الجوكر يحرق غوثام أخيرًا

جماجمُ في القاع كمخابئ للقناديل
مناشفُ بوجه ميكي ماوس طافية على سطح الخليج.
كلّ الموتى جميلون في الصور
الأحياء وحدهم يستحقون الموت.

سبع فراشاتِ سيكفين لتغطية ندباتك
بينما تتعرين لحمام الشمس.

لستُ بحاجةِ لحكايات
لتفاصيل ما جرى لك قبل الطلاق
يكفيني أن أعلم أن رجلًا..
لن يرحل أبدًا.

الرجل كالإيدز
يأخذ جسدك
وترحلان.

الدبوس الذي وخز إصبعي أكثر فداحة من كل الحملات الصليبية
من الهولوكوست، وقنبلة هيروشيما، وسربرنيتشا، وفرسان الجنجويد
فلماذا أشتعل في كل ليلة يقصفون فيها حلب؟

بتُ أشبه سيارات الإطفاء المحترقة في شوارع غوثام
بحاجة سكينٍ لأرسم ابتسامةً على وجهي الملطخ بالسخرية
أكثر ثراءً من أبراج دبي المضاءة الفارغة
أكثر كآبةً من ميدان التحرير المزدحم بالسيارات
فيما تنزف نسوةٌ مناديلَ من عيونهن
ويندبن بالسريانية
الدموع ضماداتٌ للحناجر الظمأى،
ولأجزاء الجسر الصدئة
سأحتضنها برغبتي في الغرق.

في الصحراء الواسعة أهبةٌ للضياع
لم تزرع الحضارة سوى أكياس النايلون
تحتضنها الشجيرات الضئيلة
وللسراب البعيد
قوارير فارغة من البلاستيك.

نحن جثثٌ مشتعلة في مسيرة هادرة
ننشد معًا استسقاءً لإله أصم
الريح الفضفاضة تلوّحنا
نارًا على علم
والنخيل على مد الفجر
تيجانٌ لملوك الحسرة والسبي.

الويل لمن أحبونا
ستحيق بهم الخيبة.

سننتظرهم في أروقة المشافي:
ليختر أيٌّ منكم خطأه الطبي الذي سيودي بحياته
هذه المعاطف البيضاء ليست سوى أكفان
وحدها الأجنة المجهضة
قامت بالصواب.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (3-3)

الفردانية التي اتسم بها نظام الرئيس عمر البشير في مرحلته المتأخرة لم تقتصر على صناعة القرار السياسي وحدها، وإنما كامل النخبة السياسية السودانية. تلخصت برامج الأحزاب السياسية وقيادتها في رؤسائها. إمام طائفة الأنصار الصادق المهدي -رئيس الوزراء السابق في حقبتين- يسيطر على حزب الأمة، والسيد محمد عثمان الميرغني زعيم الطريقة الختمية يظل متمسكًا بزعامة الحزب الاتحادي الديمقراطي، فيما لم يشكل انتفاء عنصر الطائفية مانعًا من سيطرة الحرس القديم من اللينينيين الاستالينيين على الحزب الشيوعي بعد وفاة سكرتيره التاريخي محمد إبراهيم نقد، وفي النماذج البديلة التي مثلت تهديدًا لهذه النخبة كان المصير مماثلًا.

انتهت الحركة الجمهورية وفلسفتها الطموحة بفصل الدين عن الدولة عبر تقديم نموذج تجديدي للإسلام بإعدام مفكرها محمود محمد طه قبل أسابيع من انتفاضة ١٩٨٥، وفي جنوب البلاد إنهار شعار “السودان الجديد” الموحد العلماني التعددي الذي يتسع لكل ثقافات السودان وقبائله ودياناته بسقوط مروحية العقيد جون قرنق في الأدغال التي لطالما قاد تمرده منها بعد أقل من شهر على نيله منصب نائب الرئيس الذي قاتله حتى قبل وصوله إلى السلطة، وتحولت الحركة الشعبية لتحرير السودان في عهد خلفه سلفاكير ميارديت من حركة تحرر وطني إلى حزب توتاليتاري متفرد بالسلطة تسيطر عليه قبيلة الدينكا وصار جنوب السودان مسخًا مستنسخًا من المستعمر السابق في الشمال.

فقدان حزب المؤتمر الوطني الحاكم لشرعيته والفراغ الذي أصاب خطابه الأيديولوجي مع سقوط “المشروع الحضاري” لم يجعل من النظام لقمة سائغة لمعارضيه، فأولئك تصدعت شرعيتهم هي الأخرى عندما تصدت “القيادات التاريخية” للأجيال الجديدة داخل الأحزاب في مجتمع يتسم بالـAgeism أو التمييز العُمري ضد الشباب.

دفع ذلك العديد من شباب الأحزاب الساخطين إلى تكوين أجسام سياسية توافقية غير أيديولوجية في حركات التغيير الاجتماعي: “التغيير الآن” و”قرفنا” إضافة لمنظمات المجتمع المدني التي فشلت بعد دعواتها للموجات الثورية الموؤودة في إسقاط النظام أو حتى نشر برامجها السياسية على نطاق واسع لتقديم بديل مقنع وخطوات عملية لتطبيقه.

تتردد دائمًا في مناشط المجتمع المدني السوداني كل تلك الشعارات الرائعة: النظام الديمقراطي، حرية الرأي والتعبير، فصل الدين عن الدولة، التعددية، حقوق الإنسان، حقوق المرأة…الخ. دون أن تتغلغل هذه الشعارات بين الطبقات الدنيا لمجتمع يبحث أكثر من نصفه عن لقمة العيش تحت خط الفقر. مع استمرار استهداف المدنيين العزل في دارفور وكردفان والنيل الأزرق من قبل آلة الحرب.

الفوضى عارمة في السودان بشكل مأساوي. تفككت أجهزة الدولة ومؤسساتها فيما احتفظ النظام بقوة قبضته الأمنية وآلته العسكرية وحدها. تكاد الخدمات تنتفي في الأرياف مع رداءتها في العاصمة التي نزح إليها أغلبية السكان. فيما لعب عمر البشير لعبته الخطيرة التي هشمت الثقة بين السودانيين.

تتمثل قدرة أي مجموعة بشرية على إدارة نفسها عندما تتوافق مصالحها وتجتمع لخلق سياسات مشتركة قائمة على عاملي السلم الأهلي والإيمان بضرورة العيش المشترك، وفيما استمرت السياسة السودانية في اللعب على وتر القبيلة. صار من غير المتوقع أن توافق النخبة الحاكمة من قبائل الجعليين والشوايقة والبديرية وغيرهم من المجموعات الناطقة بالعربية القبول بزعيم سياسي من الزغاوة أو النوبا أو الفولاني، فعندما تقسم السرديات الشعبية المجتمع إلى “عبيد” و”أولاد عرب” يصبح من المستحيل الحديث عن التعددية العرقية كمصدر قوة للمجتمع.

لا يمكن للسودانيين أن ينسوا عمليات الغياب الأمني التي صاحبت أعمال العنف من قبل الجنوبيين في الخرطوم والتي تلت اغتيال جون قرنق. كانت مخازن أسلحة الشرطة موصدة أمام الجنود وصار من المنطقي أن السودان لن يتوحد بعد ذلك اليوم عندما خرج الاقتتال بين الجنوبيين والشماليين من ساحات المعركة إلى شوارع الخرطوم.

الأمر نفسه في دارفور التي انهار فيها الوضع الأمني وتحولت كل قبيلة إلى مليشا مسلحة بحد ذاتها. وصار الكرت الرابح لعمر البشير هو “فرق تسد” والرهان على أن الشماليين لن يخرجوا بشكل حقيقي وحاسم ضد البشير خوفًا من سردية سيطرة الغرّابة -القادرين على ذلك ديموغرافيًا- إلى القصر، ولن يتوقع أحد أن يكون انتقال السلطة لشريحة إثنية جديدة سلميًا دون حمام دم.

على الجانب المؤسساتي يقف واقع عسكري يعزز من هذه الفرضية. في الثمانينيات كانت الحشود الخارجة إلى الشارع تواجه فقط جهازي الشرطة والقوات المسلحة. فيما كانت الحركة المتمردة الوحيدة بعيدًا في أدغال الجنوب. لم يعد الواقع كذلك في 2016. هناك ثلاث حركات مسلحة رئيسية في دارفور إضافة إلى عصابات النهب المسلح والجنود القبليين، والحركة الشعبية – قطاع الشمال تسيطر على منطقة حكم ذاتي في ولايتين حدوديتين.

لكن هذا هو العامل الأقل بساطة ففي المحصلة النهائية يمكن الاتفاق مع هذه الحركات المسلحة على هدف إسقاط النظام. إلا أن النظام نفسه لم يعد معتمدًا على قوات نظامية واحدة: القوات المسلحة التي تضم النخبة الحاكمة يصاب ضباطها بالتململ حيال انحسار نفوذها وقلة عتادها في مقابل جهاز الأمن والمخابرات الوطني الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى قوة نظامية لها سلاحها الخاص وصلاحياتها التي تفوق في بعض مناطق العمليات نفوذ الجيش السوداني نفسه.

أضف إلى ذلك المحاولة البائسة من عمر البشير لاستقطاب حلفائه من مليشيات الجنجويد سيئة السمعة، والتي لطالما كانت اليد المنفذة لعمليات التطهير العرقي في دارفور وتحويلها إلى مليشيات نظامية، تحت مسمى قوات الدعم السريع بقيادة أبرز رموز قبيلة الرزيقات محمد حميدتي.

تلك القوات التي ترقى في أفضل الأحوال إلى مرتبة العصابات الإجرامية، وإذا كان انفصال الجنوب ونهاية حقبة الجهاد المقدس قد مثلا نهاية لقوات الدفاع الشعبي -النموذج السوداني للحرس الثوري الإيراني- فإن مقاتليه السابقين من المحتفظين بشعارات الإسلام السياسي إضافة إلى ما تمثله الخرطوم من حاضنة فكرية لمعتنقي السلفية الجهادية يمثلون فزاعة لطالما أثيرت حولها الشائعات بوجود جناح محلي لتنظيم القاعدة، ولاحقًا داعش. في نظام ساهم بشكل أساسي في دعم حركة شباب المجاهدين الصومالية وبوكو حرام في نيجيريا.

اقرأ/ي أيضًا: السودان.. صلوات من أجل اللصوص

فيما يتعلق بمصير الرئيس البشير نفسه يمكن القول إنه في موضع لا يحسد عليه رغم استحواذه التام على السلطة. الانهيار المستمر للاقتصاد وتفشي الفساد يضعنا أمام صورة قاتمة للمستقبل. يوقن عمر البشير ذلك. في لقائه مع صحيفة الواشنطن بوست حكى لي زميلٌ كان يحضره كمترجم أن البشير رد بسخرية في هامش اللقاء على سؤال حول تراجعه عن قرار عدم ترشحه للرئاسة مجددًا في 2015 بالقول: “وهل هذه بلد يرغب أحد في أن يحكمها؟”.

البشير لا يرى أن ما حدث هو نتيجة للسياسات التي مارسها خلال حكمه الطويل، بل عيبًا خلقيًا في تكوين السودان. لكنه بالطبع لا يستطيع تخيل مصير أفضل له خارج مكتبه في القيادة العامة. مع شعبيته المتدنية داخليًا وخارجيًا وعدم ثقة المانحين الخليجيين فيه مع تاريخ طويل من التحالف مع إيران، والأهم تلك المذكرة الصادرة من المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي والتي رغمًا من فشلها مرارًا في إلقاء القبض عليه لمواجهة تهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب في دارفور، إلا أنها تظل شبحًا قائمًا ما إن يفقد سلطاته كرئيس للجمهورية. الأمر الذي يمثل دافعًا أكبر لاستمراره في السلطة حتى آخر يوم في حياته.

مع كل هذا التعقيد الجيوسياسي والإرث الاجتماعي الثقيل الذي يضرب في مقتل كل آمال التحوّل السياسي عبر انتقال سلمي للسلطة؛ أشعر دائمًا بالدهشة من الخطاب المتفائل الذي يتمتع به الكثير من المعارضين السياسيين السودانيين في نضالهم المحموم ضد نظام المشير عمر البشير.

قد يتمكن السودانيون في وقت قريب من التخلص من دكتاتورهم، فهو لن يعيش لزمن أكثر مما عاشه، ولكن التركة الكارثية التي ستتبعه لا تدفع أبدًا إلى التفاؤل بل إلى مزيد من الكوارث مع الأسف الشديد.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

لماذا لا يسقط النظام في السودان؟ (2-3)

أثناء الحرب الأهلية اللبنانية قدم الموسيقار والمسرحي زياد الرحباني عبر إذاعة “صوت الشعب” فقرة في برنامجه الساخر “العقل زينة” نصح فيها الثوريين: “لتعمل ثورة عالنظام لازم أول شي يكون في نظام، أي نظام. إذا عملت ثورة عشي مش موجود كيف بتظبط معك؟”. ما أود طرحه عبر هذا المثال هو السؤال: هل يوجد نظام سياسي في السودان محكم السيطرة من نخبة معينة بالمعنى التقليدي؟ وكيف يبدو؟ فمن السهل القول بأننا معارضون للرئيس عمر البشير وحزب المؤتمر الوطني، ولكن هل نمتلك القدرة على إزاحتهم، لا وبل إدارة البلاد بعدهم؟

عنون أستاذ الاقتصاد السياسي المصري الراحل سامر سليمان رسالته للدكتوراه بمعهد الدراسات السياسية في باريس بـ”النظام القوي والدولة الضعيفة”. حيث تمحوّرت أطروحته الرامية لتحليل أسباب الأزمة المالية لنظام حسني مبارك حول فشل مشاريع التنمية في عهده الذي استمر لثلاثة عقود عبر عرضه لمظاهر أساسية: زيادة الإنفاق من موازنة الدولة على أجهزة الأمن على حساب القوات المسلحة -التي كانت تمتلك مؤسسات اقتصادية قوية بالفعل- بغية السيطرة السياسية على الداخل بعد أن فقد النظام جزءًا كبيرًا من شرعيته مع استمرار فشله في إدارة الدين العام المتفاقم وعجز الموازنة طوال فترة بقائه الطويلة في السلطة.

وعجز النظام المصري عن شراء الولاءات الاجتماعية كأحد أهم أدوات السيطرة خصوصًا بعد إبعاد مراكز صناعة القرار القديمة لتتمحور الإدارة في شخص الرئيس وحده.

تمحورت أطروحة سامر سليمان في تمييزه بين مفهومي الدولة والنظام. ولخص الصحفي بجريدة الأهرام محمد سعد الفكرة في عرضه للكتاب بقوله: “النظام الذي يشكل المجموعة الحاكمة للدولة التي هي مجموع المؤسسات والروابط الاجتماعية عمل على تقوية نفسه على حساب التنظيم الأعم “الدولة” في كل خطوة لتدعيم حكمه، فكانت كل خطوة في طريق تدعيم النظام هي خطوة في طريق إضعاف الدولة وقدرتها التنظيمية”. ألا ينطبق هذا التحليل بصورة أو بأخرى على الوضع الحالي للسودان؟

تروقني المقارنة في التاريخ السياسي لكلٍ من مصر والسودان لأسباب موضوعية تتعدى التاريخ الاستعماري بينهما، فثمة العديد من السمات المشتركة بينهما رغم الفروق الواضحة بين النظامين: لا توجد حرب أهلية في مصر إضافة إلى تمتعها بوضع أمني ودفاعي مستقر بعد توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل، وفيما لا تمثل الطائفية دورًا في السياسة المحلية لسيطرة الغالبية المسلمة على الدولة فإن مركزية الإدارة في القطاع الحضري وعراقة الحياة المدنية المصرية جعلت من العشائرية عنصرًا هامشيًا في السياسة المصرية إلا فيما يتعلق بالانتخابات النيابية في مناطق الصعيد وسيناء.

الدولة السودانية مركزية أيضًا لكنها وعلى عكس الوضع في مصر واقعة تحت سيطرة مجموعات عرقية/قبائل محددة، تسكن القطاع الأوسط من حوض النيل ولا تمتلك لغاتها المحلية الخاصة. ما عزز من اشتعال حروب الموارد والهوية في بلد يتمتع رغم قلة تعداده السكاني بتنوع هائل في اللغات والإثنيات، فاستبدلت العنصرية والقبلية بالطائفية دون أن تختفي هذه الأخيرة تمامًا مع تشكيل العروبة والإسلام بوصفهما “الثقافة القائدة -LeitKultur” إذا ما صحت الترجمة عن الألمانية.

المقارنة الأثيرة لدي تعود لانتفاضة ٢٠١١. كان العديد من أصدقائي المصريين -غير المطلعين لما هو أبعد من ضاحية حلوان- يندهشون عندما أرد على سخريتهم المتسائلة عن عدم انضمام السودان للربيع العربي بالقول إن ربيعنا ازدهر وانحسر في الثمانينيات، وكان السيناريو متشابهًا لدرجة تدعو إلى الرثاء: يكرر الرئيس جعفر نميري المناورة البائسة لنظيره المصري أنور السادات بالتقرب إلى الإسلاميين والتحالف معهم، لكنه بدلًا من أن يكتفي بإضافة المادة الثانية إلى الدستور المصري التي تقر بأن الإسلام دين الدولة، يذهب بعيدًا باحتواء الإخوان المسلمين في الاتحاد الاشتراكي -أحد النماذج المصرية المكررة في السودان من تركة الناصرية- ويخاطر نميري بانهيار اتفاق أديس أبابا للسلام عبر تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية، منهيًا الحكم الذاتي للجنوب، ومعيدًا بذلك إشعال الحرب الأهلية.

في مصر اغتال الإسلاميون السادات واندلعت “الحرب على الإرهاب”. في السودان اختلف نميري مع الإخوان المسلمين ولكن دون أن يعود عن قرار الحرب في الجنوب. ينهار الاقتصاد وهنا تبدأ المقارنة بين السودان ١٩٨٥ ومصر ٢٠١١:

– تندلع المظاهرات وتضرب النقابات وتتوحد الأحزاب في سبيل إسقاط النظام.
– الجيش يتدخل في السادس من أبريل ١٩٨٦وينقلب المشير سوار الذهب على رئيسه ليدير المجلس الأعلى للقوات المسلحة الفترة الانتقالية.
– بعد عام يكتسح الإسلاميون الانتخابات النيابية ويشكلون حكومة ائتلاف مع أحزاب اليمين الأخرى ويهمش اليسار الذي قاد الانتفاضة دون أن يجني ثمارها.
– يتردى الوضع السياسي وتفشل الأحزاب في تشكيل حكومة توافقية مستقرة فينقلب الجيش مجددًا على الحكومة المنتخبة.

إلا أن ثمة فارق جوهري في الفقرة الأخيرة يجعل من المقارنة بين انقلاب عمر البشير في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ وانقلاب عبدالفتاح السيسي بعد مظاهرات ٣٠ يونيو ٢٠١٣ مختلة بدرجة ما، فعلى عكس ما حدث في مصر عندما اصطفت القوى المدنية ورأس المال مع المؤسسة العسكرية ضد جماعة الإخوان المسلمين. كان تنظيم الجبهة الإسلامية القومية -المنشق عن التنظيم الدولي للإخوان- هو من اختار العميد عمر البشير للقيام بما سمي بعد ذلك بـ”ثورة الإنقاذ الوطني”. في مزاوجة نادرة لم تتحقق لا في مصر ولا في الجزائر قبلها بين المؤسسة العسكرية وتنظيم الإسلام السياسي.

الأمر الذي قد يفرز وهمًا بأن الصراع ضد الإسلاميين والعسكر في السودان هو ضد كيّان متحد على عكس الواقع المصري. فقد أدت سياسة التمكين إلى تطهير كامل مؤسسات الدولة من التكنوقراط والبيروقراطيين غير الإسلاميين فيما سمي بالفصل للصالح العام. كان الأمر أقرب لنموذج الجمهورية الإسلامية الإيرانية خصوصًا مع سيطرة عرّاب النظام الشيخ حسن الترابي على صناعة القرار ليصبح المُقابل السوداني للخميني. استمرت الحرب في الجنوب واتخذت طابعًا دينيًا جهاديًا، وأصبحت الخرطوم محطة للتنظيمات الإرهابية الدولية من أسامة بن لادن وحتى كارلوس.

ولكن هل ظل النظام الذي ترأسه البشير عبر انقلابه عام ١٩٨٩ بغطاء أيديولوجي من الجبهة الإسلامية القومية بوصفه ثورة الإنقاذ الوطني هو نفسه النظام الذي يحكمه حزب المؤتمر الوطني الآن بعد انتهاء اتفاقية السلام الشامل باستقلال جنوب السودان؟

قد يكون الرئيس هو نفسه. لكن البلاد شهدت العديد من التحولات خلال فترة حكمه لستة وعشرين عامًا. انقلب خلالها على عرّابه حسن الترابي في ١٩٩٩ ووضعه تحت الإقامة الجبرية. انشقتْ الحركة الإسلامية بين حزب المؤتمر الشعبي المعارض وحزب المؤتمر الوطني الحاكم وتواجد الإسلاميون في السلطة والمعارضة. فيما زاد نفوذ الجنرالات الذين وإن كانوا يرددون نفس الشعارات إلا أن ولاءهم كان للقائد الأعلى للقوات المسلحة لا للشيخ الترابي.

لقد ضُربت شرعية النظام في مقتل رغم احتفاظه بنفس خطابه الأيديولوجي. أخذ مزيج العروبة والإسلام طابعًا محوريًا في أكبر بلد إفريقي، وفي الوقت الذي كانت تخمد فيه الإدارة الأمريكية حرب الجنوب ممهدة لانفصاله اندلع الصراع العرقي في دارفور كناتج لسياسات الحكومة الإقصائية. توقيع اتفاقية السلام كان الرصاصة الأخيرة في جسد الحرب المقدسة وأدبيات الجهاد ضد الخوارج التي لطالما كانت معين النظام للحفاظ على شرعيته، وبعد عدة انشقاقات ومحاولات انقلابية فاشلة وحملات لتصفية النظام من كل مراكز القوى انتهى عصر الأيديولوجيا والحزب والتنظيم وصارت كل مقاليد الأمور في شخص المشير عمر البشير. الفرد الواحد الصمد.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

السودان : وماذا بعد العصيان المدني؟ (1- 3)

شوارع السودان خالية أثناء أيام العصيان المدني (فيس بوك)

ثمة سؤال شائع يتكرر دائمًا خلال صعود الموجات الاحتجاجية ضد الأنظمة الشمولية: “من هو البديل؟”. لهذا السؤال مشروعية حقيقة تكمن في إدعاءه لرغبة الوصول إلى حل. لكن امتلاكه لتلك النبرة المحافظة في الخطاب وتشكيكه في كفاءة الطبقة السياسية بأسرها يجعله دائمًا عرضةً لنقد اليسار الراديكالي الذي لا يقدم إجابة واضحة إزاءه، مكتفيًا برفض السؤال من الأساس واتهام سائله بعدم امتلاك الخيال.

عندما كان لا يزال مُغنيًا للراب، طرح الناشط والمصوّر السوداني أحمد محمود سؤالًا “بديلًا” في إحدى أشهر أغانيه السياسية المتسمة بالمباشرة: “ما تسألني البديل منو. أسألني البديل شنو؟”. مقدمًا نموذج للإجابة: “البديل إنه تقوم ثورة. سلمية. تحقق لينا حرية مساواة وعدالة اجتماعية”.

ولكن كيف لذلك أن يتحقق بخطوات عملية على أرض الواقع؟ خصوصًا مع وضع السودان المتأزم اقتصاديًا واجتماعيًا وعسكريًا. حلل وناقش!

صادق مجلس الوزراء السوداني في الثالث من تشرين الأول/نوفمبر الماضي على “حزمة السياسات الاقتصادية”، وهي الشفرة المنمقة التي تعني موجة جديدة من غلاء الأسعار. صاحبها تقليص لفارق الضعف بين سعر الدولار الأمريكي في البنك وسعره في السوق السوداء مقابل الجنيه السوداني المنهار.

اقرأ/ي أيضًا: رؤية عن العلاقات العربية القرن أفريقية

انتشرتْ حالة من الوجوم أو ما يوصف في الصحافة بـ”الهدوء الحذر” وشرع العديد من المعلقين في التوقع بأن شيئًا ما سيحدث، وغالى البعض في التوهم بأن الجيش سوف يتحرك. كان ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء والأدوية كارثيًا في اقتصاد ريعي منهار يستشري فيه الفساد، وخسر قرابة 90% من موارده النفطية بعد استقلال جنوب البلاد دون تنويع مصادر الدخل في فترة الازدهار المؤقت لعملية السلام الانتقالية، وفي اقتصاد محاصر بعقوبات أمريكية لرعايته للإرهاب منذ التسعينات كان إصدار قرار كهذا أمرًا أشبه بالقنبلة.

قنبلة ألقتها الحكومة واختبأت لتراقب حجم الخسائر. حتى أن الرئيس عمر البشير غاب عن البلاد بين المغرب وغينيا الإستوائية والإمارات العربية المتحدة، كأنما يتهرب من المواجهة وهو الرئيس الذي لطالما كانت تحف تنقلاته الحذر منذ صدور قرار المحكمة الجنائية الدولية الفاشل، ولأن قرارات زيادة الأسعار كانت سياسة معتادة وغالبًا ما تتلوها موجة من الاحتجاجات الشعبية، استعدت الأجهزة الأمنية للأمر وباشرت حملة اعتقالات طالت عددًا من السياسيين والناشطين المعروفين. لكن المفاجأة جاءت من خارج الأطر المعهودة.

انطلق العصيان المدني في 27 تشرين الأول/نوفمبر الماضي بعد أن دُعي إليه في تطبيقات التواصل الاجتماعي ردًا على قرار الحكومة. في اليوم الثاني له طرحتُ هذا السؤال على أصدقائي في صفحتي الخاصة بفي سبوك: وماذا بعد أيام العصيان الثلاثة؟ كان تساؤلي نابعًا من يقين بأن هذه الخطوة وحدها لم تكن كفيلة بتحقيق التغيير المنشود، وإثناء الحكومة عن قراراتها التي حاولتْ التخفيف من حدتها بوعد من وزير الصحة بحر أبوقردة في مؤتمر صحفي عقده يوم الجمعة – عطلته – مستبقًا تطبيق العصيان، وواعدًا بمواصلة حكومته على دعم أسعار الأدوية التي ارتفعت إلى سقف لم يعد فيه حتى ميسوري الحال من السودانيين قادرين على احتماله. وذلك بعد أيام قليلة من تعليق نقابة الأطباء لإضرابها الذي ما أن انتهى، حتى صدق مجلس الوزراء على قراره الخطير لتعود الأمور إلى نقطة الصفر.

لم تصلني إجابات محددة على سؤالي فيما اتهمني البعض بمحاولة اثباط عزيمتهم. بينما طالب آخرون أن ننتظر ما ستؤول إليه الأمور في سلبية متفائلة. استجاب قطاع كبير من مواطني العاصمة للعصيان المدني وتجلى ذلك في انخفاض حركة المرور في شوارع الخرطوم إلى النصف مع بداية الأسبوع. فيما توقف العمل في عدد كبير من المؤسسات وتغيب معظم الطلاب عن جامعاتهم ومدارسهم وأغلقت المحال التجارية والأسواق بصورة مثلت اختراقًا للعديد من المواطنين الساخطين على النظام.

أعاد العصيان المدني بعضًا من الثقة المفقودة لدى الكثيرين في قدرة الحشد الجماهيري على إعلان حالة سخط عام، ولكن وبعد أن انقضت أيامه الثلاثة عادت الأمور إلى عادتها وتوجه الموظفون لمواجهة قرارات المحاسبة من قبل إدارتهم على تغيبهم المستمر عن العمل، وظل السؤال مطروحًا عن الخطوة التالية، ومثلما آلت الموجات الاحتجاجية في السنوات الست الماضية كانت النتيجة ذاتها: لم يسقط النظام ولم يتراجع عن قراراته.

رغم ذلك انطوى الأمر على مفارقة بالغة. في بلد لا يوجد فيه ما هو أكثر من القوى السياسية المعارضة بمختلف التنويعات: أحزاب سياسية، حركات مسلحة، حركات سلمية، منظمات مجتمع مدني. لم تأت الدعوة للخروج في مظاهرات أو مسيرات شعبية بل جاءت للعصيان المدني. لعمل احتجاجي سلبي لا يهدف إلا لإبراز السخط العام دون شعارات سياسية راديكالية من قبيل: إسقاط النظام، إقالة الحكومة. الخ. كان شعارًا يحمل كل دلالات التحول في أدوات المقاومة في القرن الواحد والعشرين #العصيان_المدني_السوداني_27_نوفمبر.

اقرأ/ي أيضًا: رغبة قديمة لامتطاء أخطبوط

لم تكن المفارقة في إحباط استعدادات الأجهزة الأمنية التي خرجت شاحناتها وجنودها ليقفوا في شوارع خالية من المارة. بل في مصدر تلك الدعوة الناجحة التي لبُيت بقدر حوّل حركة المرور نهار يوم الأحد الجحيمي إلى ما يشبه عطلة عيد الأضحى. كان المصدر ببساطة مجموعات نسائية سرية في موقع فيسبوك مثيرة للسخرية حتى في تسمياتها: “فسخ وجلخ” و”منبرشات”. مجموعات مغلقة تحكمها توجيهات صارمة للحفاظ على خصوصية العضوات والمحتوى الذي يتبادلنه. تُمارس فيها كل الصور النمطية المنوطة بالمرأة السودانية من قبل الخطاب الذكوري: النميمة، استعراض صرعات الموضة، الترويج لمستحضرات تبييض البشرة. لا لشيء إلا لأن هذه المجموعات والتي لم تكن مسيسة على الإطلاق امتلكت في لحظة تاريخية معينة أهم عناصر الحشد الجماهيري: أزمة ملّحة وخانقة على الجميع لدرجة خلق الزخم، وعدد هائل من الأعضاء في جسم واحد مع حد أدنى من الاتفاق حول القضايا العامة.

تخيّل/ي ما يمكن أن يحدث عندما ترتفع أسعار الأساسيات أضعافًا، في وسيط يناقش الكماليات يضم 200 ألف عضوة. المسيرة الأبرز التي خرجت قبل أسبوع العصيان كانت من هذه المجموعات، وكلها من النساء اللاتي وقفن بشجاعة في شارع أفريقيا بوسط الخرطوم منددات بقرار الحكومة في قضية لم تقتصر على شعارات حقوق المرأة بل المجتمع كاملًا.

حدث التحوّل بإزاحة جيل مواليد الثمانينات الذي كان المحرك الأساسي للموجات الثورية السابقة: انتخابات 2010 وصفقة انسحاب مرشح الحركة الشعبية ياسر عرمان مقابل انفصال سلمي للجنوب، تظاهرات 2011 و2012 المحاكية بشكل سيء لانتفاضات الربيع العربي، وانتفاضة سبتمر 2013 الدموية والتي جاءت في ظرف اقتصادي مماثل لكنها خمدت ما أن امتلأت الشوارع بالقتلى والمعتقلات بالناشطين.

هذا الجيل المأزوم والذي مُني بهزائم متلاحقة ليشيخ قبل أوانه في كامل المنطقة تمت إزاحته من الصورة من قبل جيل مواليد التسعينات. جيل النظام الحالي ومنظومته التعليمية والإعلامية. خرج طلبة المرحلتين الإبتدائية والثانوية من شارع المدارس في بحري فيما غلبت عليهم الطالبات. الحجاب الذي ظل أداة هذا المجتمع لإخضاعهن تحول للثام تغطي به المتظاهرات وجوههن وهن يتحدثن لكاميرات الموبايل مناديات بخروج المزيد من المحتجين ضد قرارات الحكومة.

اقرأ/ي أيضًا: بعد “تيران وصنافير”.. حلايب وشلاتين نحو الجنوب

هذا لم يكن إنقلابًا فقط على النظام الحاكم بل على المنظومة السياسية بأسرها. بمعارضتها ومجتمعها المدني اللذين صارا فاقدين للأهلية والمصداقية معًا، لأنهما عجزا عن تقديم “بديل” نظري أو تطبيقي قادر على استلام الأمور بعد نجاح عملية التغيير السياسي، أو ما يسمى في أدبيات المجتمع المدني بـ”اليوم التالي”، ولكن ما الذي يمكن أن يحدث لو أتت إحدى هذه الموجات الثورية بنتيجتها المنشودة؟ هل سيكون الانتقال السلمي للسلطة واقعًا؟ ومن قبل من؟

فالسؤال الذي يجب أن يسبق التساؤل عن الخطوة التالية بعد العصيان يجب أن يكون: ما الذي يمكن أن يحدث إذا نجحت الانتفاضة بالفعل؟ خصوصًا أننا وبعد الربيع العربي توفر لدينا معين من النماذج التي استخدمت فيها الثورة المضادة آليات متعددة للإنقلاب على الثورات إما بإزاحة الحكومات المتقلبة الجديدة كمصر وتونس، أو بقلب الطاولة تمامًا وتحويل الثورة السلمية إلى حرب أهلية كما حدث في ليبيا وسوريا واليمن، وفي بلد يمتلك بالفعل ثلاثة جبهات للحرب الأهلية هب أن العصيان المدني قد أسفر عن استقالة الحكومة، أو كما قال أحد مستخدمي تويتر ردًا على السؤال المحافظ “البديل منو؟” بالقول ساخرًا: “افرض البشير مات؟ نقفل السودان؟” هنا تكمن إحدى أكبر المعضلات، فمن الواجب أن يتوقف اليسار عن عنجهيته التي يواجه بها تساؤلات اليمين المحافظ لوهلة، ويضع نفسه موضع السائل: هل يمتلك مجتمعنا البنية التحتية لتحقيق الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية ما أن يذاع البيان رقم واحد؟ هل نمتلك حقًا إجابة عملية لسؤال أحمد محمود “البديل شنو؟”

في حوار مفتوح شهر أبريل الماضي بمركز إمانويل أبدي الفيلسوف السلوفيني اليساري سلافوي جيجيك رغبةً مماثله في التساؤل مستغلًا مصادفة وجوده في لندن للحديث عن فيلم جيمس مكتيج V for Vendetta كمثال، ففي أجواء الدستوبيا المستقبلية لإنجلترا الفاشية – صورة يسهل تصورها الآن مع الوضع الحالي لبريطانيا ما بعد الاتحاد الأوروبي الشعبوية – تنتصر الحشود الملثمة بالقناع الشهير على قوات الشرطة وتقتحم البرلمان وتنتصر، أو كما يحتج جيجيك: “وينتهي الفيلم!” ليواصل بأسلوبه المتسم بالصفاقة: “أنا على استعداد لبيع أميّ كجارية مقابل أن أشاهد جزءًا ثانيًا من الفيلمV for Vendetta part II – حسنًا الشعب ينتصر ولكن ما الذي فعلوه في اليوم التالي؟ كيف أعادوا بناء السلطة؟”.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

صورة المقال من أعمال المصمم السوداني عمار حجر

رغبة قديمة لامتطاء أخطبوط

من اللحظات النادرة التي تسبق فترة التحاقي بالمدرسة ومازلت أحتفظ بها، هي ذلك اليوم الذي اصطحبتني فيه والدتي إلى مدينة الملاهي مع بنات أم خليل جارتنا الفلسطينية. ذلك اليوم راسخ في ذاكرتي بوصفه المرة اليتيمة التي رأيت فيها والدتي وبنات أم خليل بدون عباءات خارج المنزل، لأنه كان يومًا مخصصًا للنساء والأطفال في مدينة الملاهي بالرياض -مسقط رأسي- بحيث لم يكن يحق للرجال من غير الهنود والبنغال والباكستانيين العاملين فيها بدخولها. لقد كانت مدينة مسرات محرمة على الرجال، ولا أدري إن كان العاملون فيها من الآسيويين مستثنين من ذلك بسبب بيولوجي، أم أنها مجرد عنصرية تفترض فيمن هو غير عربي رجولة منتقصة، لا تلزم نساء المسلمين بارتداء النقاب في وجودهم.

لا تزال وجوههن حاضرة بنضارتها في خيالي إلى الآن رغم سني الذي لم يتجاوز وقتها السنوات الأربع. كن يافعات وممتلئات بالحيوية. حتى والدتي كانت أكثر حماسة مني في اللعب والتنقل من تسلية لأخرى. كانت قد تخرجت لتوها من الجامعة. تتشارك جدتي فاطمة في تربيتي كضرب من المسؤولية المريحة التي لا تشكل لها أي أعباء مضنية، وهو ما لم يتطور إلى تقصير بأي شكل من الأشكال. الفعلة الشنعاء الوحيدة الماثلة من ذاكرة الطفولة والتي ارتكبتها والدتي في حقي وهو ما لن أنساه ما حييت: تركها لي مع سمر لركوب الأخطبوط.

والأخطبوط ضخم بشكل مرعب. بثماني أذرع كأي أخطبوط حقيقي مع فارق جوهري هو مقدرته على العيش فوق الماء. كان على ضخامته يحمل في كل يد كأسًا ذات مقاعد تتسع لعدد معين من البشر. ما إن يملؤها حتى يلتف بهم حول نفسه صعودًا ونزولًا مما يبعث جوًا من المتعة المرعوبة بكل ذلك الصراخ الصادر من كؤوسه، فلا تعرف إن كان ركابه خائفين، أم مستمتعين، أم الحالتين معًا. ما يعد في كل الأحوال أمرًا ممنوعًا بالنسبة لطفل لم يبلغ الخامسة. لكن تلك المسوغات ما كانت لتقنعني أبدًا بالموافقة على عدم ركوب الأخطبوط حتى بعد أن بلغت من العمر 30 عامًا وربما إلى أن أموت! رغم عشرات الخطابيط التي ركبتها بعد ذلك مجازًا وحقيقة.

كان انتقامي وقتها هو أن أبتعد عن مجال مراقبة سمر، وهو ما قصدتُ به التسبب في مشكلة لماما التي سيجن جنونها إذا ما عادت ولم تجدني. لكن خطتي البائسة سرعان ما فشلت عندما وجدتني سمر جاثمًا على أحد الأرصفة بين كل تلك الألوان المتراكضة من الأطفال السعداء أبكي بحسرة، لأن أمي خانتني لتلهو مع أخطبوط!

الخطة التعويضية التي نفذتها سمر كانت أخذي إلى مجموعة من الأراجيح الدوارة التي كانت بالكاد تتسع لمؤخرة محشورة في قماط. أخذتْ تلتفّ بي الأرجوحة دورة بعد دورة، وأنا لا أرى سوى المشاهد نفسها تتابع داخل رأسي في شكل دوار مثير للصداع بينما تكرر لي وجه سمر الواقفة قبالتي بشعر مسترسل لم يصل إليه رجال هيئة الأمر بالمعروف وراء هذه الأسوار العالية من الفرح. بتكرارٍ باعث على السأم رغم ظرافتها ومحاولاتها الدؤوبة لإضحاكي. الشيء الوحيد الذي كان يتكرر أمامها مع كل دورة للأرجوحة هو طفل أسمر بدين عابس الوجه.

لسمر ذكرى قديمة معي قد تعود لفترة أقدم من يوم مدينة الملاهي فتحت عيني للمرة الأولى على ما يمكن أن يشعر به الأمر حيال إثنيته. لكن جهلي بالمصطلحات وقتها لم يرسخ الواقعة بشكل سلبي في ذاكرتي. كنت أقضي فترة الظهيرة في بيت أبي خليل بينما كانت أمي في الجامعة. ألهو مع سمر التي كانت تحب الرسم مثلي. جاءت بدفتر تلوين وأقلام رصاص من مختلف الألوان. بدأنا نلوّن معًا، وعندما رأيت رسومًا لأولاد يلعبون في حديقة بدأت في تلوين أحدهم باللون البُني كي يبدو مثلي. جُن جنون سمر، وغضبت لأنني لوثت وجه الفتى آمرةً إياي أن ألونهم فقط باللون الزهري أو أن أتركهم بيضًا دون تلوين.

عادت أمي من الأخطبوط لكن أرجوحة كتلك ما كانت لتنسيني ما فعلته. محاولاتها التالية لتهدئتي وإثنائي عن غضبي لا أذكرها، لكنها بطبيعة الحال كانت تنجح، فمن الأمور التي ظللت أحتفظ بها منذ طفولتي هو ذاكرة سيئة أمام كل ما ينغصني. مما جعلني إنسانًا أكثر تسامحًا مع من يخطئون في حقي، وإن كانت تُكسر تلك القاعدة أحيانًا لأسباب تقتضيها قذارة البشر، لكنني بطبيعة الحال أكملت حياتي بشكل طبيعي برفقتها، وحتى مغادرتنا للرياض بعد أن أثبت صدام حسين أنه لم يكن يمزح مع اقتحامه للكويت وبدئه بتنفيذ وعوده الجهنمية بإطلاق صواريخه الروسية العمياء باتجاه مدينتنا المسالمة، فكانت جدة، وكان البحر الأحمر، ولم أر ذلك الأخطبوط في مدينة الطفل السعيد مرة أخرى.

المرة التالية التي ذهبت فيها مع والدتي إلى مدينة الملاهي لنلهو فيها سوية، لا لمجرد اكتفائها بالفرجة، كانت بعد ذلك بستة عشر عامًا. في ملاهي السندباد بالقاهرة، وعلى صغرها، والمقارنة المعدومة بينها وبين مدينة الطفل السعيد في الرياض التي لم تختف في غياهب عصبونات الذاكرة بعد كل هذه السنوات. إلا أنها قدمّت لي اللعبة التي أمكنني فيها أن أشارك والدتي اللعب عليها ندًا لند “الشواية” كما يسمونها. مجموعة من المقاعد المنقلبة أفقيًا رأسًا على عقب بزاوية 360 درجة. قدمتْ لي لحظةً نادرة اكتشفت خلالها احتفاظ والدتي بتلك الشخصية المرحة القادرة على الاستمتاع بالحياة مع من تحب. رغم ازدياد وزنها وكبر سنها بما يمثل ضعف تلك الحسناء التي تركتني لتلهو مع الأخطبوط. غياب الأخطبوط في ملاهي السندباد هو ما لم يجعلني أتنازل عن أحقادي القديمة بشكل نهائي لكن انهماكنا سويًا في عاصفة الضحك ونحن محاصران بأحزمة مقاعد “الشواية”، وهي توجه أقدامنا إلى السماء ورؤوسنا لرؤية البنايات المقلوبة، خصوصًا مع سماعنا لابنة عمها وهي تختم القرآن بجوارها خوفًا من السقوط. كل ذلك جعلني أتأكد أن بعض اللحظات المفقودة من حياة المرء قابلة للتعويض بشكل أكثر جمالًا وإسعادًا عما كان يمكن أن يحدث في الماضي إذا ما تكررت الفرصة.

لاحقًا، استطعتُ أن أرى سمر في زيارة خاطفة لعمّان مع بقية أبناء أم خليل، وأم خليل نفسها. خالتي الفلسطينية التي علمتني حُب المقلوبة وألصقتْ بأنفي رائحة لا تمُحى للمريمية كلما رأيتُ كأس شاي. لم تكن بتاتًا تلك السمر اليافعة في مدينة الملاهي وقد غطتْ شعرها المسترسل من كتفيها في حضرة شاربي الناميين بطرحة مشجرة بأزهار ياسمين باهتة، ومن نظرتها الباردة والغريبة التي لم يكن فيها أي من تلك التعبيرات المرحة التي واجهت بها طفلًا ناقمًا تأكدتُ أنني لم أعد أبدًا أشبه ذلك الطفل الأسمر البدين الذي يريد ركوب الأخطبوط.


نشرت المقالة الأصلية في الترا صوت

وودي آلن.. الكمّ على حساب الكيف؟

يطل وودي آلن، بفيلمه السنوي هذه المرة بعنوان Irrational Man “الرجل اللا عقلاني”، مقدمًا لنا شخصية البروفيسور آبي لوكاس، أستاذ الفلسفة المرموق الذي يؤدي دوره الممثل البورتوريكي خواكين فينكس، ليلعب مجددًا على ثيمة البطل المصاب بالاكتئاب وأزمة منتصف العمر. السمّات الشخصية التي خولّت كِت بلانشيت لنيل جائزة الأوسكار عن دورها في فيلمه ياسمين أزرق Blue Jasmine العام 2013.

يضاف إلى ذلك، العناصر المعتادة التي صبغت أغلب أفلامه التي تسخر من الإنتلجنسيا الأمريكية (النيويوركية غالبًا) من مثقفين وفنانين وأكاديميين، باعتبارها ركنًا أساسيًا من أفلامه ونصوصه القصصية والمسرحية، وهي الشريحة الاجتماعية التي يعتبر وددي آلن أحد أبرز رموزها في القرن العشرين. فيما يأخذ النقد اللاذع من العلاقات العاطفية، ومؤسسة الزواج تحديدًا، حصة كبيرة من أسلوبه الكوميدي. بشكل أسس له نمطًا خاصًا فيما يعرف بسينما المؤلف، بوصفه سينمائيًا نادرًا ما يقدم إلى الشاشة نصًا ليس من تأليفه.

وكسائر أفلامه، يبتعد وودي آلن عن أي تقنيات إخراجية مبهرة ليواصل سيره في تيار معاكس لأفلام هوليوود التقليدية كبيرة الإنتاج. معتمدًا بشكل أساسي على الحوار الساخر والحبكة المليئة بالمواقف الغرائبية لشخصياته المضطربة، وهو هنا في “الرجل اللا عقلاني” يعرض انتقال البروفيسور النابغ الذي تسبقه سمعته الأكاديمية إلى الجامعة المنقول إليها حديثًا. بشكل يرسم حوله هالة كاريزمية توقع في غرامه زميلته ريتا التي تتورط معه في خيانة زوجية يحبطها فيها بروفيسور لوكاس، بافتقاره لأي رغبة جامحة لممارسة الجنس نتيجة لاكتئابه، فيما نرى على الجانب الآخر انسحاق طالبته جِل -قامت بدورها إيما ستون- أمام شخصيته التي تسحرها في مدى عمقها والإحباط الذي يتعاطى به بروفيسور لوكاس مع العالم من حوله.

لدرجة تجعل من شخصيته ومحاضراته مادة دائمة لحديثها حتى مع أسرتها وعشيقها الذي يواجهها بدوره بفكرة وقوعها التدريجي في غرامه. الأمر الذي تواصل في إنكاره إلى أن يثبت العكس في المشهد الذي تحاول فيه تقبيله في مدينة الملاهي، في حبكة بدت مكررة ومألوفة في أفلام آلن الذي دائمًا ما يقدم أبطالًا ساحرين أيروتيكيًا كتعويض سينمائي ربما لحياته العاطفية التي يبدو أنها ليست بهذا الشغف، ربما!

تكرار تناول هذه الثيمات ليس العيب الوحيد الذي وقع فيه “الرجل اللا عقلاني”، بل هو “اللا عقلانية” غير المقنعة التي حاول آلن تداركها في عنوان الفيلم لتبرير حبكته. حيث نرى فجأة البروفيسور لوكاس وقد انقلبت حياته رأسًا على عقب بشكل يحرره من حالة الاكتئاب ليجد دافعًا وهدفًا لمواصلة حياته ما أن يسترق السمع بالمصادفة، بصحبة طالبته جِل في أحد المطاعم، لأم تحكي بمرارة لجمع من معارفها القضية التي تواجهها في المحكمة والتي ستخسر فيها حضانة أطفالها لمعرفتها المسبقة بفساد القاضي الذي يتولى سير القضية. ليقرر بعدها البروفيسور لوكاس قتل هذا القاضي بالسم في خطة محكمة يدفعه لتنفيذها انعدام أي تعارض مباشر للمصالح أو المعرفة المسبقة بالقاضي، الذي يموت بالفعل في ظروف غامضة بالنسبة للشرطة التي لا تظهر أبدًا في الفيلم.

يأتي هذا الحافز المفاجئ بعد أن نعرف مسبقًا أن وقوع بروفيسور لوكاس في حالة الاكتئاب نجم في الأصل عن مقتل صديقه المقرّب في العراق، إضافة إلى جملة اعتراضية عابرة في مجمل تعريفه بنفسه لطالبته وعشيقته اللاحقة جِل، بقضائه ستة أشهر في إقليم دارفور كضرب من ضروب التجربة الإنسانية المغايرة لرجل أبيض، رغم إحاطته المباشرة بهذه المآسي الدموية التي عاصرها، لم يتحرك ضمير لوكاس المضطرب وإحساسه الغامر بانعدام العدالة من حوله إلا من حادثة فساد قضائي بسيطة كهذه، وبمحض الصدفة، ولم تكن لتؤدي إلى توقيع عقوبة الإعدام على أحد بطبيعة الحال، متعاطفًا مع امرأة مجهولة بالنسبة له لم ير وجهها حتى في المشهد.

ضآلة المساحة الكوميدية في الحوار مقارنة بقدرة وودي آلن المعتادة على السخرية، وضعف الحبكة بشكلها غير المقنع، والاستسهال الواضح في تقديم المعالجة السينمائية للقصة، أصابت “الرجل اللا عقلاني” في مقتل باعتبار تلك العناصر هي الأرضية التي تقف عليها سينما وودي آلن، ولم يتبق هنالك إلا جودة الأداء التمثيلي الذي لن يقع فيه التقدير إلا للممثل نفسه، حتى وإن كنا على يقين أن إدارة الممثل هي مهمة تقع على عاتق المخرج بالأساس، وحتى الموسيقى التصويرية التي تميزت أفلامه بأنها نافذة سينمائية على كلاسيكيات موسيقى الجاز -التي يفضلها آلن بوصفه عازف ترومبيت محترف- بدت في هذا الفيلم كسولة باقتصارها على شريط موسيقي واحد ومكرر في معظم مشاهد الفيلم، بغض النظر عن الحالة الشعورية للشخصيات، متوترة كانت أم مرحة.

هذه الضربة غير الموفقة تعطي انطباعًا بأن وودي آلن إنما كتب هذا الفيلم وقدمه بحكم الواجب، حتى لا يمر العام دون أن يقدم فيلمًا لدور العرض، مع العلم أنه ومنذ العام 1971 لم تمر سوى ثلاثة سنوات لم ينتج فيها آلن فيلمًا، آخرها كان العام 1981، فيما كان يخرج في بعض السنوات فيلمين أو ثلاثة، ما يجعل في رصيده الآن 55 شريطًا سينمائيًا كتب معظمها بنفسه، كان “الرجل اللا عقلاني” واحدًا من أسوأها، كضحية لانحياز المخرج إلى كفة الكم في مقابل الكيف.