مغامرة الحياة العادية في العراق بين السيطرات

قبل عام بالضبط. تكللت رغبتي المتواصلة لأكثر من ستة أعوام في الحصول على دعوة رسمية لزيارة العراق. البلد الذي طالما أحببته ورغبت في رؤيته رغم وضعه الأمني غير المستقر. كان الأمر أشبه بهدية تلت عيد ميلادي وبلوغي سن الثلاثين، ورغم أن السفر للعراق متاح خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي شبه الكلي إلا أنني ظللت مصراً أن تكون زيارتي في سياق رسمي يسهل تواجدي كضيف على البلد لا تحوم حوله شبهات أمنية.
لكن الدعوة الموجهة إلي بحد ذاتها كانت تحوي قدراً كبيراً من الإشكالية، فرغم أنها وجهت إليّ كشاعر لحضور مهرجان «هنا العراق» الشعري، إلا أنها جاءت من أكثر الهيئات العراقية إثارة للجدل في الشرق الأوسط: هيئة الحشد الشعبي. قبولي للدعوة جاء بصيغة براغماتية بحتة، لفعالية أدبية.
كان الوضع الأمني للبلد أمراً لا يمكن إغفاله، فلا يمر شهر دون أن تشهد إحدى مدن العراق تفجيراً انتحارياً أو هجوماً بسيارة مفخخة يستهدف المدنيين حتى خارج مناطق الحرب في شمال البلاد، ورغم الطمأنينة التي قد يمنحها التجول في المدينة ضمن رتل من السيارات المصفحة والمدججة بالسلاح وجنود القوات الأمنية، إلا أنها طمأنينة زائفة بوصف هذه التحركات لافتة للانتباه كأهداف متحركة للإرهابيين. إلا أن الميزة الإيجابية للتنقل ضمن رتل أمني لا يمكن نكرانها والمتمثلة في سهولة الحركة في مدينة مدججة بالسلاح ومزروعة في كامل شوارعها الرئيسية بالأسوار الاسمنتية والحواجز الأمنية التي يطلق عليها العراقيون تسمية: السيطرات.
تشكل السيطرة الركن الأساسي لنظام الحماية الأمنية داخل المدن والطرق السريعة الواصلة بينها على حدٍ سواء، ورغم ما تمثله من عنصر حافظ للأمن إلا أنها تشكل عبئاً مضاعفاً كونها أهدافاً بحد ذاتها. إضافة إلى الزحام المروري الذي يسببه توقف طوابير السيارات قبل العبور منها. المركبات التي تتحول بسهولة إلى أسلحة تستهدف المدنيين والعسكريين بشكل عشوائي مثير للرعب.
ما ينجح فيه الإرهاب ليس فقط قدرته على إيقاع أضرار جسيمة على الأرواح والممتلكات ولكن بشكل أكبر إضرار حالة السلم الأهلي وتدمير الثقة بين المواطنين بعضهم البعض، وتغيير خارطة المدينة ومعالمها، حيث لا يمكن للسائح – إذا كانت هنالك صفة مشابهة في العراق – أن يزور أبرز معالم المدينة الفنية، كنصب الشهيد، القبة الفارسية الزرقاء المقسومة إلى شقين والعمل الأبرز للنحات العراقي إسماعيل الترك لوقوعه في المنطقة المحاذية لوزارة الداخلية التي يمنع عبور المشاة منها، وعندما قررت زيارة نصب الحرية تحفة الفنان العراقي جواد سليم الواقعة في ساحة التحرير صادف ذلك تجمهر مئات من أنصار المرجع الشيعي مقتدى الصدر في تظاهرة سلمية لم أستطع أن أمنع عن ذهني مدى المشابهة بينها وبين اعتصامات ميدان التحرير الذي يحمل نفس الاسم والدلالة في القاهرة، بل إنني عدت إلى أجواء مشابهة لتلك التي تلت ثورة 2011 عندما قام المعتصمون بالساحة بوضع حواجز تفتيش متتالية من المدنيين لتفتيش كل من يعبر بالساحة المحاطة بالقوات الأمنية وهو ما درج بتسميته في مصر باللجان الشعبية في صورة مثيرة للنوستالجيا.
لم أستطع مقاومة خوض مغامرة الحياة العادية للعراقيين. كنت أنتظر انتهاء فعاليات المهرجان للعودة إلى الفندق الذي أقيم فيه بحي الكرادة في بغداد المفعم بالحياة وأتوجه للمقاهي والمطاعم التي تعج بالمرتادين. إضافة لرغبتي في اكتشاف حياة الليل في البارات التي أدهشني وجودها في هذه الجمهورية الطائفية المحافظة، إضافة لمحلات بيع الخمور في شارع السعدون إحدى مناطق تكتل مسيحي بغداد، وشعرت بشيء من الانتصار في قدرتي على التجول سيراً على الأقدام لكيلومترات عديدة. لكنها لم تكن بالرحلة الخالية من المتاعب.
أحد تلك المواقف نجم أثناء تسكعي فوق أحد جسور نهر دجلة الواصلة بين ضفتي بغداد: الكرخ والرصافة، فعندما قررت التقاط صورة فوتوغرافية لأحد المباني الحكومية التي كانت تحوي لافتتها خطأً إملائياً فادحاً غير متوقع في مدينة عريقة كبغداد انتبه أحد المارة من المدنيين لما أفعله وسبقني بخطوات متسارعة إلى نهاية الجسر حيث قام بالصياح لافتاً انتباه جنود الأمن في الحاجز الأمني الكامن في مدخل الجسر ونبههم كمواطن غيور على الأمن إلا ما أفعله بوصفي غريباً يلتقط الصور للمنشآت الحكومية. خصوصاً أنها كانت منشأة خارج حصن المنطقة الخضراء المعزولة عن المدنيين والتي تحتوي كل المباني الحكومية الرئيسية كمقر رئاسة الوزراء ورئاسة الجمهورية والبرلمان إضافة إلى السفارات الأجنبية، الأمر الذي انتهى بإيقافي من قبل رجال الأمن الذين كانوا في وضع يسمح لهم باعتقالي وتفتيشي لولا وضعي المتميز، فما أن قمت بإخراج جواز سفري كما طُلب مني حتى قمت بجاهزية فورية بفتح الصفحة التي تحوي تأشيرة دخولي للعراق التي كانت تحوي في خانة مقدم الدعوة : هيئة الحشد الشعبي، ليتم التعامل معي فوراً باحترام بالغ بوصفي ضيفاً عزيزاً لا يمكن الشك فيه، فيضطر المواطن الذي وشى بي للاعتذار.
إلا أن هذا الوضع الخاص الذي كنت متمتعاً به خلال زيارتي لكل مدن العراق العربية، بغداد وتكريت وكربلاء سرعان ما تراجع وتحول إلى أزمة عندما قررت السفر إلى أربيل عاصمة إقليم كردستان المتمتع بالحكم الذاتي، ورغم تجنبي للسفر البري شبه المستحيل إلى الإقليم واستقلالي لرحلة جوية داخلية من مطار بغداد إلى أنني تعرضت للإيقاف من قبل ضباط الأشاوس، الجهاز الأمني الخاص بالإقليم، رغم أن تأشيرة دخولي ذات وضع فيدرالي يسمح لي بدخول كل مدن العراق. لكن صدورها من الحشد الشعبي جعلني عرضة للاستجواب عما إذا كنت متطوعاِ في الحشد، بل إن الضابط الذي تولى مهمة استجوابي سألني بشكل صريح لم أتعرض له إلا في الضاحية الجنوبية في بيروت من قبل جنود حزب الله إذا ما كنت شيعياً، وشكلت إجابتي بوصفي سنياً إرباكاً أكبر للضابط الكردي السني الذي جعلني أنتظر في مقاعد الانتظار حتى تم التأكد من سلطات مطار بغداد من صحة تأشيرتي، لأدخل إلى المدينة مدركاً أنني الآن خارج فقاعة الحصانة رغم أنني لا أزال على أراضي جمهورية العراق.
على النقيض كانت أربيل وبقية مناطق كردستان السياحية التي زرتها بيئة تتمتع بقدر كبير من الأمان رغم الواقع الجغرافي المثير للمفارقة بوصفها منطقة متاخمة لمناطق سيطرة «الدولة الإسلامية» والحرب التي تشهدها. الأمر الذي أثار في ذهني حيرة شديدة والعديد من التساؤلات حول حقيقة هذا الوضع السياسي والعسكري المتناقض. يزيد منه واقع احتضان كردستان لعشرات الآلاف من النازحين العرب من مناطق الحرب مع «الدولة» في تغير ديموغرافي غير مقصود عزز من اختلاط المواطنين الأكراد بأشقائهم العرب في بلد يعاني من فوضى من المذاهب والانتماءات العرقية والدينية. استطعت بأعجوبة العودة منه سالماً لا وبل سعيداً بزيارته كمغامرة بالغة الاعتيادية.


نشرت المقالة الأصلية في القدس العربي

لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (3-3)

الفردانية التي اتسم بها نظام الرئيس عمر البشير في مرحلته المتأخرة لم تقتصر على صناعة القرار السياسي وحدها، وإنما كامل النخبة السياسية السودانية. تلخصت برامج الأحزاب السياسية وقيادتها في رؤسائها. إمام طائفة الأنصار الصادق المهدي -رئيس الوزراء السابق في حقبتين- يسيطر على حزب الأمة، والسيد محمد عثمان الميرغني زعيم الطريقة الختمية يظل متمسكًا بزعامة الحزب الاتحادي الديمقراطي، فيما لم يشكل انتفاء عنصر الطائفية مانعًا من سيطرة الحرس القديم من اللينينيين الاستالينيين على الحزب الشيوعي بعد وفاة سكرتيره التاريخي محمد إبراهيم نقد، وفي النماذج البديلة التي مثلت تهديدًا لهذه النخبة كان المصير مماثلًا.

انتهت الحركة الجمهورية وفلسفتها الطموحة بفصل الدين عن الدولة عبر تقديم نموذج تجديدي للإسلام بإعدام مفكرها محمود محمد طه قبل أسابيع من انتفاضة ١٩٨٥، وفي جنوب البلاد إنهار شعار “السودان الجديد” الموحد العلماني التعددي الذي يتسع لكل ثقافات السودان وقبائله ودياناته بسقوط مروحية العقيد جون قرنق في الأدغال التي لطالما قاد تمرده منها بعد أقل من شهر على نيله منصب نائب الرئيس الذي قاتله حتى قبل وصوله إلى السلطة، وتحولت الحركة الشعبية لتحرير السودان في عهد خلفه سلفاكير ميارديت من حركة تحرر وطني إلى حزب توتاليتاري متفرد بالسلطة تسيطر عليه قبيلة الدينكا وصار جنوب السودان مسخًا مستنسخًا من المستعمر السابق في الشمال.

فقدان حزب المؤتمر الوطني الحاكم لشرعيته والفراغ الذي أصاب خطابه الأيديولوجي مع سقوط “المشروع الحضاري” لم يجعل من النظام لقمة سائغة لمعارضيه، فأولئك تصدعت شرعيتهم هي الأخرى عندما تصدت “القيادات التاريخية” للأجيال الجديدة داخل الأحزاب في مجتمع يتسم بالـAgeism أو التمييز العُمري ضد الشباب.

دفع ذلك العديد من شباب الأحزاب الساخطين إلى تكوين أجسام سياسية توافقية غير أيديولوجية في حركات التغيير الاجتماعي: “التغيير الآن” و”قرفنا” إضافة لمنظمات المجتمع المدني التي فشلت بعد دعواتها للموجات الثورية الموؤودة في إسقاط النظام أو حتى نشر برامجها السياسية على نطاق واسع لتقديم بديل مقنع وخطوات عملية لتطبيقه.

تتردد دائمًا في مناشط المجتمع المدني السوداني كل تلك الشعارات الرائعة: النظام الديمقراطي، حرية الرأي والتعبير، فصل الدين عن الدولة، التعددية، حقوق الإنسان، حقوق المرأة…الخ. دون أن تتغلغل هذه الشعارات بين الطبقات الدنيا لمجتمع يبحث أكثر من نصفه عن لقمة العيش تحت خط الفقر. مع استمرار استهداف المدنيين العزل في دارفور وكردفان والنيل الأزرق من قبل آلة الحرب.

الفوضى عارمة في السودان بشكل مأساوي. تفككت أجهزة الدولة ومؤسساتها فيما احتفظ النظام بقوة قبضته الأمنية وآلته العسكرية وحدها. تكاد الخدمات تنتفي في الأرياف مع رداءتها في العاصمة التي نزح إليها أغلبية السكان. فيما لعب عمر البشير لعبته الخطيرة التي هشمت الثقة بين السودانيين.

تتمثل قدرة أي مجموعة بشرية على إدارة نفسها عندما تتوافق مصالحها وتجتمع لخلق سياسات مشتركة قائمة على عاملي السلم الأهلي والإيمان بضرورة العيش المشترك، وفيما استمرت السياسة السودانية في اللعب على وتر القبيلة. صار من غير المتوقع أن توافق النخبة الحاكمة من قبائل الجعليين والشوايقة والبديرية وغيرهم من المجموعات الناطقة بالعربية القبول بزعيم سياسي من الزغاوة أو النوبا أو الفولاني، فعندما تقسم السرديات الشعبية المجتمع إلى “عبيد” و”أولاد عرب” يصبح من المستحيل الحديث عن التعددية العرقية كمصدر قوة للمجتمع.

لا يمكن للسودانيين أن ينسوا عمليات الغياب الأمني التي صاحبت أعمال العنف من قبل الجنوبيين في الخرطوم والتي تلت اغتيال جون قرنق. كانت مخازن أسلحة الشرطة موصدة أمام الجنود وصار من المنطقي أن السودان لن يتوحد بعد ذلك اليوم عندما خرج الاقتتال بين الجنوبيين والشماليين من ساحات المعركة إلى شوارع الخرطوم.

الأمر نفسه في دارفور التي انهار فيها الوضع الأمني وتحولت كل قبيلة إلى مليشا مسلحة بحد ذاتها. وصار الكرت الرابح لعمر البشير هو “فرق تسد” والرهان على أن الشماليين لن يخرجوا بشكل حقيقي وحاسم ضد البشير خوفًا من سردية سيطرة الغرّابة -القادرين على ذلك ديموغرافيًا- إلى القصر، ولن يتوقع أحد أن يكون انتقال السلطة لشريحة إثنية جديدة سلميًا دون حمام دم.

على الجانب المؤسساتي يقف واقع عسكري يعزز من هذه الفرضية. في الثمانينيات كانت الحشود الخارجة إلى الشارع تواجه فقط جهازي الشرطة والقوات المسلحة. فيما كانت الحركة المتمردة الوحيدة بعيدًا في أدغال الجنوب. لم يعد الواقع كذلك في 2016. هناك ثلاث حركات مسلحة رئيسية في دارفور إضافة إلى عصابات النهب المسلح والجنود القبليين، والحركة الشعبية – قطاع الشمال تسيطر على منطقة حكم ذاتي في ولايتين حدوديتين.

لكن هذا هو العامل الأقل بساطة ففي المحصلة النهائية يمكن الاتفاق مع هذه الحركات المسلحة على هدف إسقاط النظام. إلا أن النظام نفسه لم يعد معتمدًا على قوات نظامية واحدة: القوات المسلحة التي تضم النخبة الحاكمة يصاب ضباطها بالتململ حيال انحسار نفوذها وقلة عتادها في مقابل جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى قوة نظامية لها سلاحها الخاص وصلاحياتها التي تفوق في بعض مناطق العمليات نفوذ الجيش السوداني نفسه.

أضف إلى ذلك المحاولة البائسة من عمر البشير لاستقطاب حلفائه من مليشيات الجنجويد سيئة السمعة، والتي لطالما كانت اليد المنفذة لعمليات التطهير العرقي في دارفور وتحويلها إلى مليشيات نظامية، تحت مسمى قوات الدعم السريع بقيادة أبرز رموز قبيلة الرزيقات محمد حميدتي.

تلك القوات التي ترقى في أفضل الأحوال إلى مرتبة العصابات الإجرامية، وإذا كان انفصال الجنوب ونهاية حقبة الجهاد المقدس قد مثلا نهاية لقوات الدفاع الشعبي -النموذج السوداني للحرس الثوري الإيراني- فإن مقاتليه السابقين من المحتفظين بشعارات الإسلام السياسي إضافة إلى ما تمثله الخرطوم من حاضنة فكرية لمعتنقي السلفية الجهادية يمثلون فزاعة لطالما أثيرت حولها الشائعات بوجود جناح محلي لتنظيم القاعدة، ولاحقًا داعش. في نظام ساهم بشكل أساسي في دعم حركة شباب المجاهدين الصومالية وبوكو حرام في نيجيريا.

اقرأ/ي أيضًا: السودان.. صلوات من أجل اللصوص

فيما يتعلق بمصير الرئيس البشير نفسه يمكن القول إنه في موضع لا يحسد عليه رغم استحواذه التام على السلطة. الانهيار المستمر للاقتصاد وتفشي الفساد يضعنا أمام صورة قاتمة للمستقبل. يوقن عمر البشير ذلك. في لقائه مع صحيفة الواشنطن بوست حكى لي زميلٌ كان يحضره كمترجم أن البشير رد بسخرية في هامش اللقاء على سؤال حول تراجعه عن قرار عدم ترشحه للرئاسة مجددًا في 2015 بالقول: “وهل هذه بلد يرغب أحد في أن يحكمها؟”.

البشير لا يرى أن ما حدث هو نتيجة للسياسات التي مارسها خلال حكمه الطويل، بل عيبًا خلقيًا في تكوين السودان. لكنه بالطبع لا يستطيع تخيل مصير أفضل له خارج مكتبه في القيادة العامة. مع شعبيته المتدنية داخليًا وخارجيًا وعدم ثقة المانحين الخليجيين فيه مع تاريخ طويل من التحالف مع إيران، والأهم تلك المذكرة الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي والتي رغمًا من فشلها مرارًا في إلقاء القبض عليه لمواجهة تهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في دارفور، إلا أنها تظل شبحًا قائمًا ما إن يفقد سلطاته كرئيس للجمهورية. الأمر الذي يمثل دافعًا أكبر لاستمراره في السلطة حتى آخر يوم في حياته.

مع كل هذا التعقيد الجيوسياسي والإرث الاجتماعي الثقيل الذي يضرب في مقتل كل آمال التحوّل السياسي عبر انتقال سلمي للسلطة؛ أشعر دائمًا بالدهشة من الخطاب المتفائل الذي يتمتع به الكثير من المعارضين السياسيين السودانيين في نضالهم المحموم ضد نظام المشير عمر البشير.

قد يتمكن السودانيون في وقت قريب من التخلص من دكتاتورهم، فهو لن يعيش لزمن أكثر مما عاشه، ولكن التركة الكارثية التي ستتبعه لا تدفع أبدًا إلى التفاؤل بل إلى مزيد من الكوارث مع الأسف الشديد.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (2-3)

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية قدم الموسيقار والمسرحي زياد الرحباني عبر إذاعة “صوت الشعب” فقرة في برنامجه الساخر “العقل زينة” نصح فيها الثوريين: “لتعمل ثورة عالنظام لازم أول شي يكون في نظام، أي نظام. إذا عملت ثورة عشي مش موجود كيف بتظبط معك؟”. ما أود طرحه عبر هذا المثال هو السؤال: هل يوجد نظام سياسي في السودان محكم السيطرة من نخبة معينة بالمعنى التقليدي؟ وكيف يبدو؟ فمن السهل القول بأننا معارضون للرئيس عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني، ولكن هل نمتلك القدرة على إزاحتهم، لا وبل إدارة البلاد بعدهم؟

عنون أستاذ الاقتصاد السياسي المصري الراحل سامر سليمان رسالته للدكتوراه بمعهد الدراسات السياسية في باريس بـ”النظام القوي والدولة الضعيفة”. حيث تمحوّرت أطروحته الرامية لتحليل أسباب الأزمة المالية لنظام حسني مبارك حول فشل مشاريع التنمية في عهده الذي استمر لثلاثة عقود عبر عرضه لمظاهر أساسية: زيادة الإنفاق من موازنة الدولة على أجهزة الأمن على حساب القوات المسلحة -التي كانت تمتلك مؤسسات اقتصادية قوية بالفعل- بغية السيطرة السياسية على الداخل بعد أن فقد النظام جزءًا كبيرًا من شرعيته مع استمرار فشله في إدارة الدين العام المتفاقم وعجز الموازنة طوال فترة بقائه الطويلة في السلطة.

وعجز النظام المصري عن شراء الولاءات الاجتماعية كأحد أهم أدوات السيطرة خصوصًا بعد إبعاد مراكز صناعة القرار القديمة لتتمحور الإدارة في شخص الرئيس وحده.

تمحورت أطروحة سامر سليمان في تمييزه بين مفهومي الدولة والنظام. ولخص الصحفي بجريدة الأهرام محمد سعد الفكرة في عرضه للكتاب بقوله: “النظام الذي يشكل المجموعة الحاكمة للدولة التي هي مجموع المؤسسات والروابط الاجتماعية عمل على تقوية نفسه على حساب التنظيم الأعم “الدولة” في كل خطوة لتدعيم حكمه، فكانت كل خطوة في طريق تدعيم النظام هي خطوة في طريق إضعاف الدولة وقدرتها التنظيمية”. ألا ينطبق هذا التحليل بصورة أو بأخرى على الوضع الحالي للسودان؟

تروقني المقارنة في التاريخ السياسي لكلٍ من مصر والسودان لأسباب موضوعية تتعدى التاريخ الاستعماري بينهما، فثمة العديد من السمات المشتركة بينهما رغم الفروق الواضحة بين النظامين: لا توجد حرب أهلية في مصر إضافة إلى تمتعها بوضع أمني ودفاعي مستقر بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وفيما لا تمثل الطائفية دورًا في السياسة المحلية لسيطرة الغالبية المسلمة على الدولة فإن مركزية الإدارة في القطاع الحضري وعراقة الحياة المدنية المصرية جعلت من العشائرية عنصرًا هامشيًا في السياسة المصرية إلا فيما يتعلق بالانتخابات النيابية في مناطق الصعيد وسيناء.

الدولة السودانية مركزية أيضًا لكنها وعلى عكس الوضع في مصر واقعة تحت سيطرة مجموعات عرقية/قبائل محددة، تسكن القطاع الأوسط من حوض النيل ولا تمتلك لغاتها المحلية الخاصة. ما عزز من اشتعال حروب الموارد والهوية في بلد يتمتع رغم قلة تعداده السكاني بتنوع هائل في اللغات والإثنيات، فاستبدلت العنصرية والقبلية بالطائفية دون أن تختفي هذه الأخيرة تمامًا مع تشكيل العروبة والإسلام بوصفهما “الثقافة القائدة -LeitKultur” إذا ما صحت الترجمة عن الألمانية.

المقارنة الأثيرة لدي تعود لانتفاضة ٢٠١١. كان العديد من أصدقائي المصريين -غير المطلعين لما هو أبعد من ضاحية حلوان- يندهشون عندما أرد على سخريتهم المتسائلة عن عدم انضمام السودان للربيع العربي بالقول إن ربيعنا ازدهر وانحسر في الثمانينيات، وكان السيناريو متشابهًا لدرجة تدعو إلى الرثاء: يكرر الرئيس جعفر نميري المناورة البائسة لنظيره المصري أنور السادات بالتقرب إلى الإسلاميين والتحالف معهم، لكنه بدلًا من أن يكتفي بإضافة المادة الثانية إلى الدستور المصري التي تقر بأن الإسلام دين الدولة، يذهب بعيدًا باحتواء الإخوان المسلمين في الاتحاد الاشتراكي -أحد النماذج المصرية المكررة في السودان من تركة الناصرية- ويخاطر نميري بانهيار اتفاق أديس أبابا للسلام عبر تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، منهيًا الحكم الذاتي للجنوب، ومعيدًا بذلك إشعال الحرب الأهلية.

في مصر اغتال الإسلاميون السادات واندلعت “الحرب على الإرهاب”. في السودان اختلف نميري مع الإخوان المسلمين ولكن دون أن يعود عن قرار الحرب في الجنوب. ينهار الاقتصاد وهنا تبدأ المقارنة بين السودان ١٩٨٥ ومصر ٢٠١١:

– تندلع المظاهرات وتضرب النقابات وتتوحد الأحزاب في سبيل إسقاط النظام.
– الجيش يتدخل في السادس من أبريل ١٩٨٦وينقلب المشير سوار الذهب على رئيسه ليدير المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفترة الانتقالية.
– بعد عام يكتسح الإسلاميون الانتخابات النيابية ويشكلون حكومة ائتلاف مع أحزاب اليمين الأخرى ويهمش اليسار الذي قاد الانتفاضة دون أن يجني ثمارها.
– يتردى الوضع السياسي وتفشل الأحزاب في تشكيل حكومة توافقية مستقرة فينقلب الجيش مجددًا على الحكومة المنتخبة.

إلا أن ثمة فارق جوهري في الفقرة الأخيرة يجعل من المقارنة بين انقلاب عمر البشير في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ وانقلاب عبدالفتاح السيسي بعد مظاهرات ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مختلة بدرجة ما، فعلى عكس ما حدث في مصر عندما اصطفت القوى المدنية ورأس المال مع المؤسسة العسكرية ضد جماعة الإخوان المسلمين. كان تنظيم الجبهة الإسلامية القومية -المنشق عن التنظيم الدولي للإخوان- هو من اختار العميد عمر البشير للقيام بما سمي بعد ذلك بـ”ثورة الإنقاذ الوطني”. في مزاوجة نادرة لم تتحقق لا في مصر ولا في الجزائر قبلها بين المؤسسة العسكرية وتنظيم الإسلام السياسي.

الأمر الذي قد يفرز وهمًا بأن الصراع ضد الإسلاميين والعسكر في السودان هو ضد كيّان متحد على عكس الواقع المصري. فقد أدت سياسة التمكين إلى تطهير كامل مؤسسات الدولة من التكنوقراط والبيروقراطيين غير الإسلاميين فيما سمي بالفصل للصالح العام. كان الأمر أقرب لنموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية خصوصًا مع سيطرة عرّاب النظام الشيخ حسن الترابي على صناعة القرار ليصبح المُقابل السوداني للخميني. استمرت الحرب في الجنوب واتخذت طابعًا دينيًا جهاديًا، وأصبحت الخرطوم محطة للتنظيمات الإرهابية الدولية من أسامة بن لادن وحتى كارلوس.

ولكن هل ظل النظام الذي ترأسه البشير عبر انقلابه عام ١٩٨٩ بغطاء أيديولوجي من الجبهة الإسلامية القومية بوصفه ثورة الإنقاذ الوطني هو نفسه النظام الذي يحكمه حزب المؤتمر الوطني الآن بعد انتهاء اتفاقية السلام الشامل باستقلال جنوب السودان؟

قد يكون الرئيس هو نفسه. لكن البلاد شهدت العديد من التحولات خلال فترة حكمه لستة وعشرين عامًا. انقلب خلالها على عرّابه حسن الترابي في ١٩٩٩ ووضعه تحت الإقامة الجبرية. انشقتْ الحركة الإسلامية بين حزب المؤتمر الشعبي المعارض وحزب المؤتمر الوطني الحاكم وتواجد الإسلاميون في السلطة والمعارضة. فيما زاد نفوذ الجنرالات الذين وإن كانوا يرددون نفس الشعارات إلا أن ولاءهم كان للقائد الأعلى للقوات المسلحة لا للشيخ الترابي.

لقد ضُربت شرعية النظام في مقتل رغم احتفاظه بنفس خطابه الأيديولوجي. أخذ مزيج العروبة والإسلام طابعًا محوريًا في أكبر بلد إفريقي، وفي الوقت الذي كانت تخمد فيه الإدارة الأمريكية حرب الجنوب ممهدة لانفصاله اندلع الصراع العرقي في دارفور كناتج لسياسات الحكومة الإقصائية. توقيع اتفاقية السلام كان الرصاصة الأخيرة في جسد الحرب المقدسة وأدبيات الجهاد ضد الخوارج التي لطالما كانت معين النظام للحفاظ على شرعيته، وبعد عدة انشقاقات ومحاولات انقلابية فاشلة وحملات لتصفية النظام من كل مراكز القوى انتهى عصر الأيديولوجيا والحزب والتنظيم وصارت كل مقاليد الأمور في شخص المشير عمر البشير. الفرد الواحد الصمد.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

الزموا بيوتكم: خمسة عوامل جديدة في العصيان المدني السوداني

ثمة فكرة شائعة يعرفها مرتادو النوادي الرياضية بـ«التدرج في التحميل»، وهي إحدى المبادئ الأساسية في فسيولوجيا الجهد البدني Exercise Physiology والتي تقضي بأن يتدرج الرياضي في تمريناته على زيادة الأثقال على فترات زمنية متتابعة، مما يعطي فرصة لعضلاته للتكيّف الوظيفي، كي يعتاد الجسم على التدريب ويصبح أقدر على حمل أثقال أكبر. هذا المبدأ مستخدم على نحو ما في الاقتصاد، حيث تقرر الحكومات في فترات الانهيار الاقتصادي سحب يدها من السوق عبر رفع الدعم عن السلع الاستهلاكية تدريجيًا وتقليص دور القطاع العام عبر سياسات الخصخصة حتى يجد المواطن نفسه وحيدًا في مواجهة وحش الأسعار المرتفعة، في الوقت الذي يتوقف فيه الدخل عن النمو أمام هذا الوحش المستفحل.

في اجتماعه مطلع نوفمبر الماضي صادق مجلس الوزراء السوداني على «حزمة السياسات الاقتصادية»، وهو المصطلح المنمق الذي يخفي مباشرة القول الصريح: خفض سعر العملة الوطنية وزيادة أسعار الكهرباء والمحروقات. الصدمة التي أحدثتها هذه الحزمة الجديدة المتكررة جاءت عبر ادعاء الحكومة بتعويم الجنيه السوداني. في الواقع فإن ما رمت إليه هذه الحزمة هو تقليل الفارق بين السعر الرسمي في بنك السودان المركزي للجنيه مقابل الدولار وبين سعره الفعلي في السوق السوداء، وهو ١٨ جنيهًا تقريبًا، الأمر الذي مثل قفزة صادمة، خصوصًا أن سعر الدولار في السوق البديلة يصل إلى ضعف مثيله في السوق الرسمي، ما جعل أسعار السلع تقفز إلى ١٠٠٪ في أفضل الأحوال.

ومع ميزان تجاري مختل وسوق تستورد غالبية السلع، خصوصًا الأساسية منها كالأدوية، أدت هذه السياسة إلى كارثة ليست اقتصادية فقط بل صحية أيضًا، وقعت بعد فترة وجيزة من تعليق نقابة الأطباء لإضرابها الذي حقق بعض مطالبه بعد أن صار الأطباء عرضة للاشتباك مع المرضى وذويهم الذين يصلون دائمًا إلى مستشفيات خالية من المواد الطبية والأدوية.

لم يحقق الإضراب أي تغييرات جذرية في سياسات وزارة الصحة الرامية إلى خصخصة المستشفيات العامة، في بلد يمتلك وزير الصحة لعاصمتها مجموعة من المستشفيات والكليات الخاصة، في تضارب واضح للمصالح يعطي صورة عن مدى الفساد المستشري في الدولة، وتمارَس السياسات فيه بشكل عشوائي، فعندما تشيع الأنباء عن انتشار الكوليرا في شرق البلاد تمتنع وزارة الصحة عن الاعتراف بانتشار الوباء، فيما تقوم الأجهزة الأمنية بمصادرة رواية جابرييل جارثيا ماركيز «الحب في زمن الكوليرا»، من معرض الخرطوم للكتاب لحيلولة دون انتشار هذه «الشائعة»!

في الحالات السابقة كانت المعارضة السياسية تلجأ إلى الوسائل التقليدية التي اعتادها النظام وطوّر أدوات قمعها منذ وصول الجبهة الإسلامية للسلطة عبر انقلاب عسكري في ١٩٨٩؛ الاعتصامات، الإضرابات، الوقفات السلمية، التظاهرات الاحتجاجية، والمخاطبات الجماهيرية في الجامعات والأماكن العامة، أو عبر الوسائل العسكرية، مثل المحاولات الانقلابية والتمرد العسكري لقطاعات في الجيش أو المليشيات في جنوب وغرب البلاد، وهو ما كانت تتبعه حملة من الاعتقالات في صفوف النقابيين والسياسيين في أحزاب المعارضة والناشطين المدنيين أو القصف الجوي وحرق القرى في مناطق النزاع.

هذه المرة كان جهاز الأمن والمخابرات الوطني الجهاز السيادي والتنفيذي في آن واحد معًا جاهزًا بشكل مسبق قبل إعلان مجلس الوزراء، وقام بحملة متوقعة من الاعتقالات لناشطين معروفين سبق له اعتقالهم في مناسبات سابقة. لكن المفاجأة التي وقعت أفشلت الحملة الأمنية الاستباقية، فبدلًا من الاحتجاج المباشر قرر السودانيون إخلاء العاصمة، وبدلًا من تكرر سيناريو سبتمبر ٢٠١٣ حين خرج الآلاف من الشباب للتظاهر في الشوارع ضد إعلان الحكومة لرفع الدعم عن السلع الأساسية، وهي الحملة التي وُئدت بعد مقتل أكثر من ٢٠٠ متظاهر في شوارع الخرطوم، قرر سكان الخرطوم عدم الخروج من بيوتهم.

العصيان المدني الذي استمر من ٢٦ وحتى ٢٨ نوفمبر مثّل نقطة تحول في الحراك الاجتماعي ضد السلطة الحاكمة في السودان. حيث استخدم المشاركون أدوات جديدة ومختلفة تبدت فيها الكثير من علامات النضج التي افتقدت إليها الموجات الاحتجاجية السابقة منذ انتخابات ٢٠١٠، التي سبقت استفتاء انفصال الجنوب واحتفاظ عمر البشير بالسلطة، مرورًا بالمحاولات الفاشلة للشباب السوداني لمواكبة الربيع العربي في ٢٠١١ و٢٠١٢، وبالطبع انتفاضة سبتمبر ٢٠١٣ التي كانت الأكبر والأكثر دموية، فما الذي تغير في نوفمبر ٢٠١٦؟

١الدعوة: من أنتم؟

خلال محادثة مع والدي في أول أيام العصيان سألني بريبة: «من دعا للعصيان؟ زمان كانت النقابات والأحزاب ولكن هذه المرة الجهة الداعية غير معروفة». والدي نموذج للشيوعي السوداني التقليدي، المرتاب دومًا من كل من هو ليس عضوًا في الحزب. في وسط سياسي تشيع فيه نظريات المؤامرة والتخوين واتهام الخصوم السياسيين بالأمنجية والتحالف مع النظام، لم يستطع الكثيرون من جيل والديّ تحديد مصدر الدعوة للعصيان، وبالتالي لم يكوّنوا رأيًا واضحًا تجاهه، فالدعوة إليه كُتبت ونُشرت عبر موقع فيسبوك وتوزعتْ في شقيقه الأصغر الأثير لدى السودانيين: واتسآب.

لم تكن الدعوة صادرة عن أحزب المعارضة التقليدية ولا الحركات المسلحة بكل تجسيداتها ومجسماتها العديدة؛ قوى الإجماع الوطني، نداء السودان، الجبهة الثورية، الفجر الجديد…إلخ. لم يكن هنالك أي عنوان أو اسم أو شعار صيغ بشكل أدبي ليحمل في خطابه النخبوي مدلولًا سياسيًا وطنيًا. كل ما هنالك كان وسم [هاش تاج] من النوع الذي دُرج على استخدامه في موقع تويتر واستعير لاحقًا في فيسبوك لتوحيد وربط المنشورات المتعلقة بالموضوع «#العصيان_المدني_السوداني_27_نوفمبر».

لم يكن هذا الأمر جديدًا، فقد كانت حركات التغيير الاجتماعي السلمية غير الأيديولوجية من قبيل «التغيير الآن»، و«قرفنا»، هي المنوط بها القيام بذلك في السنوات الست الماضية. حيث أسهمت بشكل فاعل في خلق زخم مواكب للتطورات السياسية، باستقطاب العديد من السياسيين الأصغر سنًا من مختلف الانتماءات والطلاب للانخراط في العمل الجماهيري بعيدًا عن منظومة المعارضة التقليدية غير المتاحة لهم من جيل «القيادات التاريخية» في الأحزاب. لكن الجديد هنا هو أن هؤلاء أيضًا لم يكونوا من الداعين. لكن ولخبرتهم في الوسائل الجديدة، فقد انضموا للدعوة إلى الحشد وانساقوا مع التيار دون السقوط في مهاترات من قبيل «من صاحب الدعوة الأولى للعصيان؟» فالإنترنت بقدرته الواسعة على الانتشار مثّل الوسيط الأمثل لهذا الحراك المتسم بالأناركية والمفتقد تمامًا لمركزية القرار.

٢المطالب: لا شيء!

انتفاء المركزية في الحشد للعصيان كان عيبًا وميزة في الوقت ذاته. العيب هو غياب مصدر ذي أهلية في العمل السياسي يمتلك قدرًا من المصداقية للاستقطاب، وقادر على تنظيم هذا الحشد عبر جسم موّحد يتألف من شبكة من الأعضاء مخوّلة بتنفيذ قرارات محددة لتحقيق أهداف العمل التنظيمي. أما الميزة فهي أن غياب كل هذه العوامل التنظيمية شكل مانعًا أمام أجهزة الأمن من الإمساك بالمحركين الفعليين لهذه الموجة، التي كانت في لا مركزيتها أقرب لشبح ضبابي لا يمكن الإمساك به، شيء أقرب لهيكلية التنظيمات الإرهابية.

في الموجات الاحتجاجية السابقة كانت استراتيجية جهاز الأمن منصبة على توسيع دائرة اعتقالات الناشطين المعروفين، أو أولئك المحركين للتظاهرات في الأحياء، وبعد أن تمتلئ السجون بالناشطين يتوقف الدينامو المنظم للتظاهرات، فتفقد فعاليتها وتهتز ثقة المحتجين في قدراتهم عبر وسائل التعذيب والإرهاب الممارسة مع المعتقلين، فتفقد الموجة زخمها وتتوقف المظاهرات تدريجيًا، وبعد أشهر من انتهاء الموجة يفرج النظام عن المعتقلين بدون أحكام قضائية كون عمل جهاز الأمن والمخابرات يقع خارج دائرة النظام القضائي ليصبحوا مجموعة من الشباب المنهكين نفسيًا وجسديًا من أثر التعذيب والاعتقال، وغير مؤهلين للعمل بفعالية في الموجات اللاحقة ومصابين بالإحباط الكامل من فشل قيام الثورة.

في العصيان المدني لم يكن لهؤلاء الناشطين وجود فعلي. ظهر بعضهم لاحقًا في صور وفيديوهات مسجلة، وهم يحشدون الناس عبر مخاطبات في المواصلات العامة. لكن اعتقال بعضهم لم يشكل ضربة لموجة الاحتجاج، لأن الأمر ببساطة لم يكن دعوةً للخروج في مظاهرات، بل على العكس كان دعوة لعدم القيام بشيء سوى البقاء بالمنزل وعدم الخروج للعمل أو الدراسة، ومع وجود شريحة هائلة من الخريجين والعاطلين عن العمل، كانت الدعوة للقيام بعمل مماثل أمرًا سهل الحدوث. على الجانب الآخر لم تنتشر بيانات كثيرة من مجموعات سياسية محددة تضع خارطة لما يجب القيام به. منشورات وصور عبر فيسبوك بشعار واحد بسيط: «العصيان المدني ٢٧ نوفمبر»، بمطلب واحد محدد، وهو البقاء في البيت لثلاثة أيام فقط. لا وجود لنداءات باستقالة الحكومة أو إسقاط النظام. بل القيام بعمل سلبي يبرز مدى السخط والسأم لدى الحشود التي حققت انتصارها، لا باصطفافها والخروج إلى الشارع بل على العكس، بغيابها.

٣المشاركة الواسعة

بدأ العصيان المدني يوم الأحد، أول أيام الأسبوع المتسم دائماً بالازدحام المروري في مدن العاصمة الثلاث؛ الخرطوم، بحري، أم درمان. اختفى الاكتظاظ المعتاد في مواقف الحافلات والميادين الرئيسية، وسارت الحافلات بمقاعد فارغة على غير العادة في الشوارع، في حين خلت الطرقات من المارة وانحسرت حركة المرور إلى النصف. انتشرت الصور لشوارع الخرطوم الرئيسية وهي خالية أو خفيفة الحركة؛ شارع الجمهورية، شارع الجامعة، والسوق العربي في المركز التجاري للمدينة حيث تنتشر المقرات الحكومية والوزارات، وارتفعت نسبة الغياب في المدارس والجامعات لنسب تسببت في توقف العمل في تلك المؤسسات. إضافة إلى إغلاق المحلات والمتاجر لأبوابها. هذه المشاركة الواسعة أربكت أجهزة الدولة وحققت الغرض الأساسي للعصيان المدني، تأكيد حالة السخط العام من أداء الحكومة.

أسهم عاملان أساسيان في نجاح هذا الاختراق؛ الأول هو ضآلة نسبة الخطر في عمليات العصيان، فالخروج إلى المظاهرات يحتاج إلى مقدار كبير من الشجاعة مقارنة بالمخاطر المحتملة، مثل الاعتقال، الإصابات الناتجة عن الاشتباك مع الشرطة، أو حتى الموت بالرصاص الحي، وهي أمور متكررة في كل الموجات السابقة. انخفضت الخطورة هذه المرة لتتقلص إلى خسائر معقولة تتلخص في العقاب الإداري الذي يصحب الغياب عن العمل أو الخسارة التجارية الناجمة في كل الأحوال جراء الكساد، فبالنسبة إلى مواطن غير قادر على تحمّل أجرة المواصلات الزائدة أو البنزين مع العجز التام عن شراء الأدوية في بلد يعج بالمرضى من مختلف الأوبئة والأمراض المزمنة، يجد المواطن نفسه في وضع «ليس لديّ ما أخسره».

العامل الثاني هو انتفاء الخبرة لدى قطاع واسع من المواطنين حول ماهية العصيان المدني، فآخر ثورتين حققتا نتائج ناجحة بإسقاط النظام العسكري في السودان كانتا في الستينات والثمانينات. أي أننا هنا أمام أجيال جديدة لم يسبق لها القيام بعمل مماثل. خصوصًا أن كل الذاكرة الجمعية لسودانيي الخرطوم تتلخص في المظاهرات والإضرابات، فعندما اتصلتُ بخالتي في صباح أول أيام الاعتصام سألتها عما فعلته مع ابنتيها اللتين تدرسان في المرحلة الابتدائية، فأجابتني بارتياح أنها غيّبتهما عن المدرسة لخوفها من «الاعتصام». هذه السلبية التي تتسم بها الأمهات غالبًا في المشاركة السياسية، والناجمة عن الخوف على حياة الأبناء، كانت عاملًا غير مقصود في نجاح العصيان المدني القائم أساسًا على فكرة العمل السلبي: لا تخرج من البيت!

٤الأصالة والتجديد: لايف دا شنو؟

ما قالته خالتي في الهاتف لم يكن اعتقادًا مقتصرًا على ربات المنازل، وإنما تجاوزهن إلى الكثير من رجال الأمن الذين لم يكونوا أيضًا على دراية بمفهوم العصيان المدني. في إحدى صفحات حركة «قرفنا» نشر أحد مناصري النظام صورة لجنود بالزي العسكري وهم يحفرون قبورًا في إحدى المقابر مع نصيحة «إلى كل أم سودانية» تُهدَّد فيها الأمهات بأنهن إن لم يقمن بمنع أبناءهن من المشاركة في «العصيان» الذي تقف خلفه الحركة الشعبية الحركة المسلحة الأكبر التي تقاتل النظام في غرب وجنوب شرق البلاد فإن المقابر جاهزة لجثث أبنائهن. على صفاقة هذا التهديد ووحشيته إلا أن جانبًا مضحكًا تمثل في عجز قطاع كبير من المنتسبين للنظام عن فهم ماهية العصيان المدني، وبالتالي اكتسب الحراك الجماهيري نقطة تفوق، بامتلاكه أداة جديدة ومفاجئة لكل استعدادات النظام اللوجستية، وفي مشهد بائس وقفت عشرات السيارات المصفحة وناقلات الجند في شوارع فارغة من المارة لا تجد من تعتقله أو تطارده.

هذا التجديد كان نتيجة لدخول جيل جديد من الشباب الساخطين على الوضع العام، ممن نشأوا بعد طفرة وسائل الاتصال الحديثة وتعاملوا مع المكتسبات التكنولوجية لثورة المعلوماتية والوسائط المتعددة بوصفها من البديهيات المسلم بها، وهو الجيل نفسه الذي طالما اتُهم بافتقاره للوعي السياسي، لنشأته بينما كان النظام الحالي قد وصل بالفعل إلى السلطة، وبالتالي تربى وحصل على التعليم في مناهج وضعها النظام، متعرضًا بشكل كامل لكل بروباجاندا الإسلام السياسي التي تحّرم الخروج على الحاكم.

حطّمت فعالية مواليد التسعينات والألفينيات الصورة النمطية لجيل «ثورة الإنقاذ» الذي لم يعاصر أي رئيس للسودان غير عمر البشير، وأزاح بهذا قطاعًا كبيرًا من جيل الثمانينات الذي شكل النواة الأساسية لكل الموجات الاحتجاجية السابقة ممن اكتسبوا شيئاً من الميراث الثوري والنوستالجيا لجيل انتفاضة أبريل ١٩٨٥ التي أسقطت نظام الرئيس جعفر نميري، واتسم كثيرٌ منهم بخلل محوري في الموجات التي تلت العام ٢٠١٠، تمثل في الانجرار وراء «سلسلة أحجار الدومينو المتساقطة» التي اتسم بها الربيع العربي على مستوى التكتيكات والأدبيات. يُسقط التونسيون بن علي في يناير ويخرج المصريون في الخامس والعشرين من الشهر نفسه فتنطلق الدعوات في الخرطوم في اليوم الثلاثين.

حجمت هذه المحاكاة التي سهلتها وسائل التواصل الاجتماعي الخارقة للحدود من قدرة الشباب السوداني بشكل ما على استخدام الخيال الخاص بهم، ووضعتهم في صورة المقلدين لدول الجوار العربي، وكأنما افتقد السودان لأسبابه الموضوعية للانتفاضة ضد نظام يسيطر على مقدرات البلاد ويشعل الحرب الأهلية فيها لثلاثة عقود. على العكس هذه المرة، انطلقت دعوات مماثلة في مصر بعد نجاح العصيان السوداني، ومثّل السودانيون نموذجًا يحتذى به لأول مرة منذ الثمانينات.

هذا الخيال هو نفسه ما افتقده النظام، ففي أحد الفيديوهات المنتشرة قام طالب سوداني من أبناء المغتربين يدعى محمود صادق بتسجيل فيديو حيّ عبر تطبيق فيسبوك بينما كان يسير أمام جامعة العلوم الطبية المملوكة لوزير الصحة بولاية الخرطوم د. مأمون حميدة وأوقفته سيارة لرجال أمن في الزي المدني وطاردوه أثناء التسجيل. ظهر أحد هؤلاء الجنود لأقل من ثانيتين وهو يسأل الطالب المنفعل: ماذا تفعل؟ فأجابه بالعربية التي لم يكن يتحدث بها في أول الفيديو: ده لايف! فسأله رجل الأمن قبل أن ينتهي الفيديو بالقبض على محمود: لايف دا شنو؟!

٥ العامل النسائي: مهيرة

العامل الأخطر بالنسبة لي في هذا العصيان المدني والأكثر خرقًا للمألوف كان المشاركة الأنثوية الفاعلة والواسعة بشكل فاق المشاركة الذكورية المعتادة. لم يتمثل ذلك فقط في المشاركة بالعصيان ولكن في الدعوة إليه، فوجود المرأة في العمل العام ليس بالأمر الجديد في السودان الذي كان رائدًا في تعليم البنات منذ أوائل القرن العشرين، وكانت المرأة فيه شريكًا أساسيًا في المطالبة بالاستقلال عن بريطانيا ومصر في الخمسينات، وتواجدت عبر الحقب السياسية المختلفة خصوصًا في اليسار عبر الاتحاد النسائي بقيادة الناشطة الشيوعية فاطمة أحمد إبراهيم ضد الأنظمة العسكرية المتلاحقة. لكن العمل النسوي انحسر في السنوات الأخيرة مع عملية النكوص المجتمعي عبر الذكورية التي تتسم بها الأنظمة الإسلامية للنضال فقط في قطاع حقوق المرأة. بحيث نشطت النسويات أكثر في الأحداث التي مست المرأة بالذات، كحادثة اغتصاب أفراد من الأجهزة الأمنية للفنانة التشكيلية صفية اسحق، فيما انتشرت مبادرات مثل «لا لقهر النساء» المناهضة بالأساس لقانون النظام العام سيء الصيت، والذي يضم في طياته قيودًا غير محددة على زي المرأة المحتشم، ويفرض الحجاب في الأماكن العامة، خصوصًا في القضية المشهورة بـ«محاكمة البنطلون» والتي انطلقت بعد اعتقال الصحفية لبنى أحمد حسين من قبل الشرطة لارتداءها بنطلونًا قماشيًا واسعًا أثناء وجودها في مطعم.

هذه المرة كان النشاط الأنثوي كبيرًا في قضية غير مطلبية بل شاملة، ولكن حتى الدعوة كانت من أجسام من خارج منظمات المجتمع المدني النسوية، بل من موقع فيسبوك. حيث انتشرت في الآونة الأخيرة مجموعات مغلقة تضم عضوات بأعداد كبيرة متخصصة في مواضيع اجتماعية ونسائية بحتة، كمجموعة «مهيرة» المتسمة بقدر من الخطاب السياسي والمجتمعي.

ولكن النشاط الأبرز في هذا العصيان جاء من مجموعة «فسخ وجلخ» التي يشير اسمها إلى عمليات تبيض البشرة عبر مستحضرات التجميل، إحدى أكثر الظواهر انتشارًا لدى المرأة السودانية التي تعيش في مجتمع يرى في البشرة البيضاء وحدها مؤشرًا للجمال. لم يكن هنالك أي سبب منطقي يدفع المرء للتوقع بأن مجموعة تواصل اجتماعي، تهدف لاستعراض أحدث صرعات الموضة والتباهي بالكريمات المبيّضة للبشرة ومستحضرات التجميل ومقتصرة فقط على النساء، قد تمتلك أداة للحشد السياسي. هذا العامل كان العدد، فعضوات هذه المجموعة وحدها من النساء السودانيات فقن المائتين ألف امرأة من مختلف الأعمار، وهو عدد نادر في وسائل التواصل الاجتماعي السودانية، بالنسبة لمجموعة سرية واحدة، فما أن أعلنت الحكومة عن رفع زيادة الأسعار وخفض قيمة الجنيه والتأثير الفادح لذلك على أسعار الأدوية حتى انتشر الإعلان عن العصيان المدني عبر هذه المجموعات المهتمة بالكماليات، في انقلاب تام على أدوات العمل الجماهيري في مواقع التواصل الاجتماعي.

لم يقتصر الأمر في ذلك على الدعوة، فالجيل الجديد الذي أشرت إليه في النقطة السابقة لم يكتف بالدعوة إلى العصيان، وإنما خرجت في يوم الخميس السابق لأسبوع الاعتصام عشرات الطالبات من المرحلة الثانوية والمرحلة الأساسية في شارع المدارس بالخرطوم بحري في تظاهرات مباغتة وضعت الشرطة في موقف حرج أمام محتجات، لسن فقط من الإناث بل من الأحداث ممن هن دون السن القانونية. وهو ما طرح العديد من التساؤلات عن أخلاقية الحشد بين صغيرات السن، وتعريضهن لخطر الاصطدام مع الشرطة، رغم أن هذه التظاهرات كانت عفوية تمامًا ولم تجر الدعوة إليها من أي فصيل مدني، وحتى عندما خرجت مسيرة سلمية في أم درمان خلال أيام العصيان المدني كانت كل المعتقلات من الناشطات.

استمر الاختراق خلال العصيان المدني، فبعد أنباء اعتقال الطالب محمد صادق الذي ساعده خيار النشر التلقائي للفيدوهات الحية، استطاعت بعض مستخدمات فيسبوك التعرف على ضابط الأمن مرتضى باشري والحصول على عنوانه من لقطة screen shot للفيديو المنشور أثناء اعتقاله، وذلك عبر مجموعة “منبرشات” والتي كانت أيضًا إحدى وسائل الحشد النسائي، وهي للمفارقة مجموعة ينحسر نشاطها في النميمة وإنزال المشتركات لصور رجال يرغبن في التعرف على هويتهن أو التشهير بهن لقيامهم بالتحرش الجنسي.

خلاصة:

يمكن الجزم وبعد انتهاء أيام الاعتصام المدني الثلاثة، بأنه وعلى الرغم من عدم تحقيق الاعتصام لأي مطالب جذرية تغير من قرارات الحكومة، إلا أنه استطاع إعادة ثقة المجتمع المدني في نفسه وإعادة الاعتبار لما يمكن أن تحققه الجماهير المناهضة للسلطة الحاكمة في السودان بعد سلسلة من الموجات الاحتجاجية الموؤودة، التي لطالما عززت ثقة النظام في أدواته ودفعت صانعي القرار فيه إلى الاستمرار في نفس السياسات التي تقع عواقبها على المواطن السوداني وحده.

لم يسقط النظام، ولم تستقل الحكومة. لكن الحراك المجتمعي في السودان انتصر في جولة أعادت الاعتبار إلى فعالية الحشد الجماهيري الفعّال، ما أدى إلى انطلاق الدعوة مجددًا للعصيان المدني في ١٩ ديسمبر المقبل ذكرى إعلان استقلال السودان من داخل البرلمان عام ١٩٥٥ مع تعدد مجموعات التنسيق للعصيان في وسائل التواصل وانتشار ظاهرة الدعوة للعصيان في التاريخ المحدد عبر الكتابة في أوراق العملة. ليحقق العصيان المدني بذلك مكسبًا في مسيرة التراكم وتحقيق الزخم المنشود لأي انتفاضة شعبية مقبلة لا ندري بعد كيف سيطور النظام آلياتٍ جديدة لمجابهتها وما سيسفر عنه ذلك في المستقبل القريب.


نشرت المقالة الأصلية في مدى مصر

صورة المقال من أعمال المصمم السوداني عمار حجر

السودان : وماذا بعد العصيان المدني؟ (1- 3)

شوارع السودان خالية أثناء أيام العصيان المدني (فيس بوك)

ثمة سؤال شائع يتكرر دائمًا خلال صعود الموجات الاحتجاجية ضد الأنظمة الشمولية: “من هو البديل؟”. لهذا السؤال مشروعية حقيقة تكمن في إدعاءه لرغبة الوصول إلى حل. لكن امتلاكه لتلك النبرة المحافظة في الخطاب وتشكيكه في كفاءة الطبقة السياسية بأسرها يجعله دائمًا عرضةً لنقد اليسار الراديكالي الذي لا يقدم إجابة واضحة إزاءه، مكتفيًا برفض السؤال من الأساس واتهام سائله بعدم امتلاك الخيال.

عندما كان لا يزال مُغنيًا للراب، طرح الناشط والمصوّر السوداني أحمد محمود سؤالًا “بديلًا” في إحدى أشهر أغانيه السياسية المتسمة بالمباشرة: “ما تسألني البديل منو. أسألني البديل شنو؟”. مقدمًا نموذج للإجابة: “البديل إنه تقوم ثورة. سلمية. تحقق لينا حرية مساواة وعدالة اجتماعية”.

ولكن كيف لذلك أن يتحقق بخطوات عملية على أرض الواقع؟ خصوصًا مع وضع السودان المتأزم اقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا. حلل وناقش!

صادق مجلس الوزراء السوداني في الثالث من تشرين الأول/نوفمبر الماضي على “حزمة السياسات الاقتصادية”، وهي الشفرة المنمقة التي تعني موجة جديدة من غلاء الأسعار. صاحبها تقليص لفارق الضعف بين سعر الدولار الأمريكي في البنك وسعره في السوق السوداء مقابل الجنيه السوداني المنهار.

اقرأ/ي أيضًا: رؤية عن العلاقات العربية القرن أفريقية

انتشرتْ حالة من الوجوم أو ما يوصف في الصحافة بـ”الهدوء الحذر” وشرع العديد من المعلقين في التوقع بأن شيئًا ما سيحدث، وغالى البعض في التوهم بأن الجيش سوف يتحرك. كان ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والأدوية كارثيًا في اقتصاد ريعي منهار يستشري فيه الفساد، وخسر قرابة 90% من موارده النفطية بعد استقلال جنوب البلاد دون تنويع مصادر الدخل في فترة الازدهار المؤقت لعملية السلام الانتقالية، وفي اقتصاد محاصر بعقوبات أمريكية لرعايته للإرهاب منذ التسعينات كان إصدار قرار كهذا أمرًا أشبه بالقنبلة.

قنبلة ألقتها الحكومة واختبأت لتراقب حجم الخسائر. حتى أن الرئيس عمر البشير غاب عن البلاد بين المغرب وغينيا الإستوائية والإمارات العربية المتحدة، كأنما يتهرب من المواجهة وهو الرئيس الذي لطالما كانت تحف تنقلاته الحذر منذ صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية الفاشل، ولأن قرارات زيادة الأسعار كانت سياسة معتادة وغالبًا ما تتلوها موجة من الاحتجاجات الشعبية، استعدت الأجهزة الأمنية للأمر وباشرت حملة اعتقالات طالت عددًا من السياسيين والناشطين المعروفين. لكن المفاجأة جاءت من خارج الأطر المعهودة.

انطلق العصيان المدني في 27 تشرين الأول/نوفمبر الماضي بعد أن دُعي إليه في تطبيقات التواصل الاجتماعي ردًا على قرار الحكومة. في اليوم الثاني له طرحتُ هذا السؤال على أصدقائي في صفحتي الخاصة بفي سبوك: وماذا بعد أيام العصيان الثلاثة؟ كان تساؤلي نابعًا من يقين بأن هذه الخطوة وحدها لم تكن كفيلة بتحقيق التغيير المنشود، وإثناء الحكومة عن قراراتها التي حاولتْ التخفيف من حدتها بوعد من وزير الصحة بحر أبوقردة في مؤتمر صحفي عقده يوم الجمعة – عطلته – مستبقًا تطبيق العصيان، وواعدًا بمواصلة حكومته على دعم أسعار الأدوية التي ارتفعت إلى سقف لم يعد فيه حتى ميسوري الحال من السودانيين قادرين على احتماله. وذلك بعد أيام قليلة من تعليق نقابة الأطباء لإضرابها الذي ما أن انتهى، حتى صدق مجلس الوزراء على قراره الخطير لتعود الأمور إلى نقطة الصفر.

لم تصلني إجابات محددة على سؤالي فيما اتهمني البعض بمحاولة اثباط عزيمتهم. بينما طالب آخرون أن ننتظر ما ستؤول إليه الأمور في سلبية متفائلة. استجاب قطاع كبير من مواطني العاصمة للعصيان المدني وتجلى ذلك في انخفاض حركة المرور في شوارع الخرطوم إلى النصف مع بداية الأسبوع. فيما توقف العمل في عدد كبير من المؤسسات وتغيب معظم الطلاب عن جامعاتهم ومدارسهم وأغلقت المحال التجارية والأسواق بصورة مثلت اختراقًا للعديد من المواطنين الساخطين على النظام.

أعاد العصيان المدني بعضًا من الثقة المفقودة لدى الكثيرين في قدرة الحشد الجماهيري على إعلان حالة سخط عام، ولكن وبعد أن انقضت أيامه الثلاثة عادت الأمور إلى عادتها وتوجه الموظفون لمواجهة قرارات المحاسبة من قبل إدارتهم على تغيبهم المستمر عن العمل، وظل السؤال مطروحًا عن الخطوة التالية، ومثلما آلت الموجات الاحتجاجية في السنوات الست الماضية كانت النتيجة ذاتها: لم يسقط النظام ولم يتراجع عن قراراته.

رغم ذلك انطوى الأمر على مفارقة بالغة. في بلد لا يوجد فيه ما هو أكثر من القوى السياسية المعارضة بمختلف التنويعات: أحزاب سياسية، حركات مسلحة، حركات سلمية، منظمات مجتمع مدني. لم تأت الدعوة للخروج في مظاهرات أو مسيرات شعبية بل جاءت للعصيان المدني. لعمل احتجاجي سلبي لا يهدف إلا لإبراز السخط العام دون شعارات سياسية راديكالية من قبيل: إسقاط النظام، إقالة الحكومة. الخ. كان شعارًا يحمل كل دلالات التحول في أدوات المقاومة في القرن الواحد والعشرين #العصيان_المدني_السوداني_27_نوفمبر.

اقرأ/ي أيضًا: رغبة قديمة لامتطاء أخطبوط

لم تكن المفارقة في إحباط استعدادات الأجهزة الأمنية التي خرجت شاحناتها وجنودها ليقفوا في شوارع خالية من المارة. بل في مصدر تلك الدعوة الناجحة التي لبُيت بقدر حوّل حركة المرور نهار يوم الأحد الجحيمي إلى ما يشبه عطلة عيد الأضحى. كان المصدر ببساطة مجموعات نسائية سرية في موقع فيسبوك مثيرة للسخرية حتى في تسمياتها: “فسخ وجلخ” و”منبرشات”. مجموعات مغلقة تحكمها توجيهات صارمة للحفاظ على خصوصية العضوات والمحتوى الذي يتبادلنه. تُمارس فيها كل الصور النمطية المنوطة بالمرأة السودانية من قبل الخطاب الذكوري: النميمة، استعراض صرعات الموضة، الترويج لمستحضرات تبييض البشرة. لا لشيء إلا لأن هذه المجموعات والتي لم تكن مسيسة على الإطلاق امتلكت في لحظة تاريخية معينة أهم عناصر الحشد الجماهيري: أزمة ملّحة وخانقة على الجميع لدرجة خلق الزخم، وعدد هائل من الأعضاء في جسم واحد مع حد أدنى من الاتفاق حول القضايا العامة.

تخيّل/ي ما يمكن أن يحدث عندما ترتفع أسعار الأساسيات أضعافًا، في وسيط يناقش الكماليات يضم 200 ألف عضوة. المسيرة الأبرز التي خرجت قبل أسبوع العصيان كانت من هذه المجموعات، وكلها من النساء اللاتي وقفن بشجاعة في شارع أفريقيا بوسط الخرطوم منددات بقرار الحكومة في قضية لم تقتصر على شعارات حقوق المرأة بل المجتمع كاملًا.

حدث التحوّل بإزاحة جيل مواليد الثمانينات الذي كان المحرك الأساسي للموجات الثورية السابقة: انتخابات 2010 وصفقة انسحاب مرشح الحركة الشعبية ياسر عرمان مقابل انفصال سلمي للجنوب، تظاهرات 2011 و2012 المحاكية بشكل سيء لانتفاضات الربيع العربي، وانتفاضة سبتمر 2013 الدموية والتي جاءت في ظرف اقتصادي مماثل لكنها خمدت ما أن امتلأت الشوارع بالقتلى والمعتقلات بالناشطين.

هذا الجيل المأزوم والذي مُني بهزائم متلاحقة ليشيخ قبل أوانه في كامل المنطقة تمت إزاحته من الصورة من قبل جيل مواليد التسعينات. جيل النظام الحالي ومنظومته التعليمية والإعلامية. خرج طلبة المرحلتين الإبتدائية والثانوية من شارع المدارس في بحري فيما غلبت عليهم الطالبات. الحجاب الذي ظل أداة هذا المجتمع لإخضاعهن تحول للثام تغطي به المتظاهرات وجوههن وهن يتحدثن لكاميرات الموبايل مناديات بخروج المزيد من المحتجين ضد قرارات الحكومة.

اقرأ/ي أيضًا: بعد “تيران وصنافير”.. حلايب وشلاتين نحو الجنوب

هذا لم يكن إنقلابًا فقط على النظام الحاكم بل على المنظومة السياسية بأسرها. بمعارضتها ومجتمعها المدني اللذين صارا فاقدين للأهلية والمصداقية معًا، لأنهما عجزا عن تقديم “بديل” نظري أو تطبيقي قادر على استلام الأمور بعد نجاح عملية التغيير السياسي، أو ما يسمى في أدبيات المجتمع المدني بـ”اليوم التالي”، ولكن ما الذي يمكن أن يحدث لو أتت إحدى هذه الموجات الثورية بنتيجتها المنشودة؟ هل سيكون الانتقال السلمي للسلطة واقعًا؟ ومن قبل من؟

فالسؤال الذي يجب أن يسبق التساؤل عن الخطوة التالية بعد العصيان يجب أن يكون: ما الذي يمكن أن يحدث إذا نجحت الانتفاضة بالفعل؟ خصوصًا أننا وبعد الربيع العربي توفر لدينا معين من النماذج التي استخدمت فيها الثورة المضادة آليات متعددة للإنقلاب على الثورات إما بإزاحة الحكومات المتقلبة الجديدة كمصر وتونس، أو بقلب الطاولة تمامًا وتحويل الثورة السلمية إلى حرب أهلية كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن، وفي بلد يمتلك بالفعل ثلاثة جبهات للحرب الأهلية هب أن العصيان المدني قد أسفر عن استقالة الحكومة، أو كما قال أحد مستخدمي تويتر ردًا على السؤال المحافظ “البديل منو؟” بالقول ساخرًا: “افرض البشير مات؟ نقفل السودان؟” هنا تكمن إحدى أكبر المعضلات، فمن الواجب أن يتوقف اليسار عن عنجهيته التي يواجه بها تساؤلات اليمين المحافظ لوهلة، ويضع نفسه موضع السائل: هل يمتلك مجتمعنا البنية التحتية لتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ما أن يذاع البيان رقم واحد؟ هل نمتلك حقًا إجابة عملية لسؤال أحمد محمود “البديل شنو؟”

في حوار مفتوح شهر أبريل الماضي بمركز إمانويل أبدي الفيلسوف السلوفيني اليساري سلافوي جيجيك رغبةً مماثله في التساؤل مستغلًا مصادفة وجوده في لندن للحديث عن فيلم جيمس مكتيج V for Vendetta كمثال، ففي أجواء الدستوبيا المستقبلية لإنجلترا الفاشية – صورة يسهل تصورها الآن مع الوضع الحالي لبريطانيا ما بعد الاتحاد الأوروبي الشعبوية – تنتصر الحشود الملثمة بالقناع الشهير على قوات الشرطة وتقتحم البرلمان وتنتصر، أو كما يحتج جيجيك: “وينتهي الفيلم!” ليواصل بأسلوبه المتسم بالصفاقة: “أنا على استعداد لبيع أميّ كجارية مقابل أن أشاهد جزءًا ثانيًا من الفيلمV for Vendetta part II – حسنًا الشعب ينتصر ولكن ما الذي فعلوه في اليوم التالي؟ كيف أعادوا بناء السلطة؟”.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

صورة المقال من أعمال المصمم السوداني عمار حجر