهت».

حمّاد الذي يبدي اهتمامًا أساسيًا في أفلامه بالمرأة المصرية والجوانب الخفية في حياتها استعرض هنا حياة فتاة ثلاثينية عزباء (عانس، حسب التصنيف الشائع)، تصاب بعرض فجائي يتسبب بانقطاع دورتها الشهرية. وفي الفترة الزمنية الفاصلة بين زيارتها الأولى للطبيب والزيارة الثانية بعد ظهور نتيجة التحاليل، يستعرض الفيلم الحياة اليومية لإيمان (هبة علي) في الشقة التي تعيش فيها مع أختها نهى (أسماء فوزي) كيتيمتين.

تدور أجواء الفيلم بدقائقه السبعين في إيقاع بطيء يناسب الحياة الرتيبة لإيمان التي تعمل في محل لبيع الحلويات. استغل حمّاد، بشكل غير مألوف في السينما المصرية، وقوفه الأول وراء الكاميرا لإنجاز فيلم طويل، وذلك لعرض أدق التفاصيل دون الاهتمام بالدراما، ولإيصال حالة الكآبة التي تعيش فيها البطلة في خضم هذه الرتابة، التي تبدت حتى في تنقلات الشخصية داخل القاهرة عبر الترام، وسيلة المواصلات التي انقرضت منذ عامين، ليمثل «أخضر يابس» المادة السينمائية الأخيرة التي وثقت لترام القاهرة.

هذه الحركة البطيئة لإيمان، والأجواء العتيقة لعربات الترام وكمساريه العجوز تلاقت مع ثيمة الصراع بين البوار والخصوبة، ففي الوقت الذي نكتشف فيه فقدان إيمان العزباء لقدرتها على الإنجاب، وبالتوازي مع الخط الدرامي الثاني المتمثل في تقدم عريس لخطبة أختها، تنتقل إيمان بين أعمامها الثلاثة، في سلسلة من التعقيدات الأسرية لاستعارة أب مؤقت لحضور طقوس الخطبة، وهو ما لا يتحقق في نهاية المطاف.

رغم الرتابة المفترضة، استطاع حمّاد بخياراته الفنية المعاصرة تحقيق المعادلة الصعبة، بنقل رتابة الحياة الخالية من الأحداث العظيمة دون إصابة المتفرج المتمرّس بالملل. لكن العامل الأهم الذي أعطى لفوزه بجائزة «أفضل مخرج» بعدًا أعمق هو الإنتاج قليل التكلفة، بل والذاتي من قبل حمّاد وزوجته خلود سعد التي شاركت في الإنتاج كذلك مع مصّور الفيلم محمد شرقاوي. وباستثناء الكاتب أحمد العايدي (الذي قام بدور الطبيب) فلم يكن أي من ممثلي الفيلم من الوجوه المعروفة، بل كانوا جميعًا يقفون أمام الكاميرا للمرة الأولى، وكان الكائن الوحيد الذي استطعتُ التعرف عليه على الشاشة هو كيكي، سلحفاة شقيق المصور الذي صوّر الفيلم في بيته.

هذا المجهود الذاتي لفريق العمل في إنتاج الفيلم صحبه العديد من العقبات، كان أبرزها تعرض فريق العمل للإيقاف من قبل الأجهزة الأمنية لما يزيد عن ثلاث مرات، خصوصًا أن التصوير الخارجي حول قضبان الترام كان بين منشية البكري ومحطة كلية التربية، أي في المنطقة الفاصلة بين القصر الجمهوري ووزارة الدفاع. كللتْ جائزة «المُهر العربي» هذا المجهود المضني، فيما يشبه الرسالة الضمنية للأفلام ذات الإنتاج العالي والتمويل المتعدد في المسابقة، بأن الفيلم الجيد ليس هو بالضرورة الفيلم الأكثر تكلفة.

علي معزة وإبراهيم

الفيلم المصري الآخر الذي أحيط عرضه بالكثير من الدلالات هو «علي معزة وإبراهيم»، والذي كان أيضًا الفيلم الطويل الأول لمخرجه شريف البنداري، بعد أربع تجارب أخرى كان آخرها «حار جاف صيفًا» والذي أرسى بشكل واضح صوت البنداري في السينما التي تمزج بين الواقعية الكئيبة والفانتازيا ذات الطابع الكوميدي. الفيلم قصة إبراهيم البطوط، وكان سبق وأن عرضها قبل خمسة أعوام على السيناريست والمخرج أحمد عامر، قبل أن يتخلى عنها الأخير للبنداري والمنتج النشط محمد حفظي.

يجمع الفيلم في طابعه بين واقعية الحال المأساوي لمصر ما بعد الثورة وحالة الإحباط الجمعي، والسخرية المرّة التي يجابه بها المصريون حياتهم، كضرب من المقاومة. ليحكي قصة شابين من نفس الحارة، علي الذي يصاب بحالة صدمة نفسية إثر حادثة أودت بحياة خطيبته، ليقع في غرام عنزة صغيرة يجدها في مكان الحادث ويعاملها بوصفها خطيبته المتوفية، ما يضعه بالضرورة موضع السخرية في مجتمعه وسخط والدته الدائم من جنونه، التي تحاول عرضه على أحد المعالجين الروحانيين، فيلتقي هناك بإبراهيم، مهندس الصوت النابغة الذي يعاني مرضًا عصبيًا يهدد مهنته في استديو موسيقى المهرجانات، حيث يستمع لأصوات صاخبة وهو بمفرده، المرض الذي دفع جده العواد لإصابة نفسه بالصمم للتخلص من هذه الأصوات القاتلة. وفي محاولتهما اليائسة وغير الجادة للعلاج يتبع علي وإبراهيم نصيحة المعالج الروحاني، ويسافران لإغراق ثلاث حصوات في المسطحات المائية الرئيسية في مصر (النيل، البحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط) ويقومان بجولة بلهاء بين سيناء والإسكندرية والقاهرة. توقعهما في الكثير من المواقف المضحكة، مع اصطحاب عليّ لخطيبته «المعزة هدى»، لكن الجولة في الوقت نفسه هي ما تخلق صداقتهما. وهذا في فيلم قدّم كوميديا عفوية دون الوقوع في فخ الابتذال، الذي يعاني منه شباك التذاكر لسنوات طوال في أفلام المواسم.

الفيلم الذي شارك في بطولته بتميّز أحمد مجدي، في دور إبراهيم بعد مشاركة ثانوية في فيلم والده «مولانا» – كان بصورة أساسية الانطلاقة الذهبية لعليّ صبحي في الشاشة الكبيرة، وأهّله لنيل جائزة أفضل ممثل مخالفًا التوقعات، فكل من يعرف علي صبحي يدرك أنه لم يكن متكلفًا في أدائه، بل كان بشكل ما يلعب شخصيته هو نفسه، بملامحه الكادحة ولغته الشعبية كممثل شارع في فرقة «قوطة حمرا». ما ذكر أغلب مهنّئيه باعتقاله المرير من قبل الشرطة العسكرية في محيط ميدان التحرير في شهر مارس ٢٠١١ بوصفه بلطجيًا، وبتعرضه للتعذيب داخل أروقة المتحف المصري. هذا الميراث الثقيل أعطى للجائزة بعدًا تكريميًا أعمق يعترف بممثل قادم من هامش النجومية والأضواء، أشهر وسطاه وسبابته من على صهوة مهره: «لكل المرفوضين من مجتمعاتهم ومن يملك الشجاعة أن يكون مختلفًا»، كما كتب لاحقًا بعد حفل الختام بصورة بروفايل جديدة في فيسبوك كاملة الرأس.

ضمن هذه الأفلام المختارة والتي تتأهب القاهرة لعرضها في ٢٠١٧، سلّط «المهر العربي» الضوء على تجربتين سينمائيتين مغايرتين أتيتا من خارج حسابات السوق واهتمامات المشهد الرسمي المصري. ليكون مهرجان دبي السينمائي، بمركزيته الدولية كنافذة لصناعة السينما في الشرق الأوسط، هو ما يمثل مساحةً للاحتفاء بالفن الهامشي المنجز بأبسط الموارد والأنماط، في مفارقة غير متوقعة قد تنعش السينما المصرية وتتغلب قليلًا على أفولها الفني.


نشرت المقالة الأصلية في مدى مصر

وودي آلن.. الكمّ على حساب الكيف؟

يطل وودي آلن، بفيلمه السنوي هذه المرة بعنوان Irrational Man “الرجل اللا عقلاني”، مقدمًا لنا شخصية البروفيسور آبي لوكاس، أستاذ الفلسفة المرموق الذي يؤدي دوره الممثل البورتوريكي خواكين فينكس، ليلعب مجددًا على ثيمة البطل المصاب بالاكتئاب وأزمة منتصف العمر. السمّات الشخصية التي خولّت كِت بلانشيت لنيل جائزة الأوسكار عن دورها في فيلمه ياسمين أزرق Blue Jasmine العام 2013.

يضاف إلى ذلك، العناصر المعتادة التي صبغت أغلب أفلامه التي تسخر من الإنتلجنسيا الأمريكية (النيويوركية غالبًا) من مثقفين وفنانين وأكاديميين، باعتبارها ركنًا أساسيًا من أفلامه ونصوصه القصصية والمسرحية، وهي الشريحة الاجتماعية التي يعتبر وددي آلن أحد أبرز رموزها في القرن العشرين. فيما يأخذ النقد اللاذع من العلاقات العاطفية، ومؤسسة الزواج تحديدًا، حصة كبيرة من أسلوبه الكوميدي. بشكل أسس له نمطًا خاصًا فيما يعرف بسينما المؤلف، بوصفه سينمائيًا نادرًا ما يقدم إلى الشاشة نصًا ليس من تأليفه.

وكسائر أفلامه، يبتعد وودي آلن عن أي تقنيات إخراجية مبهرة ليواصل سيره في تيار معاكس لأفلام هوليوود التقليدية كبيرة الإنتاج. معتمدًا بشكل أساسي على الحوار الساخر والحبكة المليئة بالمواقف الغرائبية لشخصياته المضطربة، وهو هنا في “الرجل اللا عقلاني” يعرض انتقال البروفيسور النابغ الذي تسبقه سمعته الأكاديمية إلى الجامعة المنقول إليها حديثًا. بشكل يرسم حوله هالة كاريزمية توقع في غرامه زميلته ريتا التي تتورط معه في خيانة زوجية يحبطها فيها بروفيسور لوكاس، بافتقاره لأي رغبة جامحة لممارسة الجنس نتيجة لاكتئابه، فيما نرى على الجانب الآخر انسحاق طالبته جِل -قامت بدورها إيما ستون- أمام شخصيته التي تسحرها في مدى عمقها والإحباط الذي يتعاطى به بروفيسور لوكاس مع العالم من حوله.

لدرجة تجعل من شخصيته ومحاضراته مادة دائمة لحديثها حتى مع أسرتها وعشيقها الذي يواجهها بدوره بفكرة وقوعها التدريجي في غرامه. الأمر الذي تواصل في إنكاره إلى أن يثبت العكس في المشهد الذي تحاول فيه تقبيله في مدينة الملاهي، في حبكة بدت مكررة ومألوفة في أفلام آلن الذي دائمًا ما يقدم أبطالًا ساحرين أيروتيكيًا كتعويض سينمائي ربما لحياته العاطفية التي يبدو أنها ليست بهذا الشغف، ربما!

تكرار تناول هذه الثيمات ليس العيب الوحيد الذي وقع فيه “الرجل اللا عقلاني”، بل هو “اللا عقلانية” غير المقنعة التي حاول آلن تداركها في عنوان الفيلم لتبرير حبكته. حيث نرى فجأة البروفيسور لوكاس وقد انقلبت حياته رأسًا على عقب بشكل يحرره من حالة الاكتئاب ليجد دافعًا وهدفًا لمواصلة حياته ما أن يسترق السمع بالمصادفة، بصحبة طالبته جِل في أحد المطاعم، لأم تحكي بمرارة لجمع من معارفها القضية التي تواجهها في المحكمة والتي ستخسر فيها حضانة أطفالها لمعرفتها المسبقة بفساد القاضي الذي يتولى سير القضية. ليقرر بعدها البروفيسور لوكاس قتل هذا القاضي بالسم في خطة محكمة يدفعه لتنفيذها انعدام أي تعارض مباشر للمصالح أو المعرفة المسبقة بالقاضي، الذي يموت بالفعل في ظروف غامضة بالنسبة للشرطة التي لا تظهر أبدًا في الفيلم.

يأتي هذا الحافز المفاجئ بعد أن نعرف مسبقًا أن وقوع بروفيسور لوكاس في حالة الاكتئاب نجم في الأصل عن مقتل صديقه المقرّب في العراق، إضافة إلى جملة اعتراضية عابرة في مجمل تعريفه بنفسه لطالبته وعشيقته اللاحقة جِل، بقضائه ستة أشهر في إقليم دارفور كضرب من ضروب التجربة الإنسانية المغايرة لرجل أبيض، رغم إحاطته المباشرة بهذه المآسي الدموية التي عاصرها، لم يتحرك ضمير لوكاس المضطرب وإحساسه الغامر بانعدام العدالة من حوله إلا من حادثة فساد قضائي بسيطة كهذه، وبمحض الصدفة، ولم تكن لتؤدي إلى توقيع عقوبة الإعدام على أحد بطبيعة الحال، متعاطفًا مع امرأة مجهولة بالنسبة له لم ير وجهها حتى في المشهد.

ضآلة المساحة الكوميدية في الحوار مقارنة بقدرة وودي آلن المعتادة على السخرية، وضعف الحبكة بشكلها غير المقنع، والاستسهال الواضح في تقديم المعالجة السينمائية للقصة، أصابت “الرجل اللا عقلاني” في مقتل باعتبار تلك العناصر هي الأرضية التي تقف عليها سينما وودي آلن، ولم يتبق هنالك إلا جودة الأداء التمثيلي الذي لن يقع فيه التقدير إلا للممثل نفسه، حتى وإن كنا على يقين أن إدارة الممثل هي مهمة تقع على عاتق المخرج بالأساس، وحتى الموسيقى التصويرية التي تميزت أفلامه بأنها نافذة سينمائية على كلاسيكيات موسيقى الجاز -التي يفضلها آلن بوصفه عازف ترومبيت محترف- بدت في هذا الفيلم كسولة باقتصارها على شريط موسيقي واحد ومكرر في معظم مشاهد الفيلم، بغض النظر عن الحالة الشعورية للشخصيات، متوترة كانت أم مرحة.

هذه الضربة غير الموفقة تعطي انطباعًا بأن وودي آلن إنما كتب هذا الفيلم وقدمه بحكم الواجب، حتى لا يمر العام دون أن يقدم فيلمًا لدور العرض، مع العلم أنه ومنذ العام 1971 لم تمر سوى ثلاثة سنوات لم ينتج فيها آلن فيلمًا، آخرها كان العام 1981، فيما كان يخرج في بعض السنوات فيلمين أو ثلاثة، ما يجعل في رصيده الآن 55 شريطًا سينمائيًا كتب معظمها بنفسه، كان “الرجل اللا عقلاني” واحدًا من أسوأها، كضحية لانحياز المخرج إلى كفة الكم في مقابل الكيف.

سينما زاوية: نافذة على الأفلام البديلة

عندما تنعطف إلى شارع عبدالحميد سعيد بوسط القاهرة محاولاً التسرية عن نفسك في ظل الركود العام بقطع تذكرة في “سينما أوديون” لن تتخيل أنك ستمر بتجربة فريدة من نوعها. سيواجهك ملصق دائم بين الملصقات الثلاثة المتغيرة للافتة السينما، التي اختيرت كي تكون المقر الدائم “الأول” لسينما زاوية.

تقوم مبادرة “زاوية” على عرض أفلام لا تعرض عادة في دور السينما، كما يقول الملصق التعريفي. وفي هذا السياق، نشاهد عند المدخل الجانبي لسينما “أوديون” ملصقات لأفلام من مختلف أنحاء العالم، فيتبيّن لنا أنه بإمكاننا مشاهدة فيلم فلسطيني أو سوري على شاشة لطالما كانت حكراً على أفلام شركة “السبكي” مثلاً أو آخر ما أنتجته هوليوود.

ترعى المبادرة شركة “أفلام مصر العالمية” التي أسسها المخرج الراحل يوسف شاهين، عبر علاقاتها الجيدة في أوروبا، كونها الشركة المصرية الوحيدة الحاصلة على جائزة مهرجان “كان”. وقد استطاعت أن تحقق انجازاً لافتاً في هذا المجال بعروض “بانوراما الفيلم الأوروبي” التي تعتبر الفرصة الوحيدة ـ بعد عروض مهرجان القاهرة السينمائي ـ لحضور عروض سينمائية مختلفة (تتضمن الوثائقي والروائي القصير) في صالات العرض التجارية في القاهرة.

تشكّل “سينما زاوية” استمراراً لنجاح “بانوراما الفيلم الأوروبي”. وبدلاً من أن تجري العروض في صالات “جالاكسي” و”سيتي ستارز” و”بلازا” التي تديرها شركة “أفلام مصر العالمية”، وتدوم عشرة أيام حدّاً أقصى؛ تعاونت الشركة المذكورة مع شركة “نيوسينتشري” التي تملك سينما “أوديون” لعرض هذا النوع من الأفلام طوال العام على واحدة من شاشاتها الثلاث؛ وذلك نظراً إلى موقع السينما المتميز في وسط المدينة، حيث تتركز الأنشطة الثقافية وأوساطها التي يستهدفها هذا المشروع أولاً.

“لسنا مشروعاً ثقافياً فقط” يقول مدير “سينما زاوية”، الشاب يوسف الشاذلي: “الهدف الأساسي للمشروع هو أن ننقل الأفلام المستقلة التي تعرض لمرة واحدة في مركز ثقافي ما إلى صالات السينما التجارية”، ما يقدم دعماً لمخرجي هذا النوع من الأفلام ومساهمة في جعل إنتاجهم جزءاً من السوق.

ولمّح الشاذلي إلى أن التمويل الذي يتلقاه المشروع قد لا يستمر طويلاً، وإلى أن استهداف جمهور “وسط البلد” هو بداية فقط لنشر هذا النوع من الإنتاج السينمائي وسط قطاعات أوسع. وبالتالي، فإن “سينما زاوية” مرشّحة في نظره  للانتشار في مدن أخرى غير القاهرة، خصوصاً بعد أن فاقت نسبة حضور العروض التوقعات، لتصل أحياناً إلى 200 مشاهد يومياً.

من جهتها، أشارت المسؤولة عن عروض الأفلام خارج البرنامج الأسبوعي، المخرجة عالية أيمن، إلى أنها ضد فكرة الثقافة الموحدة ومع تقديم خيارات سينمائية أكبر: “نحن نسعى لخلق مساحة للبديل لكننا لا نريد أن تكون “زاوية” مشروعاً نخبوياً مقتصراً على الفنانين والمثقفين”. واعترضت المخرجة على مصطلح “السينما المستقلة” قائلةً: “الأدقّ أن نسميها بالسينما المختلفة أو البديلة” مشيرةً في هذا السياق إلى أن فيلم افتتاح السينما هو “وجدة” للمخرجة السعودية هيفاء المنصور (إنتاج روتانا).

إلى جانب عامل التمويل، تُعتبر الرقابة أهم التحديات أمام المشروع لأن “زاوية” لا تعرض أي أفلام “معدّلة” ولا تسمح بحذف مشاهد من هذه الأفلام لدى عرضها. إذ تلاحظ أيمن أن هنالك نمطاً جديداً من الرقابة الشعبية أضيف إلى الرقابة الرسمية، متوقفّةً عند مثال فيلم “حلاوة روح” (من بطولة اللبنانية هيفاء وهبي) الذي تم إيقاف عرضه بشكوى من مجلس الطفولة والأمومة.

“هنالك قطاعات شعبية تدعم الرقابة الفوقية، وأنا لا أرى أنها تكتسب أي شرعية. إذا كنت لا ترغب بمشاهدة الفيلم فلا تذهب!” ورغم اختلاف المخرجة مع منتج الفيلم محمد السبكي، إلا أنها مع حقه في إنتاج ما يرغب تحت بند “للكبار فقط”. وفي هذا السياق تشير إلى أن “سينما زاوية” تؤمن بحرية الفنون التي تسمح بتقديم الأفلام من دون رقابة.

بعد مضي شهرين فقط على تأسيسها، تستضيف “سينما زواية” هذا الشهر “مهرجان قبيلة للأفلام القصيرة”، كما عرضت أربعة أفلام للمخرج السوري محمد ملص، بينها فيلمه الجديد “سلّم إلى دمشق”، لتثبت بذلك جدية أهدافها وسعيها لتأسيس “سينما للأفلام اللي ما بتشوفهاش في السينما”.